مجلة شهرية - العدد (548)  | مايو 2022 م- شوال 1443 هـ

ذكريات لا مذكرات(١3)

بعد عامين متتاليين في معهد الدراسات التكميلية بالطائف، عاد الدارسون من المعلمين إلى مدارسهم وغيرها بتوجيهات من مديريات التعليم التابعين لها، ولم أعد إلى (المدرسة العزيزية) التي أعمل بها، بل انغمست في المطالعة لما تحصلت عليه من كتب جديدة انضمت إلى حصيلتي من الكتب المتواضعة، أمضي الليل قراءة ويصعب علي الاستيقاظ مبكراً، مكثت قرابة عشرين يوماً فإذا بالأستاذ حسن حسن العبادي يفاجئني بزيارة تتضمن البحث عن مفقود، حاملاً رسالة شفهية من أخيه مدير المدرسة العزيزية يعتب فيها عليّ في عدم مراجعة المدرسة لأن صورة التوجيه التي وصلته تشير إلى تثبيت المعلم سعد الحميدين في المدرسة العزيزية. وهي كما عرفت باتفاق بين مدير التعليم الأستاذ عبدالله الحصين والأستاذ علي العبادي الذي كان حريصاً أن أكون في مدرسته سكرتيراً (كاتب إداري)، فأبديت لحسن عدم رغبتي في عمل السكرتارية وكذلك التدريس، لأنني أريد أن أعمل في الصحافة متفرغاً، ذهب غير مقتنع قائلاً: ما باليد حيلة.
ذهبت الى مدير شؤون الموظفين في إدارة التعليم مبدياً نيتي ترك وظيفتي كمعلم، فأخبرني أن خطاباً قد أرسل للوزارة متضمناً تخلفي بالغياب عن العمل مدة تزيد عن العشرين يوماً، وفي نظام الموظفين المادة (68) تنص على أن من تغيب 15 يوما دون عذر يعد مفصولاً، وأن علي أن أراجع وزارة المعارف لتدارك الموضوع بتقديم عذر يبرر الغياب. خرجت ومررت بالسيد بائع الكتب المستعملة مستفسراً عن كتاب أو دورية من الدوريات الأدبية الشهيرة في العالم العربي وذهبت بما اخترت إلى منزلي وكأن شيئاً لم يحدث. في عصر ذلك اليوم زارني الأستاذ الإذاعي محمد الشعلان حيث كان في زيارة لقريبه صالح الشعلان أحد العاملين في بيع السجاد والملابس الصوفية في السوق المخصص لذلك، وتربطني بمحمد معرفة تأتت من زياراتي المتكررة للإذاعة بجدة إذا ما كنت في عمل لجريدة المدينة، حيث يصر الأستاذ علي الرابغي أن أرافقه للتعرف على الأدباء والإعلاميين، وكان المكتب الأساس هو مكتب الأستاذ الإعلامي بدر كريم الذي لا تجد مكاناً فيه لتجلس إلا بصعوبة، لكثرة الداخل والخارج والزائر والمراجع، وتدور النقاشات المختلفة التي كثيراً ما ربطت بين مرتادي هذا المكتب، وقد سعدت فيه بمعرفة أدباء وفنانين وإعلاميين كبار منهم الأساتذة محمد حسن عواد، طاهر زمخشري، محمود عارف، أبو تراب الظاهري، محمد حسن فقي، مطلق الذيابي، غازي علي، محمد طلعت، إبراهيم خفاجي، صالح جلال خالد زارع، يحيى كتوعة، محمد الشعلان، وغيرهم كثيرون.
الفترة التي جاء خلالها الإعلامي الشعلان كان قد ترك الإذاعة ويعمل بوزارة العمل بسبب خلاف مع مدير الإذاعة وكان يراسل جريدة الجزيرة من مكتبها بجدة، أخبرته بما دار بيني وبين مدير الموظفين، وأيد توجهي نحو الكتابة والصحافة، مقترحاً أن أسافر معه إلى جدة مصطحباً معي بعض المواضيع التي نشرت لي في صحافة الأفراد والمؤسسات لعرضها على رئيس تحرير جريدة البلاد الأستاذ عبدالمجيد شبكشي وهو سيرافقني إليه، وبعد يومين كنا في جدة وفي مكتب الشبكشي ومعي بعض مما كتبت وسلمتها له وتولى نقل رغبتي في التفرغ لممارسة العمل الصحفي الشعلان، وكان يتواجد في المكتب الأساتذة: محمد حسين زيدان، أحمد قنديل، عبدالله الجفري، جلست صامتاً أستمع لحديث الأساتذة ومداخلاتهم، وكنت في رهبة مع إعجاب بنفسي أنني توصلت إلى أن أرى الأدباء الذين أحبهم وجهاً لوجه وليس صورهم التي تنشر في الجرائد أو أصواتهم عبر الراديو، وعدني الأستاذ (أبو فوزي) خيراً وسلم مقالاتي لمدير التحرير الأستاذ عبدالغني قستي، تحرك الأستاذ الزيدان ناهضاً ومن معه قائلاً: (توكلنا على الله يابو القناديل.. ليرد: أبشر يابو الزيادين). وكانت عبارات الاحترام والمداعبة الراقية من سمات الكبار، خرجنا مع الأساتذة الذين صحبهم الأديب الشاب وقتذاك عبدالله الجفري في سيارته، ذهبت والشعلان إلى مكتب الجزيرة قرب شارع قابل، وتسللت لمكتبة (الري) وكان في الصف الأول من الكتب الجديدة ديوان (المركاز) للشاعر أحمد قنديل في جزأين من الشعر المكتوب باللهجة الشعبية (المنطقة الغربية) وزوده بالأمثال والمقولات. قضيت ليلتي في فندق الحرمين في سهرة مع الديوان الذي اخترت منه عشوائياً هذه الأبيات وهي بعنوان محرر، قدمها الشاعر بهذه الكلمات: قال الأستاذ العواد في إحدى لياليه الشعرية على لسان الداعي لكم بالخير:
حبيبة قلبي لو عرفت بلاءه
     لأقصرت يومي والحياة بلاء
أنا الرجل الكحيان من سوء قسمتي
     ولدت وما فِشْ عندنا شعراءُ
وقد كنت فناناً أقول قصيدة
     فيحفظها غيباً لِيَ الخُلصاءُ
وتنقلها عني المجالس كلها
     وتَغْلَبُ في أوصافها البُلغاءُ
فأفْضَلُ مبْسوطاً وأبقى أُدَنْدِنُ
     أهَزْهِزُ أكْتافي كِدا وكِداءُ
ويشتمل (المركاز) على العديد من القصائد المماثلة التي لها وقعها في النقد والتوجيه الاجتماعي والثقافي، فالقنديل شاعر بحق أجاد في كتابة الفصيح والعامي وله من الدواوين والكتب الكثير، وقد تحصلت على معظمها.
فكرة العمل الصحفي تمكنت مني وأيدني في ذلك العديد من الأصدقاء والأنداد، صادف أن والدي وأخواتي وإخوتي كانوا في الرياض بسبب زواج أختي (طريدتي) وأحسست بفقدها إذْ هي في خيالي وكأنها أمامي وأنا في البيت وحدي.
وصلتني رسالة من والدي (رحمه الله، وكل من ورد اسمه في هذه الذكريات من الراحلين وأطال عمر الباقين وأسعدهم) متضمنة أن مدة بقائهم في الرياض هذه المرة ستطول ويطلب أن أعمل بعض الأشياء التي تساعدني على البقاء وحيداً، كالتواصل مع الأقارب والجيران، ومتسائلاً عن سبب عدم ذهابي للعمل -وصلته رسالة من أحد الأقارب بلغه فيها بذلك-، أخبرت جاري اللصيق بعزمي على السفر للضرورة، وفي صباح اليوم التالي كنت في موقف الرياض أنتظر تحرك السيارة الشفروليه حمولة خمسة ركاب التي أخذت تنهب اللسان الأسود بسرعة 120 وتزيد ونتقص أحياناً لم تتوقف إلا في عفيف للغداء، وفي وقت المغرب كنت أطرق الباب على الأهل في شارع الظهيرة.
في اليوم الموالي ذهبت إلى وزارة المعارف، وفي قسم التدقيق في الإدارة المالية التقيت بزميلي في مدرسة الحارث بن كلدة (إبراهيم سليمان العسكر) الذي انتقل من إدارة التعليم بالطائف إلى الوزارة واستفسرت منه عن إدارة شؤون الموظفين وكان خير مرشد في الوزارة وأنيساً خارجها، راجعت المكاتب المختصة وتوصلت في اليوم الثالث إلى صدور قرار وكيل الوزارة القاضي بطي قيدي بناء على منطوق المادة الثامنة والستين غياب خمسة عشر يوماً دون عذر شرعي، فرحة شابها بعض النكد قليلاً بسبب توقف إعادة الخدمة، أو دخول مسابقة إلا في شهر رجب ونحن في شهر جمادى الأولى، ولكن فرجت بأن قبلت أن أعمل على بند أجور العمال في مصلحة مياه الرياض براتب متدن.
ولعلاقتي بمجلة الجزيرة قبل التحول إلى جريدة ذهبت لمكتب الجريدة (الجزيرة) وكانت أسبوعية ومدير التحرير بها الأستاذ راشد فهد الراشد الذي استقبلني استقبال الأخ لأخيه حيث كان يقوم بعمل رئيس التحرير، وأشار علي أن أتولى تحرير صفحة الأدب، خلفاً للأستاذ علي العمير الذي كلف برئاسة مكتب جريدة البلاد، وبعد تردد قبلت وعملت دون شروط سوى أن يساعدني-راشد- في الأمور الفنية التي أجهلها وكان ذلك في مطابع الرياض شارع المرقب، أسير أيام العمل كل عصر من شارع الظهيرة إلى شارع المرقب لألتقي بالزملاء راشد فهد الراشد، عبدالله السليمان، صالح بن عوين، سليمان البريكان. وأخذت الصفحة وجهاً آخر يتسم بالحداثة مما حال دون استمراري في التحرير بالجريدة.

ذو صلة
التعليقات