مجلة شهرية - العدد (551)  | أغسطس 2022 م- محرم 1444 هـ

فاليريا لويزيلي.. تقف على حدود الرواية في (أرشيف الأطفال المفقودين)

على الرغم من أن الكاتبة المكسيكية فاليريا لويزيلي Valeria Luisell تعيش في مدينة نيويورك، إلا أنها لا تعتبر نفسها أمريكية- ليس بالولادة (ولدت في المكسيك)، ولا عن طريق النشأة (كان والدها دبلوماسياً، وكانت طفولتها طفولة رحالة دولية)، ولا إلى حد كبير تكوينها الأدبي وأسلوبها.
لكن الكتب الخمسة التي كتبتها حتى الآن توسع فهمنا للأدب الأمريكي.
(أرشيف الأطفال المفقودين) Lost Children Archive، روايتها الثالثة، هي الأولى التي كتبتها باللغة الإنجليزية (تمت ترجمة روايتيها الأولى والثانية اللتين كانتا جيدتين جداً عن اللغة الإسبانية بواسطة كريستينا ماك سويني).
وهي رواية أمريكية عاطفية، وإن كانت معقدة - أو ربما بشكل أكثر دقة، هي رواية عن الأمريكتين. وعلى الرغم من كل إبداعاتها، لم يكن بإمكان أي من رواياتها السابقة أن تقود القراء تماماً إلى توقع هذا العمل الجديد الطموح، الحزين، والملح في نفس الوقت.

روايتها الأولى (وجوه في الحشد) Faces in the Crowd (2014)
هي رواية مقسمة ببراعة عن امرأة شابة، تكتب عن زوجها وأطفالها الصغار، تخلق ترجمات ملفقة لقصائد ومقتطفات من سيرة ذاتية فعلية للشاعر المكسيكي (الفعلي) جيلبرتو أوين (1904-1952).
تلعب لويزيلي بالواقع والأعراف الأدبية (بطريقة مألوفة من الروايات الأوروبية والأمريكية اللاتينية من براندللو Pirandello إلى بورخيس Borges إلى بولانو Bolaño)، وتجمع هذه الألعاب الفنية مع تسجيل ذاتي غالباً ما يكون ساخراً ومتقطعاً للحظات عادية جداً في الحياة اليومية، بطريقة شائعة في الروايات المعاصرة في أمريكا الشمالية من قبل كاتبات مثل شيلا هيتي Sheila Heti أو جيني أوفيل Jenny Offill.
رواية لويزيلي الثانية، قصة أسناني Story of my teeth The (2015)
يحرك السرد فيها الصوت المميز لجوستافو سانشيز سانشيز الشهير بـ(الطريق السريع)، بائع المزادات الذي يحكي لنا حكايات طويلة عن الأصل الأدبي لأسنانه (يزعم أن أحدها ينتمي إلى القديس أوغسطين، على سبيل المثال، والآخر لفيرجينيا وولف). هنا تشارك القارئ بأساليبها المختلفة في رواية قصص البيع في رقصة سردية حية. وهي مليئة بالتلميحات الأدبية العبثية (كتب عمي مارسيلو سانشيز بروست ذات مرة في مذكراته...)، تم تكليف الكاتبة بكتابة هذه الرواية في الواقع من قبل جاليريا جومكس Galería Jumex، وهو معرض فني خارج مدينة مكسيكو سيتي، طلب منها أن تكتب سرداً متسلسلاً للعمال في مصنع عصير جومكس بالمكسيك، لكي تستكشف الروابط بين المعرض وإمبراطورية جوميكس. في خاتمة الرواية، توضح لويزيلي أن (العديد من القصص التي تم سردها في هذا الكتاب تأتي من السير الشخصية للعمال- على الرغم من تعديل الأسماء والأماكن والتفاصيل).
تنبع فرادة الكتاب وسرعة إيقاع السرد، بالتأكيد، من مفهومه كسلسلة.
بين (قصة أسناني) و(أرشيف الأطفال المفقودين)، كتبت لويزيلي مجلداً صغيراً لا يُنسى من الكتابة الواقعية بعنوان: (أخبرني كيف ينتهي الأمر.. مقال في أربعين سؤالاً) (2017)، وهي مقالات موسعة عن مقال كتبته في مجلة (فريمان) عام 2016.
(كان هذا هو كتابها الثاني الواقعي؛ أول كتاب لها (أرصفة) Sidewalks، صدر عام 2010، عبارة عن سلسلة من التأملات والإشارات المقسمة بذكاء حول موضوعات تتنوع ما بين قبر الشاعر الروسي جوزيف برودسكيJoseph Brodsky، إلى ركوب الدراجات، إلى المساحات الفارغة في مكسيكو سيتي). أثناء التقدم بطلب للحصول على تصريح الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة، قامت لويزيلي وعائلتها برحلة برية في صيف عام 2014، من نيويورك إلى مقاطعة كوتشيس، أريزونا، بالقرب من الحدود الأمريكية المكسيكية. في العام التالي (2015) عادت إلى نيويورك، وأصبحت مترجمة متطوعة في محكمة الهجرة الفيدرالية.
يعيد كتاب (أرشيف الأطفال المفقودين) بناء بداية تجربة لويزيلي في عالم محاكم الهجرة (بما في ذلك حياة العديد من الأطفال الذين يطلبون اللجوء) ورحلة عائلتها عبر جنوب الولايات المتحدة بالسيارة. وبصفتهم من الأمريكيين اللاتينيين؛ فإنهم يصبحون موضع تساؤل من قبل رجال الشرطة وتعليقاتهم، وتروي كيف قال أحدهم ساخراً: (لذا أتيت، وقطعت كل هذه المسافة من أجل الإلهام).
أثناء القيادة عبر أوكلاهوما، بدأت العائلة تسمع أخبار أزمة: الأطفال غير المهاجرين بمفردهم دون أن يرافقهم ذووهم، فر معظمهم من العنف والترهيب في غواتيمالا وهندوراس والسلفادور، ظهروا على الحدود بأعداد كبيرة- ثمانون ألفاً بين أكتوبر 2013، ويونيو 2014. قام معظمهم برحلات خطيرة بشكل لا يوصف، على متن قطار شحن معروف باسم La Bestia. في محاولة يائسة للوصول إلى أقاربهم في الولايات المتحدة، سيتعين عليهم أولاً الاستسلام لدوريات الحدود، من أجل بدء عملية التسوية القانونية الطويلة والمشحونة وغير المؤكدة. كانوا أطفالاً لاجئين. ترى لويزيلي في الكتاب أنه: (ليس الحلم الأمريكي الذي يسعون إليه، بل هو بالأحرى طموح أكثر تواضعاً، إنه فقط طموح الاستيقاظ من الكابوس الذي ولدوا فيه).
تشير لويزيلي إلى أنه (منذ عام 2006، اختفى حوالي 120 ألف مهاجر أثناء عبورهم حدود المكسيك إلى الولايات المتحدة)، وأنه (بين أبريل 2014 وأغسطس 2015، احتُجز أكثر من 102 ألف طفل غير مصحوبين بذويهم على الحدود الأمريكية). كتبت لويزيلي كتابها وهي مذعورة من الإحصاءات والحقائق المظلمة التي تمثلها رحلة الهجرة إلى بلد الأحلام، أو بالأحرى رحلة الهروب من جحيم الأوطان.
فاز كتاب (أرشيف الأطفال المفقودين) بجائزة دبلن عام 2021.


* نشر المقال في باب مراجعات الكتب في صحيفة نيويورك تايمز على الرابط التالي:
https://www.nybooks.com/articles/2019/03/21/valeria-luiselli-border-novel/

ذو صلة
التعليقات