مجلة شهرية - العدد (526)  | يوليو 2020 م- ذو القعدة 1441 هـ

الأوبئة والفيروسات.. القدرة الهائلة على التجدّد

شهد العالم على مر التاريخ العديد من الأوبئة، وهي تظهر عادة بشكل فجائي لقدرتها الكبيرة على التطور والتحول في أشكال مختلفة غير معروفة سابقاً، ويعد المناخ عاملاً مساعداً على تفاعل الفيروسات وسرعة انتقال العدوى بين الكائنات، ما يفسر ارتباطها بالموسم الشتوي على وجه الخصوص. ويمكن أن تنتقل من الحيوان إلى الإنسان، وذلك إثر تغيير جيناتها حتى لا تجد عنتاً في التأقلم مع الجسم الجديد، مثلما حدث مع (فيروس كوفيد 19) ومصدره الأغلب الخفاش، ومن ثم تحول إلى حيوانات أخرى كانت وسيطاً انتقل بموجبه منها إلى الإنسان لاحتكاكه المباشر بها في بعض الأسواق المركزية الكبرى وأهمها سوق بيع غلال البحر بووهان، وتمت العدوى عن طريق اللمس أساساً لا الأكل. وقد سمي الفيروس الجديد المرتبط بالأزمة التنفسية الحادة (كورونا 2) أو (سارس كوف 2) نظراً لارتباطه وراثياً بفيروس كورونا الذي تسبب في تفشي (السارس) سنة 2003، وهما فيروسان مرتبطان وراثياً فقط، لكنهما لا يتشابهان كلياً. فمصطلح كوفيد 19 لا يعدو إلا أن يكون اسماً للمرض، أما الفيروس فشأن مغاير، وتتم تسميته استناداً إلى البنية الوراثية للفيروس نفسه، ومن مزايا وضع اسم محدد ودقيق له مساعدة الباحثين والمختصين على إجراء الاختبارات التشخيصية وتطوير العلاجات اللازمة بما فيها اللقاحات والأدوية. وتضم عائلة مرض (الفيروس التاجي 2019) 7 فيروسات أطلق عليها اسم (كورونا) نظراً إلى أن شكلها يشبه القرنيات أو تاج الملك أو الهالة الشمسية. وقد تم اكتشاف أول فيروس من هذه المجموعة عام 1960، وفي سنة 2003 ظهر فيروس (سارس) في منطقة هونغ كونغ الصينية، وشكل تهديداً عالمياً، حيث أودى بحياة الكثيرين من مختلف بلدان العالم، ولا سيما دول جنوب شرقي آسيا، وتكمن خطورته في كونه يصيب ضحاياه بصعوبة التنفس والتهاب رئوي عرف لاحقاً بمتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد، وفي عامي 2004 و2005 سجلت عدة مجموعات بحثية اكتشاف سلالتين جديدتين من عائلة كورونا سميتا بـ: (NL63 / HKU1)
أما في يونيو 2012 فقد ظهر نوع جديد من فيروسات كورونا في، ثم انتشر في أكثر من 21 دولة. وقد عرف في البداية باسم (فيروس كورونا المستجد 2012)، وهو يشبه إلى حد ما فيروس (سارس) لارتباطه بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، لكن مع وجود بعض الفروقات المهمة أبرزها انخفاض نسبة انتشاره بين البشر، مع ارتفاع ملحوظ في نسبة الوفيات التي وصلت إلى حوالي 50 بالمئة، لاسيما عند المسنين والمصابين بأمراض مزمنة.
ويتميز (فيروس كوفيد 19) بسرعة انتقاله بين الناس، ما حوله في ظرف وجيز إلى وباء عالمي، وبخاصة أن الجسم البشري لم يكتسب مناعة ضده باعتباره فيروساً مستجداً، فكل 4 أو 5 سنوات تظهر فيروسات جديدة قد تتغير تدريجياً بنسبة 3 أو 4 بالمئة، فيتعرف إليها الجسم حينما تهاجمه مجدداً وسرعان ما يتغلب عليها بفعل تحصنه ضدها، أما إذا ما تغير الفيروس بنسبة 5 أو 10 بالمئة فينقض مباشرة على الجهاز التنفسي ويعمل على إتلافه وتبقى مقاومة الإنسان له حسب مدى قوة الجهاز المناعي لديه. وما لاحظناه فيما يخص (فيروس كوفيد 19) قدرته على التجدد والتحول في ظرف قياسي من بلد إلى آخر، فحينما خرج من الصين لم يكن يكتسي خطورة كبيرة؛ لأن حالات الوفيات لم تتجاوز 2 أو 3 بالمئة، فإذا قارناه (بالسارس) الذي ظهر منذ سبع سنوات خلت؛ نرى أنه كان أقل وطأة منه، لكن ما حدث في إيطاليا وإيران من كثرة الإصابات والوفيات جعل الكثيرين يتساءلون حول إن كان الفيروس قد تغير؟ وأشار العديد من الباحثين إلى أننا إزاء نسخة ثانية مطورة من الفيروس.
وتبعاً لكل ذلك أستبعد فرضية أن تكون الأوبئة صناعة بشرية وحرباً بيولوجية غير معلنة، تستهدف ضرب اقتصاد الدول الصناعية الكبرى، لضمان مصالح الدول التي تتحكم في المشهد السياسي العالمي، ويربكها أن يتم سحب البساط من تحت قدميها تدريجياً؛ فالأوبئة فيروسات وجدت منذ القديم، ولديها قدرة هائلة على التجدد والتغير من فترة إلى أخرى.
ومن الجدير بالذكر أن فترة حضانة (كوفيد 19) تمتد إلى حدود 14 يوماً قد يرافقها ظهور بعض الأعراض كالحمى والسعال وضيق التنفس، وليس بالضرورة أن تجتمع معاً أو أن تتسم بذات الحدة لدى الجميع، ويمكن أن يكون الشخص معدياً دون أن تبدو عليه أية علامات تذكر، وينتقل المرض سريعاً من خلال الاتصال المباشر مع المصابين، إما عن طريق المصافحة أو عبر الاتصال المباشر بالرذاذ التنفسي الصادر عن شخص مصاب والذي ينشأ عن السعال أو العطس ويصل إلى الأنف والفم وحتى العينين، أو كذلك من خلال ملامسة الأسطح الملوثة وهي أرضية مهيأة يعيش عليها الفيروس لعدة ساعات.
وللوقايـــــــة مـــــــن إمكانية الإصابة بهذا الفيروس الفتاك الذي قد يترتب عنه تعكر الجهاز التنفسي للإنســـــان، كمـــــا يمكن أن يؤدي إلى الوفاة في حالات أقل؛ علينا الالتزام بالقواعد العامة للنظافة كغسل اليدين بالصابون بشكل متكرر في أوقات مختلفة من اليوم، وعدم مصافحة الآخرين أو احتضانهم أو استعمال أشيائهم الخاصة، واحتواء السعال أو العطس بثني الكوع لتغطية الفم أو بمنديل ورقي يتم التخلص منه عقب ذلك بوضعه في سلة مهملات مقفلة، وتعقيم الأسطح والمنازل والمنشآت الخاصة والعمومية، إضافة إلى إجراء وقائي مهم أثبت فاعليته من خلال التجربة الصينية الرائدة مع هذا الوباء، ونعني بذلك العزل الاجتماعي أو الحجر الصحي العام الذي أثبت أنه يمكن أن يحد من انتشار الفيروس ويقلص من عدد المصابين في ذات الآن، وهذا من شأنه أن يحمي المستشفيات لتكون بمنأى عن تكبد جهد مضاعف في إيواء المزيد من المرضى، بحيث يمكن ضمان علاجهم بكفاءة عالية، كما يتيح التباعد بين الأشخاص للباحثين الوقت الكافي للعمل على تطوير اللقاحات والأدوية التي تسهم بشكل فعال في التقليل من شدة الفيروس وإنقاذ أكبر عدد ممكن من المصابين.
فالصين بعد أن أغلقت مدينة ووهان ومدناً أخرى في مقاطعة هوبي في 23 يناير، وفرضت عزلاً تاماً على الجميع لمدة شهرين تقريباً؛ ها هي اليوم تثبت للعالم نجاعة تجربتها، وتسجل حالات قليلة إن لم تكن منعدمة من الإصابة بالفيروس، رغم أنها جابهت أوضاعاً كارثية في بداية تعاملها مع الوباء.
لكن الإشكال القائم هنا التشابه الشديد بين أعراض الكورونا والإنفلونزا أو الزكام العادي، ولفك هذا الالتباس توجب إجراء الفحوصات الطبية اللازمة، مع التشديد على ضرورة القيام بلقاح الإنفلونزا العادية التي لا تعد أقل خطورة من الكورونا لوخامة تبعاتها وحصدها لأرواح ما لا يقل عن 500 ألف شخص سنوياً على الصعيد العالمي. ولا ينبغي أن يغفل الأطباء في أقسام الطوارئ بالمستشفيات على ضرورة عزل المرضى العاديين عن مرضى الكورونا أو المشتبه في إصابتهم بالفيروس حتى لا يتحول المستشفى إلى حاضنة للوباء كما حدث في إيطـــــــــاليـــــــــا، فيحصل ما لا تحمد عقباه حينها، فمرضى القلب أو السرطان أو السكر على سبيل الذكر لا الحصر لن يستطيعوا المقاومة إذا ما انتقلت إليهم العدوى بســـبب ضعــــــف مناعتهــم، فيقضون نحبهم. في حين يمكن لأشخاص مصابين أن يتعافوا حتى دون علاج.
فالعـــــزل الداخلـــــــي والخارجــــــي الآلية الأنجع لتطويق الفيروس ومحاصرته، وبالتالي القضاء عليه بشكل نهائي؛ لأن التعويل على حلول فصل الصيف لاندثاره وتلاشيه تبقى إمكانية ضعيفة في ظل تفشيه حالياً في أماكن ذات حرارة عالية كمنطقة الخليج العربي مثلاً.

ذو صلة
التعليقات