مجلة شهرية - العدد (526)  | يوليو 2020 م- ذو القعدة 1441 هـ

العقيلات في وجه الأوبئة والأمراض

لعل التاريخ الحديث قد أظهر وقوف جماعة العقيلات في وجه الأوبئة التي شكلت إحدى الكوارث الطبيعية التي كانت خطراً حقيقياً على حياة أبناء الجزيرة العربية كافة، وقد استمر تهديدها لهم بالفناء على مدى فترات متقطعة، ولم يسقط الإخباريون هذه الكوارث الصحية من ذاكرة التاريخ، لأن النتائج التي تمخضت عنها ساهمت في تكوين جانب كبير من مصير الأحداث التي اعتنوا برصدها. وعلى ذلك فقد دعت الظروف الطبيعية للهجرة من بلاد نجد إلى شمال الجزيرة العربية، وكانت هذه الجوائح سبباً من أسباب الهجرة، وكان العقيلات على رأس المهاجرين، حيث انطلقوا إلى جهات متعددة من بلاد العرب.
وقد أشار العديد من مؤرخي التاريخ الحديث إلى الكوارث الطبيعية التي مرت بها البلاد، فقد ذكر ابن بشر في حوادث عام 1087هـ، (كثر فيها الجراد وكثر موت الناس من شدة الوقت والغلاء والجوع، وهي منتهى الوقت المعروف بجرادان).
وقد ظلت الكوارث الطبيعية تتوالى حتى عام 1224هـ، حيث اشتدت فيها الأوبئة والأمراض، خصوصاً في بلدة الدرعية، ومات فيها خلق كثير من سكان البلاد والغرباء، حتى وصل عدد الموتى في اليوم الواحد مقدراً من ثلاثين إلى أربعين نفساً.
كانت تجارب العقيلات الكثيرة قد أكسبتهم كثيراً من الخبرة والحنكة في التعامل مع الظروف الطارئة، خصوصاً مع الأمراض والأوبئة، فتعددت طرق تصدي رجال العقيلات للأوبئة. ويذكر التاريخ قصة (حمود البراك العقيلي)، في سنة 1340هـ/1922م، عندما ضرب الوباء بلاد الشام، وأصاب الكثير من الناس، فطال رجال العقيلات، حيث أصاب ما يقرب من ثمانين شخصاً، وهنا أثبت رجال العقيلات الشجاعة والذكاء في التصرف في تلك الأزمة، حينها لم يكن هناك حجر صحي، فطلب حمود البراك من أحد النجارين صناعة أربعين هودجاً، ودفع ثمنها، ومن ثم جهز خمسين جملاً، وحمل كل هودج على جملٍ، أما عشرة الجمال الأخرى فجهزها بالعتاد والأمتعة والطعام، وخرج بهم من الشام متوجهاً إلى بلادهم في نجد، يُمرضهم في الطريق، ويقول إبراهيم المسلم في تلك القصة: (وما إن خرجوا إلى الصحراء وتنسموا هواء بلادهم العليل، حتى رفع الله عنهم الوباء، وعند ذلك أوقدوا بالهوادج، وركبوا الجمال وأكملوا طريقهم عائدين إلى بلادهم وهم بصحة جيدة، شاكرين للبراك كرمه وسجاياه).
وقد تعددت قصص التصدي للأمراض والأوبئة من رجال العقيلات، كقصة الشيخ سليمان بن رميح الذي أصيب سُواس خيله وعددهم يقارب عشرين سائساً بمرض التيفوئيد في عام 1336هـ/1917م، وهم في طريقهم إلى مكة المكرمة، فأعجز المرض السواس عن ركوب الدواب، ولم تكن هناك وسيلة لنقلهم، غير أن الشيخ سليمان بن رميح لم ينافِ الخلق العربي المتأصل فيه، فلم يهمل أياً من السواس، بل عمد إلى صنع نعوش أو توابيت يوضع بها المرضى، واستأجر رجالاً يحملون المرضى، فكل واحد من المصابين موضوع في تابوت يحمله ثمانية أفراد، وكان الرجال المستأجرون يحملون المرضى بالتناوب، حتى وصلوا إلى البيت الحرام، فأتم السواس مناسك الحج، وهم على أعناق الرجال. وفي هذا بيان عن كرم الشيخ سليمان الذي قدم المال على النفس، بل زاد على الضرورات بتقديم الرغبات الإنسانية والشعائر الدينية، فلم يحرم المصابين من تأدية فريضة الحج بعد التأكد من عدم نقل العدوى وانتشارها، ولم ينظر إلى ما أنفقه من مال في سبيل ذلك، محتسباً أجره عند المولى عز وجل.
لقد أثبت رجال العقيلات قدرتهم على حماية ورعاية مرضاهم، بما لديهم من الثقافة العلاجية التي من الواضح أنهم يتوارثونها أباً عن جد، في التعامل الصحيح مع المرضى، غير مكترثين للخسائر المالية لهذه التضحيات، تقرباً إلى الله.
نستخلص من هذا المقال أن موجات الأوبئة والمجاعات التي مر بها رجال العقيلات غيّرت من تفكيرهم، فكانوا في بادئ الأمر يلجؤون إلى البيت العتيق آملين أن يرفع رب العزة ما بهم من داء، وكانوا يجدون الدواء في طرقهم، كما حدث في قصة حمود البراك العقيلي الذي التجأ إلى بيت الله الحرام، فلم يثنِ المرض المصابين عن زيارة بيت الله، وكان في هواء الصحراء النقي الشفاء لهم، فحمدوا الله على نعمه وفضله. وأيضاً من رواية الشيخ سليمان بن رميح تقديم المال على النفس، حيث أنه لم يلقِ بالاً إلى أن المصابين عمال لديه كعادة التجار الذين يقدمون الأموال على أي شيء في الحياة؛ وإنما أكرم عماله، وأحسن إليهم، وأستأجر لهم عمالاً يحملونهم حتى لا يصيرون طعاماً لضواري الفلاة.
لقد اتبع العقيلات العديد من أساليب الحماية والعزل، فحين ضرب وباء لم يشهدوا له مثيلاً، كان من أخطر الأوبئة التي حلت بهم، لكثرة الإصابات وفواجع الموت، ورؤوا أن ذلك الداء سريع الانتشار، وينتقل بملامسة المرضى؛ هنا توصل شيخ العقيلات بحكمته أنّ وأد هذا الداء لن يتم إلا بعزل المرضى دون إهمال في حقهم بأن تقدم لهم الرعاية الطبية اللازمة التي تعينهم على مصابهم، وألا يخرج أحد من المناطق المصابة إلى مناطق أخرى لم يحل بها هذا البلاء.
كان رجال العقيلات سبّاقين إلى المفاهيم الحالية من نظام الحجر الصحي المتعارف عليه في وقتنا الحالي، واستمروا على ذلك الحال إلى أن رفع الله ما حل بهم من داء، وبهذا عمل حكماء العقيلات على حفظ أنفسهم وحماية المنطقة بأسرها من الموت المحقق بعزل أنفسهم عن باقي المنطقة. إن تنظيم الحجر الصحي الذي اخترعه أحد رجال العقيلات كان من أهم أسباب السيطرة على عدم انتقال الأوبئة من ولاية إلى أخرى، إلى أن كشف الله عما بهم من أوبئة، فكانوا مثالاً يُقتدى به في التعامل مع المصائب كما عهدنا عنهم مما تواتر إلينا من أخبارهم وقصصهم، والتي تُثبت لنا ما لديهم من حكمة وحسن تصرف عند الشدائد.

ذو صلة
التعليقات