مجلة شهرية - العدد (526)  | يوليو 2020 م- ذو القعدة 1441 هـ

الإرهاب البيولوجي وصناعة الخوف

تميزت الثلاثــــون ســـــــنة الماضية بهيمنة مصطلح (محاربة الإرهاب) على السياسة الدولية، فحُدد العدو باسمه وعنوانه، وصُنّفت دول وجماعات وجمعيات في قائمة الإرهاب، واتفق المجتمع الدولي تحت قبة الأمم المتحدة على الوقوف في وجه هذا الخطر الداهم الذي يهدد حياة الناس. والملاحظ هذه الأيام أنه ظهر تهديد إرهابي من نوع جديد، قادر على القضاء على الحياة البشرية كلها؛ لأن العدو في هذا التهديد شديد الفتك، فهو لا يُرى بالعين المجردة، ولا يحمل جنسية، ولا ينتمي إلى جماعة أو عرق معين؛ إنه (الإرهاب البيولوجي) الذي لا تستعمل فيه الأسلحة المدمرة أو الحارقة، وإنما تحرر فيه كائنات فيروسية مجهرية قادرة على الدخول إلى جسم الكائن الحي بسهولة كبيرة، وباستطاعتها إنتاج سم فتاك كافٍ لقتل الملايين من البشر والحيوانات. وهذا (الإرهاب البيولوجي) قد يجعل منظومات الدفاع العسكرية التي صرفت الدول لأجل الحصول عليها مليارات الدولارات عاجزة عن التصدي لو تعرضت للهجوم الإرهابي البيولوجي.
هندسة الميكروبات
إنَّ التقدم السريع في علم الأحياء التركيبي، وتطور المختبرات البيولوجية، وسهولة إنشائها وإخفائها؛ يجعل من السهل على الدول أو الأفراد صناعة أسلحة بيولوجية فتاكة عن طريق هندسة الميكروبات من خلال إعادة إحياء فيروسات أو تغيير هندسة جينات بكتيريا، بحيث تكون قادرة على إنتاج سموم فتاكة.
ولكن المؤسف أن الدول العظمى التي أبدت صرامة كبيرة تجاه الحد من الأسلحة النووية والكيميائية واستخداماتها لا تقف الموقف نفسه عندما يتعلق الأمر بالأسلحة البيولوجية، ربما لأنه لم يشهد العالم تهديداً بيولوجياً أو حرباً بيولوجية بعد، أو يمكن أن نتفق على أن صعوبة الأمر تعود إلى عدم إمكانية مراقبة التقدم في البيولوجيا التركيبية التي لا تحتاج إلى منشآت ضخمة أو بنايات خاصة يمكن تمييزها عن غيرها من العمران، إذ يكفي لمختبر بسيط في بناية صغيرة أن ينتج أخطر الفيروسات على الإطلاق.
وقد لا نختلف مع الرأي القائل: إن بعض الاطمئنان من ظهور تهديدات بيولوجية يأتي من فكرة أن تطبيقات البيولوجيا التركيبية ليست ضارة في حد ذاتها، إذ يمكن اعتمادها في تطبيقات سلمية تنفع البشرية وتكون صديقة للبيئة؛ ولكن القلق قد يظهر في تلك التطبيقات أو القدرات المحددة التي يمكن أن تحول البيولوجيا التركيبية إلى الشكل الضار، وهو الخطر الذي تنبه له علماء كبار حذروا منه مثلما جاء على لسان مايكل إمبريال (Michael Imperial) أستاذ علم الأحياء الدقيقة والمناعة في جامعة ميشيغان (University of Michigan) والذي دعا حكومة الولايات المتحدة إلى ضرورة الاهتمام ومراقبة تطبيقات البيولوجيا التركيبية، تماماً كما فعلت فيما يتعلق بمراقبة التقدم في الكيمياء والفيزياء خلال فترة الحرب الباردة، وبخاصة أن بعض المختصين في المجال العسكري يشيرون إلى احتمال استخدام التطبيقات الممنوعة للتكنولوجيا البيولوجية من قبل إرهابيين، وهو الأمر الذي نبَّه إليه القائد السابق في الناتو جيمس ستافريديس (James Stavridis) الذي ذهب إلى القول: إنه لو تم تفعيل السلاح البيولوجي في الحروب أو الاعتداءات الإرهابية؛ فإن هذا السلاح سيكون أكثر فتكاً من الأسلحة النووية والكيميائية التي توصف بأنها أسلحة دمار شامل، وقدم مثالاً على خطورة هذا السلاح الفتاك بالإشارة إلى فيروسي (الإيبولا) و(زيكا) (Ebola and Zika) اللذين لو تم تفعيلهما في حرب من الحروب فسوف تكون هناك إبادة جماعية لخمس سكان العالم في وقت قصير جداً.
ولكن هذا لا يعني أن المجتمع الدولي لم يبذل جهداً في سبيل الحد من انتشار السلاح البيولوجي؛ إذ نجد الكثير من الاتفاقات والبروتوكولات بخصوص الحروب البيولوجية (Biological Warfare) والتي بدأت منذ العام 1925 حين وقعت الدول الكبرى اتفاقية جنيف التي تمنع اللجوء إلى الأسلحة البكتريولوجية في الحروب، ثم كان تاريخ ديسمبر 1966 حين اتخذت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قراراً يقضي بضرورة الالتزام بالبروتوكول المذكور، وبذلت بريطانيا خلال الستينات جهوداً باتجاه نزع السلاح البيولوجي، ولاقت تلك الجهود دعماً واسعاً لدى الدول العظمى.
سيكولوجيا الخوف
الخوف سلوك غريزي طبيعي لدى الإنسان والحيوان، يتمظهر من خلال إحساسه بخطر ما يمكن أن يهدد حياته مما يؤدي به إلى التصرف إزاء هذا بموقف ما، بالهروب أو الدفاع أو الاستسلام. وقد ذكرت نظريات علم النفس الاجتماعي، وعلم النفس التطوري أن الخوف يمكن أن يكون سلاحاً لتحقيق مكاسب ما، ففي عالم الحيوان على سبيل المثال تصاب بعض الحيوانات بالتصلب في عضلاتها عندما ترى مفترسيها، كما هو الحال مع الأرنب الصغير عند مشاهدته أفعى فإنه لهلعه يبقى مشلولاً غير قادر على الحركة حتى يتعرض لهجوم الأفعى.
وفي عالم البشر يكاد يكون الأمر نفسه حين يؤدي الخوف إلى الهلع الذي ينتج عنه تصرفات غير مسؤولة يمكنها أن تودي بحياة الإنسان، وهذا أثبتته نظرية (السيطرة على الخوف) أو (التحكم بالهلع من الموت) (Terror Management Theory)، فالبشر يعلمون حتمية الموت ولكنهم لا يدركونه، لذلك في حالات الهلع والخطر المحدق يحاولون التصرف بطريقة تبعد تفكيرهم عن الموت من خلال الانشغال بأمور أخرى تصرفهم عن التفكير به، خصوصاً أن الخوف ينتج حالة من الضيق الذي يؤدي إلى أفكار سلبية يمكنها أن تحدث في الإنسان مفعولاً مدمراً. وكما هو الحال هذه الأيام مع ظهور فيروس كورونا (COVID-19) نلاحظ أن حالة من الهلع بدأت تجتاح العالم، خصوصاً بعدما أقدمت منظمة الصحة العالمية على تصنيف هذا الفيروس بأنه (وباء عالمي)، وحينها شاهدنا دخول المجتمعات في إرباك شديد وهلع كبير يمكنه أن يزيد في انتشار الفيروس عوضاً عن القضاء عليه.
ويبدو أن سيكولوجيا صناعة الخوف في المجتمعات، سواء أكانت هذه الصناعة بفعل فاعل أم أنها حدثت بصفة طبيعية؛ يمكنها أن تؤدي إلى تأثيرات عميقة، وبخاصة في البنى الاجتماعية والاقتصادية:
أ‌- التأثير الاجتماعي:
تقوم المجتمعات البشرية على علاقات أسرية وعائلية وإنسانية وودية، إذ تحقق هذه العلاقات بين الناس نوعاً من الانسجام الذي يبقي المجتمعات متماسكة، ومصالحها في حركة طبيعية؛ ولكن مع ظهور أي طارئ يمكن له أن يعكر صفو هذه العلاقات فإن الأمر سينعكس على المعاملات، الأمر الذي قد يؤدي إلى تعطل المصالح. لذلك فإن ظهور فيروسات معدية سوف يدفع بالناس إلى الخوف الشديد على أنفسهم فيتخذون احتياطات يعتقدون أنها يمكن أن تجنبهم العدوى، وهذه الاحتياطات التي سوف تنزع إلى المبالغة في تطبيقها؛ قد يكون أبرزها اجتناب الاختلاط بالآخرين، وهو ما سوف يحدث تصدعاً بتلك العلاقات بين الناس، فتحدث القطيعة والجفاء، ويكون نتيجة ذلك حدوث إرباك شديد في البنية الاجتماعية، ما ينجز عنه تعطيل مصالح المجتمع، حتى ينعكس ذلك على حياة الفرد والمجتمع. ولعل ما يميز العلاقات الاجتماعية هذه الأيام مع ظهور وانتشار فيروس كورونا (COVID-19) هو هذا الخوف من المجهول والرعب من المرض نتيجة الإصابة بالفيروس، وقد شاهدنا ذلك في بعض الفيديوهات المنتشرة على شبكات التواصل الاجتماعي، وكيف أن أمّاً صينية تعمل ممرضة امتنعت عن تقبيل ابنتها الصغيرة أو قبول الطعام الذي أحضرته لها خوفاً من العدوى والإصابة بالفيروس الخطير، أضف إلى ذلك الكثير من المواقف المحزنة والمحرجة والمبكية في الوقت نفسه، والتي حدثت هذه الأيام بين الآباء والأبناء والأهل والأصدقاء.
ب‌- التأثير الاقتصادي:
يُعد التأثير السلبي على الاقتصاد من بين أخطر الآثار التي قد تخلفها أي حرب أو تهديد إرهابي بيولوجي على المجتمع الدولي بصفة عامة، إذ يعمل عامل الخوف من انتشار الفيروس على اتخاذ الدول إجراءات وقائية يمكنها أن تنعكس بصورة مباشرة على الجانب الاقتصادي، حيث ذكر تقرير إخباري للصحفي جيمس ديين (James Deane) في صحيفة التايمز البريطانية (Thames) أن فيروس كورونا (COVID-19) سوف يكلف العالم خسائر قد تتجاوز ستة تريليونات دولار، خصوصاً أن الأسواق الدولية بدأت تتأثر بصورة مباشرة بالإجراءات التي اتخذتها الدول في سبيل حماية اقتصادها من الانهيار.
فعلى سبيل المثال نلاحظ أن السوق النفطية قد تأثرت هذه الأيام بصورة بالغة بظهور فيروس كورونا (COVID-19) في الصين، ثم انتشاره بعد ذلك في كثير من دول العالم، وكانت النتيجة انخفاضاً حاداً في أسعار النفط لقلة حركة التنقل، وبالأخص في مجال النقل البحري الذي يتم بواسطته تمويل الدول بالبترول، وبالتالي فإن هذا التذبذب في حركة الملاحة البحرية سوف يؤدي إلى انخفاض الأسعار، وهذا من خلال تطبيق المؤشر الاقتصادي (Le Baltic dry index) الذي يعكس تقلص التبادلات التجارية الدولية، بما في ذلك النفط، مع العلم أن الصين ثاني مستورد للنفط في العالم، وهي تعاني هذه الأيام حصاراً دولياً بسبب انتشار فيروس كورونا (COVID-19)، وكان نتيجة ذلك أن تأثرت كل الدول التي يقوم اقتصادها على الصادرات النفطية، بل إن بعض هذه الدول راح يبحث عن طرق عملية للخروج من الأزمة التي سوف يقع فيها لو تواصل هذا الهبوط الحاد في أسعار النفط، فعلى سبيل المثال ذكر مسؤول عراقي أن أسعار نفط بلاده هبطت إلى ما دون 30 دولاراً للبرميل الواحد، مؤكداً أنها خسرت نصف إيراداتها المالية، وبخاصة أن الصادرات النفطية تشكل نسبة 98 % من تدفقات العملة الأجنبية إلى الاقتصاد العراقي، في حين يشكل النفط 45 % من الناتج المحلـــي الإجمالــــي، ويشــكل 93 % من إيرادات الموازنة العامة، وهو ما يجعله المورد الرئيس للاقتصاد العراقي. وبحسب التقرير الشهري لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) (OPEC) فإن إنتاج الدول الـ14 الأعضاء فيها بلغ 27 مليوناً و772 ألف برميل يومياً في فبراير/شباط الماضي مقابل 28 مليوناً و318 ألفاً في يناير/ كانون الثاني، بنسبة انخفاض 1.92 %.
أما في المجال السياحي فإن ظهور الفيروسات المعدية في دولة ما وانتشارها في عدد من الدول الأخرى؛ سوف يؤدي إلى نتائج كارثية، خصوصاً في الدول التي يعتمد اقتصادها على المداخيل السياحية. ومن يتأمل مسرح الأحداث الدولية هذه الأيام مع ظهور وانتشار فيروس كورونا (COVID-19) بسرعة مذهلة؛ فسوف يرى بوضوح أن الدول التي يعتمد اقتصادها على المداخيل السياحية قد تلقت ضربة في مقتل في اقتصادها بعد تسجيل انهيار حاد في مداخيلها الاقتصادية نتيجة الاضطراب الذي أصاب الحركة السياحية في كثير من دول العالم. وكان لعامل تعزيز الخوف لدى الناس من خلال حملات الوقاية التي قد تقوم بها بعض الدول لحماية مواطنيها من انتشار العدوى أو نقلها من الدول التي انتشر بها الفيروس؛ الأثر البارز على حركة الناس خارج أوطانهم أو حركة المواطنين في الوجهات السياحية في بلدانهم.
وقد ذكرت بعض المصادر الإخبارية أن السياحة تأثرت سلباً بتداعيات فيروس كورونا (COVID-19) في بعض الدول السياحية مثل: المغرب وإسطنبول وتونس ومصر ولبنان والأردن.. وكثير من الوجهات السياحية العالمية، إذ أُلغيت آلاف الحجوزات الفندقية، وتوقفت مئات رحلات الطيران، والرحلات البحرية والبرية، وتعطلت وظائف لها علاقة مباشرة بالسياحة، وتم تسريح الكثير من العمال، وما زالت قائمة الخسائر مفتوحة. فعلى سبيل المثال ذكر خبراء في القطاع السياحي الأردني أن هذه الأيام من أصعب الفترات التي يمر بها القطاع السياحي الأردني، حيث يكاد يتوقف الطلب على البرامج السياحية، وأن إلغاء حجوزات سياحية زادت بنسبة 30 % خلال مارس/آذار المنصرم. وأشار المهتمون بالشأن السياحي الأردني أن السبب المباشر في هذا الإرباك الذي أصاب القطاع يعود إلى حظر الطيران وعدم استقبال المجموعات السياحية من البلدان التي تفشى فيها الفيروس مثل: الصين وكوريا الجنوبية وإيطاليا وإيران. وذهب بعض المتتبعين إلى دق ناقوس الخطر والتلويح بأن الأردن يمكن أن يكون مقبلاً على أزمة حقيقية بعد إعلان إفلاس بعض شركات الطيران الكبرى، وإغلاق بعض المكاتب السياحية والفنادق وشركات النقل السياحي والشركات الخدماتية.
أما في لبنان فإن ظهور فيروس كورونا (COVID-19) في البلد مترافقاً مع الأزمة المالية والاقتصادية الحادة التي ضربت البلاد منذ فترة؛ تسبب في إلغاء الكثير من رحلات الطيران من بيروت وإليها، حيث سُجل انخفاض في عدد رحلات الطيران، وانخفض عدد الركاب من 13 ألف راكب يومياً إلى حوالي ستة آلاف راكب، كما انخفضت مبيعات شركات السياحة والسفر شهرياً من حوالي 60 مليون دولار قبل الأزمة المالية وانتشار فيروس كورونا إلى 18 مليون دولار في فبراير/ شباط الماضي، وهو ما تسبب في إلغاء الكثير من الحجوزات للشهور اللاحقة (يونيو/حزيران ويوليو/تموز)، حيث شرعت مكاتب الطيران بتخفيض رواتب موظفيها، وتسريح بعض منهم.

ذو صلة
التعليقات