مجلة شهرية - العدد (526)  | يوليو 2020 م- ذو القعدة 1441 هـ

إرهاب الحروب البيولوجية

شهد القرن المنصرم تسارعاً في تطور أدوات القتال والتدمير بفعل التطور التكنولوجي، وربما الحروب البيولوجية وشبحها الذي طالما طاف بأذهان العالم أجمع وقت انتشار العديد من الأمراض البيولوجية، مثل: الإيبولا وحمى الضنك والجمرة الخبيثة وجنون البقر وإنفلونزا الخنازير وإنفلونزا الطيور، وأخيراً فيروس (كورونا).. وغيرها من الأمراض البيولوجية التي انتشرت وما زالت في العالم بأسره، فأصبحنا نعيش شبح حرب صامتة ومجهولة. وبدأت دول العالم تدق ناقوس الخطر، إيذاناً منها باستعدادها لصد أي هجوم بيولوجي.
فوفقاً لعلماء الفيروسات فإنه (لا يُخشى على العالم من الحروب النووية، لأنه يمكن التحكم بها وتعقل الدولة التي ستستخدمها قبل التفكير في ذلك؛ لكن الحروب البيولوجية هي التي تهدد البشر).
ومهما كانت الاستعدادات الأمنية والسياسية والمعلوماتية فإنها لا تستطيع منع الأوبئة من الانتشار، وذلك على الرغم من تملك الدول المتقدمة العديد من الوسائل التقنية والطبية. فلقد أصبح لأي جهة أو منظمة ومن خلال أي معمل أن تصنع أي صنف من الأسلحة البيولوجية، لنشهد هزيمة التقنيات.
وهنا يمكن القول بأن هناك نمطاً جديداً من الإرهاب، يمكن تسميته الإرهاب البيولوجي، وهو فعل غير أخلاقي وغير شرعي، يعتمد على استخدام العنف أو التهديد به، ويقوم به فرد أو مجموعة تنتمي إلى جماعة معينة ذات فكر متطرف، بهدف تحقيق منفعة خاصة، أو فرض رأي سياسي أو مذهب معين.
وبمرور السنوات طُورت تلك الأنشطة البيولوجية في غياب دولي تام، يفتقر إلى وضع إجراءات صارمة بشأن الدول التي تسعى إلى امتلاكها للسلاح البيولوجي، مما ينتج في النهاية كارثة بشرية، قد نشهدها حالياً بعد انتشار فيروس (كورونا) منطلقاً من الصين.
وإذا نظرنا نظرة تاريخية نحو تطور مفهوم الحروب البيولوجية فسنجد أنه يعود إلى قرون سابقة، فقد استخدم تاريخياً في العديد من الحروب، ومن أشهر تلك الأمثلة على استخدامه: الحرب الفرنسية والهندية في القرن الـ18 الميلادي، عندما قامت القوات البريطانية بتقديم وسائد قطنية استخدمها ضحايا الجدري للسكان الأصليين بأمريكا، في محاولة استخدام وباء الجدري للتسبب في المرض بين قوات العدو. حتى وصلت تلك الحروب إلى التطور خلال القرن العشرين، أثناء أحداث الحرب العالمية الأولى، إذ طوّر الجيش الألماني (الجمرة الخبيثة، والكوليرا، وفطريات القمح)، واستخدامها أسلحةً بيولوجيةً، مما تسبب بكوارث كبيرة. واستمرت تلك الحروب حتى في الحرب العالمية الثانية، حين قامت القوات اليابانية بإنشاء منشأة سرية لأبحاث الحرب البيولوجية في منشوريا، وأجرت تجارب بشرية على السجناء، فراح ما يقارب أكثر من 3000 ضحية للطاعون والجمرة الخبيثة والزهري وعوامل أخرى في محاولة لتطوير المرض ومراقبته، حتى أُعدم بعض الضحايا، ومنهم من توفي بسبب إصاباتهم، كما أجري التشريح لفهم أكبر للآثار على الجسم البشري.
وهناك تجارب لاستخدام الأسلحة البيولوجية إلى عهد الإمبراطورية الرومانية على الأقل، عندما كان من الشائع إلقاء جثث الحيوانات النافقة في إمدادات مياه العدو لتسميمها.
كما بدأ برنامج العراق للأسلحة البيولوجية في السبعينات، وبلغ ذروته في الفترة من عام 1985إلى عام 1991، وكان يُعنى بالكائنات الممرضة للإنسان مثل الجمرة الخبيثة، والسموم مثل التسمم البوتوليني.
كما بدأ البرنامج الفرنسي للأسلحة البيولوجية في عام 1921، وبحلول أواخر الثلاثينات كان البرنامج الفرنسي، قد تضمن العمل على اثنين من العوامل المهلكة للمحاصيل الزراعية. وكذلك البريطانيون أثناء الحرب العالمية الثانية عندما ركزوا جهودهم في مجال الحروب البيولوجية على الجمرة الخبيثة، وإطلاق الجمرة قرب شاطئ أسكتلندا، الأمر الذي جعل جزيرة Gruinard غير صالحة للسكن ما يقارب 50 عاماً.
كما عمل الإنجليز على الأسلحة المضادة للمحاصيل، وقد أدت بعض هذه المبيدات الكيميائية للنباتات دوراً في المعارك التي نشبت في الخمسينات ضد المتمردين الشيوعيين في الملايو.
الجيش الأمريكي أيضاً أقر بأنه بين عامي 1949 - 1969 قام بتغطية 239 منطقة على امتداد الأراضي الأمريكية، من الساحل الشرقي إلى الساحل الغربي، بمركبات كيميائية متنوعة، خلال قيامه بتجارب إجراء النثر في الهواء والمؤثرات المناخية والكميات وموقع الإطلاق وغيرها من العوامل.
وهنا يمكن الوصول إلى تحليل للمشاهد الدرامية التي شهدها العالم ولا يزال يشهدها بعد ظهور أمراض جنون البقر، وإنفلونزا الطيور، وإنفلونزا الخنازير، وفيروس (كورونا) والتي قضت على العديد من الأرواح والأموال، في صورة من الحروب التي لا تحكمها أي ضوابط أخلاقية. هذا بالإضافة إلى ما تخلفه تلك الحروب البيولوجية من جراثيم الأمراض الملوثة للهواء والماء والغذاء والبيئة بشكل عام، مسببة بذلك أمراضاً وبائية للإنسان والحيوان والنبات، فتلك الجراثيم المرضية ستظل ساكنة بصورة وبائية لعدة سنوات، بل ربما تقاوم الظروف البيئية الصعبة. وهنا يجب أن يقف المجتمع الدولي للسيطرة على الأسلحة البيولوجية والحد من حروبها، لما تشكله من خطرٍ فادح على البشرية كلها. فالإخفاق في منع الهجمات البيولوجية سيؤدي لا شك إلى تدهور جيني مروع في الحيوانات والنباتات، وما يتبع ذلك من عواقب وخيمة على الطبيعة، وتدمير سبل العيش البشري، واختلال التوازن البيئي. فوضع حد لسباق التسلح البيولوجي، وتوحيد الجهود العالمية لمكافحة هذه التهديدات؛ هو السبيل الوحيد.

ذو صلة
التعليقات