مجلة شهرية - العدد (526)  | يوليو 2020 م- ذو القعدة 1441 هـ

الإنسان والأوبئة.. صراع على مر العصور

صراع الإنسان مع الأمراض والفاشيات والأوبئة والجائحات قديم منذ قدم الإنسان في هذا الكون، منها ما قد دون وخلد في السجلات والكتب، ومنها ما لم يدون، وربما قد أصبح منسياً عبر التاريخ، فلم يصلنا ولم نعرفه. فعلى سبيل المثال تشير السجلات أن أول فاشية الطاعون كانت بين الفلسطينيين في العام 1320 قبل الميلاد، وقد ذكرت في الكتاب المقدس (صموئيل الأول الخامس والسادس). أما مرض الجدري فيُعتقد أن أصوله تعود إلى الإمبراطورية المصرية في القرن الثالث قبل الميلاد، استناداً إلى طفح جلدي شبيه بالجدري تم العثور عليه في ثلاث موميات. كما ظهر أقدم وصف مكتوب لمرض يشبه الجدري بشكل واضح في الصين في القرن الرابع الميلادي، وفي الهند في القرن السابع، وفي آسيا في القرن العاشر. أما في العام 400 قبل الميلاد، فقام الطبيب أبقراط بتدوين الأمراض، وفي ذات الوقت كانت الكوليرا على رأس القائمة، حيث ظهر مصطلح (الكوليرا) كمرض عدة مرات في كتاباته.
كان مرض الطاعون أحد أهم الجائحات التي عرفها التاريخ، حيث ذكره العلماء والباحثون جائحةً حدثت على وجه اليقين بين 542 م و546 م، وعرفت تلك الجائحة باسم طاعون جستنيان Justinian›s plague، وقد أصاب نحو 100 مليون من البشر في آسيا وأوروبا وأفريقيا. أما جائحة الطاعون الثانية فقد حدثت خلال القرن الرابع عشر 1347-1350م، وتسببت في وفاة ربع سكان العالم آنذاك، بما يقدر بنحو 50 مليون شخص، وكان يعرف باسم (الموت الأسود). أما الجائحة الثالثة فحدثت في عام 1894، حيث بدأت في كانتون وهونغ كونغ، فانتشرت بسرعة في جميع أنحاء العالم بواسطة الفئران على متن السفن البخارية السريعة، وفي غضون عشر سنوات (1894-1903) دخل الطاعون 77 ميناء في خمس قارات.
هنا يطرح السؤال: ما الفرق بين الوباء والجائحة؟ نجد الجواب جلياً من مجتمع إصابات تلك الجائحات الثلاث، حيث يتبين لنا معنى مصطلح الجائحة العلمي المستخدم كثيراً في علوم الوبائيات والصحة العامة والطب الوقائي. فإذا اتسع نطاق الوباء وانتشر وعبر حدود الدول والأقاليم إلى القارات والعالم أصبح يسمى جائحة.
أما الإجراءات العلاجية والوقائية التي كانت تستخدم آنذاك، فمنها ما هو معروف ومعلوم ومنها ما هو مجهول، ولعل مما هو معروف منها هو تاريخ ممارسة الحجر الصحي كتدخل وقائي خلال القرن الرابع عشر في الجائحة الثانية للطاعون السالفة الذكر، في محاولة لحماية المدن الساحلية من أوبئة الطاعون، حيث كان على السفن القادمة إلى البندقية من الموانئ المصابة أن تبقى عند المرسى مدة 40 يوماً قبل أن يسمح لها بأن ترسو، ولذلك اشتقت كلمة الحجر الصحي Quarantine من بين الكلمات الإيطالية quaranta giorni والتي تعني 40 يوماً.
أما بالنسبة للتدخلات الوقائية لمرض الجدري، والذي كان مرضاً مدمراً فتاكاً آنذاك، حيث مات بسببه 3 من كل 10 أشخاص قد أصيبوا به، وخلف لأولئك الأشخاص الذين نجوا منه ندوباً كانت شديدة في بعض الأحيان؛ فكانت إحدى الممارسات الطبية الأولى للسيطرة على انتشاره هي استخدام (التجدير) Variolation نسبة إلى الفيروس الذي يسبب الجدري Variola، وهي العملية التي يتم من خلالها إعطاء المواد من قروح الجدري (البثور) للأشخاص الذين لم يسبق لهم الإصابة بالجدري، وقد تم ذلك عن طريق إدخال المادة في الذراع أو استنشاقها عبر الأنف، وكانت تعطى بمثابة التطعيم للأشخاص الذين لم يصابوا بهذا المرض مسبقاً، حيث لاحظ في عام 1796 طبيب إنجليزي يدعى إدوارد جينر أن العاملات اللاتي يحلبن البقر واللاتي أصبن بجدري البقر لم تظهر عليهن أي أعراض للجدري، فقام بعدة تجارب لاختبار هذه النظرية، وكانت أولها على سارة التي كانت تعمل حلابة للبقر وعلى الطفل جيمس ابن العامل في حديقته، حيث أخذ الدكتور جينر مادة من قرحة جدري البقر الموجودة على يد سارة وحقنها في ذراع جيمس، وبعد عدة أشهر قام الدكتور جينر بتعريض الطفل لفيروس الجدري ولكنه لم يصب به، وفي عام 1801 نشر جينر أطروحته والتي لخص فيها اكتشافاته وأعرب عن أمله في إبادة الجدري.
بعد قرنين تقريباً من نشر جينر أمله في أن يؤدي التطعيم إلى القضاء على الجدري، وبعد جهود حثيثة من منظمة الصحة العالمية، وحملة تحصين عالمية، امتدت سنين عديدة؛ كانت آخر إصابتين بالمرض في العالم قد سجلت في عام 1975و1977، الأول لطفلة تدعى رحيمة تبلغ من العمر ثلاث سنوات من بنجلاديش، حيث تم عزلها في المنزل مع تكليف حراس للمنزل طوال اليوم حتى شفيت وأصبحت غير معدية، وبدأت على الفور حملة تطعيم للمنازل التي تقع على بعد 1.5 ميل من منزلها، وتمت زيارة جميع المنازل والمباني التي تقع في نطاق 5 أميال من منزلها بواسطة أحد أعضاء فريق برنامج استئصال الجدري للتأكد من عدم انتشار المرض، كما تم تقديم مكافأة لأي شخص للإبلاغ عن حالة الجدري. والإصابة الأخيرة كانت لشخص اسمه علي، ويعمل طباخاً في مستشفى في الصومال، وقد رافق اثنين من مرضى الجدري في سيارة من المستشفى إلى مكتب الجدري المحلي، حيث أصيب بالجدري، وتم عزله لحين شفائه بالكامل، وقد توفي علي مؤخراً بسبب الملاريا في 2013 أثناء عمله في حملة استئصال شلل الأطفال.
أما جانيت باركر فكانت هي آخر شخص يموت بسبب الجدري في عام 1978، حيث كانت تعمل مصورة طبية في كلية الطب بجامعة برمنغهام في إنجلترا في الطابق العلوي لقسم الأحياء الدقيقة الطبية الذي تتم فيه أبحاث الجدري، ويعتقد أنها أصيبت به إما عن طريق الهواء عبر نظام قنوات المبنى أو عن طريق الاتصال المباشر أثناء زيارتها لممر علم الأحياء الدقيقة، ونتيجة ذلك، وبالتحديد في 8 مايو 1980، أعلنت منظمة الصحة العالمية رسمياً في اجتماعها الثالث والثلاثين أن العالم خالٍ من هذا المرض، ويعتبر استئصال الجدري أكبر إنجاز في تاريخ الصحة العامة الدولية، ويعد أول مرض انتصر عليه الإنسان، والوحيد بينها.
بعد القضاء على الجدري، قرر العلماء ومسؤولو الصحة العامة أنه لا تزال هناك حاجة لإجراء بحوث على فيروس الجدري، واتفقوا في عام 1981على تخفيض عدد المختبرات التي تحتفظ بمخزون من فيروس الجدري إلى أربعة مواقع فقط هي الولايات المتحدة وإنجلترا وروسيا وجنوب أفريقيا، أما حالياً فيوجد موقعان فقط حيث يتم تخزين فيروس الجدري رسمياً تحت إشراف منظمة الصحة العالمية: وهما CDC في مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أتلانتا جورجيا، ومركز أبحاث الفيروسات والتكنولوجيا الحيوية (معهد فيكتور) في كولتسوفو، روسيا، مما أدى إلى المخاوف باحتمال استخدام الجدري يوماً ما كأحد عوامل الحرب البيولوجية.
أما في التاريخ الحديث، فكانت جائحة الإنفلونزا عام 1918 المعروفة بالإنفلونزا الإسبانية على رأس القائمة، وهي أشد جائحة في التاريخ الحديث، حيث انتشرت في جميع أنحاء العالم، وأصابت ثلث سكان العالم، بما مجمله نحو 500 مليون شخص، وقدر عدد الوفيات بما لا يقل عن 50 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، وكان المسبب لها فيروس H1N1.

ذو صلة
التعليقات