مجلة شهرية - العدد (526)  | يوليو 2020 م- ذو القعدة 1441 هـ

في جدلية العلاقة بين الشكل والمضمون.. هل الغلاف سفير للمضمون؟

طالما ظل قابعاً بين كفينا، نقرؤه بجانب النافذة أو على طريق سفر أو في محطة انتظار. كلما اكتشفناه أكثر استرجعنا صورة غلافه، نبحث عن ملامح هذا الغلاف بين سطور صفحاته. قد تكون حينها قلت في سرك ماذا لو كان؟ وربما كان من الأفضل! وقد تتخطى التجربة النقدية عندك أفقاً أوسع يصل إلى ما هو أبعد من صورة الغلاف إلى محتوى الصفحات. قد يكون لامسك هذا الشعور يوماً أو خضت هذه التجربة مرةً أو خاضها غيرك، وتبقى التجربة الفارقة لأولئك الذين عاشوا تجربة قرائية ذاتية مع الكتاب، وقد ينجح اثنان في إيصال محتوى الكتاب عبر غلافه: المؤلف والقارئ العميق. وإذا ظلت النظرة الأحادية محكومة دائماً بالقصور؛ فماذا إذا اتحدت الجهود لرسم ملامح هذا المُؤلَّف؟ بين ثلاثية الأبطال: (المصمم والمُؤلِّف والقارئ)؛ المجلة العربية تناقش (صناعة الغلاف).
القارئ المصمم في البداية يقول مصطفى علوان متخصص في تصميم أغلفة الروايات عن تجربته: بالأساس أنا قارئ روايات نهم، وهذا الشيء ساعدني أكثر على فهم لغة الغلاف والإبداع فيها. وبحديثه عن طبيعة تصميم أغلفة الروايات يقول علوان: أحياناً يعطيك المؤلف فكرة معينة للغلاف، أو يكون قد رسم في ذهنه شكلاً معيناً لغلاف كتابه، فهذا الشخص أتناقش معه ونتفاهم في إمكانية تحقيقها أو تعديلها، وبخاصة عندما يطلب غلافاً مرسوماً أو فوتوغرافياً، وهو شيء لا بد أن يتوافر خارج أدوات المصمم. النوع الثاني: هو المؤلف الذي لا يملك تصوراً للغلاف، وهنا قد يشعر المصمم بحرية أكثر، ويكون له مدى واسع للإبداع، خصوصاً إذا كان المصمم قارئاً وخياله واسع. وعليه أحاول أن آخذ فكرة عن المضمون، فيذكر لي المؤلف طبيعة الرواية وشخصياتها وبعض التفاصيل، وبذلك أشعر أنني أرى الأشخاص، أرى مواصفاتهم، أسمع أصواتهم؛ وهذا الشيء يساعدني جداً بعملي، ويشعرني بالمتعة. وبعد ذلك ننتقل لأخذ رأي الكاتب وإجراء أي تعديلات. الشغف والإبداع هما المحك مراد العريفي، محترف في التصميم؛ يقول: بدأت التصميم منذ ستة عشر عاماً هوايةً، ثم بدأ الاهتمام والشغف بهذا المجال يأخذ أبعاداً متعددة، وهو ما يمكن أن يكون في هذه المرحلة احترافياً، حيث تعاونت مع عدد من المؤلفين مثل عبدالله الجمعه، نبيل المعجل. وعادة تكون البداية في تصميم الغلاف من خلال تأمل المُؤلَّف، ثم تقديم أفكار للكاتب، عادة ما أقدم ما لا يقل عن ثلاث أفكار، ونتعاون بالتعديل والمناقشة للفكرة حتى نصل إلى الرضا التام للكاتب ولي. حيث أن للكاتب رؤية ونظرة أيضاً تعبر عن نتاجه، وأنا لي رؤيتي التصميمية؛ فكلانا يكمل بعضنا، ولا أرى بأن يستقل أي منا برأيه. وفي سؤالٍ حول احتمالية أن يعيد قارئٌ هاوٍ تصميم الغلاف بطريقة مغايرة قد تكون أفضل؛ يقول العريفي: لا يزعجني أن يعيد القارئ تصميم غلاف صممته، فالمصمم الهاوي يمتلك الأدوات نفسها التي يستخدمها المحترف، وكلانا يستطيع تقديم عمل متكامل، فالمسألة مجرد أفكار وأذواق. والاحتراف قد لا يعني وجود أفكار مميزة. والقارئ يمكن أن يترجم الكتاب لعمل فني مميز، وذلك لأنه قد تعمق في الكتاب وقرأ تفاصيله، وسيساعده هذا الأمر على خلق فكرة تلامس أدق تفاصيل الكتاب. صناعة أحادية أم تعددية الكاتب خالد الباتلي يقول: جميع أغلفة كتبي هي من اختيار المصمم على مستوى الصور أو التصميم والرسم، مع تعديلات بسيطة من قبلي على شكل الخط واللون. وتعجبني دار النشر التي لها هوية خاصة في أغلفة كتبها، وتحرص أن تُعرف من أغلفتها. وأرى أن الأمور الفنية من الأفضل تسليمها لمختص يجيد تقديم الأمر، واختصار مشهد الكتاب في غلاف جميل وإخراج بديع لفصول الكتاب. وعادة أمنح المصمم كل الصلاحية، وأجلس معه جلسات قبل وبعد التصميم لمعرفه وجهات نظره وأفكاره الخاصة بكتابي. ويضيف الباتلي: سأسعد بأي غلاف ينتجه قُرائي، ومن الممكن تغيير الغلاف في طبعات جديدة، أو الاستفادة من أفكار القراء في أغلقة كتب جديدة. تقول الكاتبة والمصممة نوره الدعجاني: عندما ألفت كتابي (راشدة بقلب ضال)؛ لم أستطع إعطاء أي مصمم مسؤولية الغلاف، ووجدت نفسي أميل إلى تشكيل هذا المؤلف بكل أبعاده، سواءً على مستوى المضمون أو الشكل، وعليه تعلمت التصميم، وصممت أغلفة كتبي، كما أصبحت أصمم كتب الغير، وافتتحت بعد ذلك مشروعي في تصميم أغلفة الروايات باسم (دكان حروف)، وانضم إلي فريق من المصممين والرسامين يحملون ذات الاهتمامات. ورغم هذا لا أصمم إلا للكتب التي تستهويني وأجد ميولاً لسطورها. الغلاف جزء من المضمون عبير سفياني: سأسلط الضوء على روايات الدكتورة بدرية البشر؛ كوني قارئة نهمه لكتاباتها، حيث وجدت جميع أغلفتها جذابة وتصاميمها راقية وَمُلفتة، فهي تعتمد على الرسم أكثر من التصميم. في رواية (غراميات شارع الأعشى) التي تتحدث عن فترة السبعينات بمنطقة نجد؛ وجدتها تعاونت مع الرسامة السورية (لميس الحموي)، ورغم جمالية الغلاف إلا أنه كان بعيداً عن هيئة وملامح المرأة النجدية، وكان أقرب لملامح الفتاة الشامية. أيضاً في رواية (زائرات الخميس) الرسمه (لفادي فاضل)؛ كانت البطلة في الرواية تمر بمراحل تظهر قوة وشجاعة، وصولاً إلى النهاية العظيمة؛ لكن الغلاف كان شديد البؤس والسوداوية. التعاون الأجمل بنظري كان مع الرسامة السعودية (تغريد البقشي)، ربما تشابه الأفكار ينتج عنه غلاف منسجم مع الرواية وتفاصيلها، مثلما فعلت (تغريد) في رواية (هند وَالعسكر). بوابة العبور الأستاذ صالح العتيبي، نائب مدير جمعية الثقافة والفنون بالرياض سابقاً؛ يقول: الكتاب، مع ما يحمله من عمق حضاري وبعد ثقافي ووسيلة معرفية؛ يعد ركيزة في بلورة شخصية الفرد والمجتمع، كما أنه يعزز الهوية الوطنية، منذ أن كان الكتاب يصنع من الطين ومن أوراق البامبو وحتى ورق البردي وصولاً إلى التاريخ الحالي من الإنتاج الفاخر للورق، وامتزاجه مع فنون الخط ودمج الألوان والرسوم والتصميم. والغلاف الذي يعتبر اللغويات الأولى لا بد أن يثير صوتاً مرئياً لجذب الانتباه، هو ليس غرفة مغلقة، ولا نوافذ لا تصلها أشعة الشمس؛ بل هو نافذة للعمل الأدبي، وبوابة العبور التي تشير لسلك ذلك الجنس الأدبي، سواء كان قصة أم رواية أو قصيدة. ويفتن القارئ في بداية اللقاء بمظهر الغلاف، وتكون هناك شرارة تقود للاقتناء عادة. على سبيل المثال، وفي تجربة شخصية؛ اطلعت على رواية (الجريمة والعقاب) لديستوفيسكي في فيلم سينمائي أولاً، ولكن غلاف الرواية في إحدى طبعاتها قادني للاطلاع على الرواية ثانيةً. القارئ المخضرم تقول أرياف المالكي: بعض الكتب التي قرأتها لها أغلفة واقعية لا تحمل أي جاذبية مثل كتب جورج أوريل في طبعاتها القديمة والأصلية. في الحقيقة أحياناً أقوم بإسقاط فحوى الروايات التي أقرؤها على الغلاف، فمثلاً كتاب (ما تبقى من أوراق محمد الوطبان) للكاتب محمد الرطيان؛ وجدت نفسي أنظر للشماغ الساقط بدون جسد في صورة الغلاف، وربطته بمضمون الكتاب، وكيف تبقى أشياؤنا وترحل أجسادنا. وتضيف أرياف: بالتأكيد مازال الغلاف عامل جذب للقارئ، وقد يكون الأداة التي تحرك القارئ لالتقاطه من بين الكتب المركونة على رف المكتبة؛ ولكن القارئ المخضرم لن يقع دائماً في فخ الغلاف الجذاب؛ إذ أنه في النهاية سيصل إلى مرحلة البحث عن المضمون المتميز.

ذو صلة
التعليقات