مجلة شهرية - العدد (526)  | يوليو 2020 م- ذو القعدة 1441 هـ

الركض فوق مسرح (كورونا).. شعرياً

دس فيروس (كورونا) أنفه في حياتنا، فتش جيوبنا، وأغلق نوافذنا وأبوابنا وحدودنا، وأصبحنا نتحسب حتى لمجرد التحية العابرة والتسليم باليد، نستنشق الهواء بريبة خوفاً من أن يكون متخفياً في زفرة أو شهقة ضلت الطريق ولم تأخذ حصتها من الألم والنزف. يدور كل هذا وسط صراع محموم، بين معادلة المرض كوباء مباغت مفتوح على شتى الأرجاء والاحتمالات، ومعادلة العلم كحقيقة ملموسة، تحاول كسره والحد من مخاطره وفوضاه، وإيجاد الدواء الناجع للعلاج منه، وهو العلم نفسه الذي اخترع أسلحة الدمار الشامل والقنابل الجرثومية والبيولوجية التي تهدد مصير الحياة على سطح هذا الكوكب. لقد كسر هذا الوباء تراتبية الثنائيات الضدية الشرهة في حياة البشر، فارضاً طقوسه وغوايته، من أقصى الفوضى إلى أقصى الجنون، وأصبح الزر الوحيد الذي لا يمكن الضغط عليه في عالم الإنترنت والفضاء الافتراضي، محققاً -ويا للبؤس- عدالة من نوع خاص، طالما افتقدها البشر في صراعهم الطويل للعيش الحر، فالكل معرض للإصابة، في اللحظة نفسها، لا فرق بين رئيس أو وزير أو غفير، الكل سواسية تحت مقصلة احتمال واقعي، لا يفرق بين اللون والجنس والعقيدة، نص مفتوح على مسرح عبثي، لا بداية له ولا نهاية، ولا بأس أن يتساقط الممثلون، ويختفوا واحداً تلو الآخر، فالفراغ وحده يصلح لأن يلعب دور البطل، ويجدد نفسه بتلقائية تعلو فوق فواصل وعقد الزمن والوجود.
عبر عدسة هذا الغامض المفترس، كيف يكون المشهد؟ لقد مللنا أفلام الرعب ومصاصي الدماء، أصبحت حِيلاً قديمة في منزل آيل للسقوط، صرنا نحتاج إلى صوت آخر للموسيقى، إلى معنى أكثر إغواء وجمالاً للسقوط نفسه، ربما يغدو للعبث معنى يشبهنا، أو على الأقل يجعل من مصادفة الألم طوقاً للنجاة.
هكذا، على مسرح (كورونا)، في زمن الوباء الصعب والمعقد، يمكن أن نلتمس العذر لإنسانيتنا المهدرة، لحروبنا ومجاعاتنا وكوارثنا وجشعنا المقيت، يمكن أن ندرك أن ركضنا اللاهث، لبسط السطوة والنفوذ والتملك معلق بشعرة واهية، سئمت غموض فلسفتنا وأفكارنا، عن أنفسنا، وعما يدور حولنا. لذا علينا أن نذهب إلى أقصى الوضوح والغموض معاً في خطوة واحدة، لنكتشف كيف كنا بالأمس، وكيف سنكون غداً، وأن مأزقنا السردي البوليسي، لم يكن محض خدعة روائية، لجريمة متخيلة ومستعارة، وإنما حقيقة نتفنن كل يوم في الهروب منها، ونخترع من أجل وضعها فوق الرّف، القوانين واللوائح والأقنعة والمصطلحات.
في قلب هذا المسرح، الذي انكشف فيه الغطاء السياسي، في عدد كبير من دول العالم، وأصبح السعي لعودته إلى وضعه الطبيعي ومطلقه الآمن مطلباً ملحاً ومصيرياً، ماذا يفعل الشعراء والروائيون والفنانون بأسلحتهم البريئة الهشة في مواجهة هذا العدو المباغت الفتاك الذي خلخل القناعات والأنساق والأطر المستقرة؟ هل تصلح ألاعيب المجاز والتخييل وتشتيت الدلالة واللعب على وتر الجلاد والضحية، في جعل هذا الفيروس محتملا، أو ضيفا ثقيلا عابرا للنوعية؟ أيه حساسية أدبية جديدة، يمكن أن تأخذ (كورونا) إلى حانة الحداثة، وما بعدها، أو ما قبلها، أو في المنتصف تماماً، من جغرافيا الذاكرة والحلم، هذين المعولين الراسخين في فضاء الظاهرة الإبداعية؟
في عام 1947 ضرب وباء الكوليرا مصر، فكتبت الشاعرة العراقية نازك الملائكة (1923 - 2007) قصيدتها الشهيرة (الكوليرا) مجسدة فيها هذه المحنة، لتدشن بذلك ما اصطلح على تسميته ثورة الشعر العربي الحديث، أو الشعر الحر. هذا الشعر الذي أثار - ولا يزال - اعتراضات جمة، من أصحاب الذائقة التقليدية للإرث الشعري الراسخ.
كانت نازك شابة يافعة آنذاك، تتلمس براعم موهبتها الشعرية، وهي تتفتح بقوة، لكنها وعت منذ البداية أن يكون لها عبقها الخاص، دعمها في ذلك ولعها بالموسيقى ودراستها لها في كلية الفنون الجميلة ببغداد، كما كانت لا تزال منتشية فرحاً بديوانها الأول (عاشقة الليل) الذي صدر في العام نفسه.
في خضم الكارثة التي كانت تلتقط الشاعرة الشابة أخبارها المأساوية عبر المذياع الوسيلة المتاحة في تلك الفترة، كان ثمة خطان يتنازعان الفعل الشعري لديها، الرغبة في التغيير من ناحية، وكسر الأطر التقليدية للشعر من ناحية أخرى، فلا يمكن التعبير شعرياً عن كارثة إنسانية تتسارع فيها وتيرة سقوط الضحايا بالمئات بين الساعة والأخرى، ومع ذلك يظل إيقاع القصيدة يدور في فلك النمط الدارج، وكأن الزمن ثابت لا يتغير.
كتبت نازك هذه القصيدة أكثر من مرة، لكنها لم ترضَ عن أي مسوّدة لها، حسبما تروي في شهادتها (لمحات من سيرة حياتي وشعري). كانت رغبتها في التغيير والبحث عن أسلوب آخر تزداد إلحاحاً وهي تستمع لصوت المذيع، يروي عن تفاقم أعداد الموتى وأن جثثهم تتكدس بالمئات في عربات تجرها الخيول، ليدفنوا في مناطق نائية، خوفاً من تفشي العدوى.
اختزنت الشاعرة الرائدة هذه الصور السمعية الملتقطة عبر الأثير، وحولتها بوعيها الثاقب إلى مشاهد بصرية، كأنها تتحسس وقع أقدام الخيول، وهي تركض للتخلص من هذه الجثث، مختارة كتابة قصيدتها على تفعيلة بحر المتدارك (فعلن فعلن)، بوتيرته الإيقاعية الخاطفة، وخببه اللاهث المأخوذ عن خفة ضرب أقدام الخيل للرمل، وكأنها تحلّق بأجلها في الصحراء، لذلك سمي ببحر الخبب أيضاً. وهو ما يطالعنا في هذا الجزء من القصيدة:
(سكَن الليلُ
أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ
في عُمْق الظلمةِ، تحتَ الصمتِ، على الأمواتْ
صَرخَاتٌ تعلو، تضطربُ
حزنٌ يتدفقُ، يلتهبُ
يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ
في كل فؤادٍ غليان
في الكوخِ الساكنِ أحزان
في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ
في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ
هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ
طَلَع الفجرُ
أصغِ إلى وَقْع خُطَى الماشينْ
في صمتِ الفجْر، أصِخْ، انظُرْ ركبَ الباكين
عشرةُ أمواتٍ، عشرونا
لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا
اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين
مَوْتَى، مَوْتَى، ضاعَ العددُ
مَوْتَى، موتَى، لم يَبْقَ غَدُ
في كلِّ مكانٍ جَسَدٌ يندُبُه محزونْ
لا لحظَةَ إخلادٍ لا صَمْتْ
هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ)
جسدت نازك المأساة بعمقها وضراوتها الإنسانية، واضعة حجر الأساس في تطوير القصيدة العربية، ونقلها من حيز البحر ذي الشطرين، بإيقاعه العروضي المتواتر، وقوافيه النمطية إلى براح التفعيلة، كوحدة موسيقية، تستقي بنيتها وفعاليتها الجمالية من الذات الشاعرة، حيث تصبح الذات هي بوصلة الواقع ومرآته، تفرض حضورها عليه، وتشكله كما تحسه وتراه هي، وليس كما يراه الآخرون. واستطاعت فنياً أن تجعل القارئ في قلب الكارثة، من خلال بنية شعرية متلاحقة الصور، تعتمد على يقظة الحواس والمخيلة، وعلى إكساب اللغة ملمح الصوت والرنين، كما اعتمدت على بنية التكرار (الموتُ الموتُ الموتْ) للقطع والوصل بين المقاطع، وكأنها جرس إنذار يربط السابق باللاحق ويشير إليه بشكل حي وملموس.
إن الركض على مسرح الأوبئة والأمراض لن ينتهي من تاريخ البشرية، وسيظل الأدب في طليعة المدانين له، فدون هذا الركض، لم تكن تقبع على رف التراث الإنساني الكثير من الكلاسيكيات الأدبية حول الطاعون والكوليرا وغيرهما، في الرواية والشعر والفن والموسيقى أيضاً.

ذو صلة
التعليقات