مجلة شهرية - العدد (548)  | مايو 2022 م- شوال 1443 هـ

من مشكلات العصر: (القلق)

حول هذه المشكلة ندندن،
وكل عصر له دندنة..
عصر له محتوى،
وعصر له بهرجة..
عصرنا عصر القلق،
والأمر بيد رب الفلق..
القلق مرض وسمة وصفة..
الإنسان يقلق في هذه الحياة..
والحياة كلها قلق..
القلق عنوان الإنسان السوي
والجمود عنوان الغوي
بعضهم يُثقل ظهره، ويُتعب فكره..
وبعضهم لا يطيق حمل ذرّة..
قال أبو فراس الحمداني:
تطولُ بي الساعاتُ وهي قصيرةٌ
وفي كلَّ دهرٍ لا يسرّك طولُ
بعضهم يقلق من عصره،
وبعضهم يقلق على لقمة عيشه، وكأنه ما درى أن الخالق قد قال:
(وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) الذاريات آية 22، وقال الشاعر:
أرزاقنا قد كتبت من ربنا سلفاً
وكل شيء لنا في عمرنا قد قُدرا
فعش بفأل كمثل الطير مبتهجاً
يغدو يجوع وشبعاناً إذا صدرا
الحياة تتجاذبها المتضادات،
الخوف والرجاء من أقوى المسببات،
المؤمن يرجو عفو ربه، ويخاف عقابه..
والكافر سادر في غيّه..
الحياة هكذا،
فهي دار عناء وشقاء..
قال جل جلاله: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَد..) البلد آية 4، فالإنسان يعاني المشقة في أمور الدنيا وفي طلب الرزق، وغير ذلك، كما أنه يعاني مجاهدة النفس على طاعة الله إن كان مسلماً..
كُلّنا نقلق في هذه الحياة..
المثقف يقلق لواقع الثقافة في عصره،
نشعر بضيق الحياة ومساحتها ونفكر في أشياء بعيدة..
قال أحدهم في حسابه على تويتر: عندما تباع الأحذية فوق أرفف زجاجية في محلات مكيفة، وتباع الكتب فوق كراتين في الشوارع على الأرصفة، فاعلم أنه وصل الحال إلى الاهتمام بالأقدام أكثر من العقول..
وقبله قال توفيق الحكيم:
«لقد انتهى عصر النظم وبدأ عصر القدم..، يأخذ اللاعب في سنة واحدة ما لا يأخذه كل أدباء مصر من أيام أخناتون إلى الآن...»
وهكذا بقية الناس،
كلنا نقلق في هذا العصر: الصغير قبل الكبير، والعالم والجاهل، والمسؤول والمرؤوس.
القلق من طبيعة البشر في كل عصر وكل حين، لكنه في هذا العصر زاد عن حده وبخاصة بعدما كثرت الفتن والحروب والقلاقل والمحن وهذه كلها قد تعوذ منها رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم..
أقبلت الحياة علينا فزاد قلقنا..
زادت وسائل المعرفة والتواصل فكان الجفاء والبعد بين الناس،
زادت وسائل الثقافة فكان التسطّح والاكتفاء بما يقال هنا وهناك..
تحوّل القلق إلى (مرض)، لدرجة أن منظمة الصحة العالمية قد قالت إنه ليس هناك سبب واحد يؤدي للاضطرابات أو المرض النفسي، بل مجموعة أسباب تتفاعل فيما بينها لتؤدي في النهاية إلى إصابة الفرد بتلك الاضطرابات، وهي اضطرابات أصبحت مرادفة للتطور الذي تشهده الحياة اليومية...
إن ذلك يُظهر لنا أن القلق النفسي مرض العصر ينتهي في معظم أحواله بزوال الحالة..
إننا ونحن أمام هذا الواقع، ينبغي أن نقلل من اهتماماتنا الزائدة في هذه الحياة، وأن نتيقن أن هناك خالقاً لن يضيعنا، ما دمنا نذكره ونتعلق به،
فمن توكل على الله فهو حسبه..
قال أحدهم ناصحاً أحد الملوك بعد أن ناداه لنصحه:
اعلم أيها الملك أن:
الدنيا إن حَلَتْ
أَوْحَلَتْ،
وإن كَسَتْ
أَوْكَسَتْ،
وإن جلت
أوجلت،
وإن أينعت
نعت
وكم من قبور تبنى
وما تبنا
وكم من مريض عُدنا
وما عُدنا!!
الحياة دار مرور، وليست دار قرار، ولذا فعلينا أن نفكر فيها من خلال هذا المنطلق وأن نترك ما يتعبنا من قلق يسبب لنا أمراضاً لا حصر لها.
وفي الحكمة: أغلب الأشياء تنقص إذا تقاسمتها مع الآخرين،
إلا السعادة فإنها تزداد إذا تقاسمتها مع الآخرين.
ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير.

ذو صلة
التعليقات