مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

كيف تكتب الرواية؟

(كيف تكتب الرواية؟) كتاب ملهم للأديب العالمي جابرييل جارسيا ماركيز، أورد فيه تلك القصة الموحية التي جاءت في كتابه، حيث قال: زارني في بيتي بمدينة مكسيكو شاب في الثالثة والعشرين من العمر، وكان قد نشر روايته الأولى قبل ستة شهور، وكان يشعر بالنصر في تلك الليلة لأنه سلم لتوه مخطوط روايته الثانية إلى الناشر.
أبديت له حيرتي لتسرعه وهو لا يزال في بداية الطريق، فرد باستهتار: ما زلت أرغب في تذكره! لأنه استهتار لا إرادي (أنت عليك أن تفكر كثيراً قبل أن تكتب لأن العالم بأسره ينتظر ما سوف تكتبه، أما أنا فأستطيع أن أكتب بسرعة لأن قلة من الناس يقرؤونني).
عندئذ، وبإيحاء مبهر، فهمت عبارة كان قد قالها الأديب العالمي ماريو برجاس يوسا: (في اللحظة التي يجلس فيها أي كاتب ليكتب، فإنه يقرر إن كان سيصبح كاتباً جيداً أم كاتباً رديئاً)، وأدركت من حواري مع هذا الشاب أنه قرر سلفاً أن يكون كاتباً رديئاً، وكان كذلك بالفعل والدليل على ذلك أنه عندما حصل بعد ذلك على وظيفة في مؤسسة لبيع السيارات المستعملة، لم يعد إلى الكتابة ولم يفكر في إضاعة وقته فيها!
إنها بالفعل قصة تحمل الكثير من المعنى والفهم لقيمة الكتابة ورسالة الكاتب. وماركيز هنا يدق على جدران الفكر والضمير لدى أي كاتب، ويقول بوضوح إن الكتابة ليست مهنة للاسترزاق، ومن يتعامل معها من هذا المنطلق لن يكون إلا كاتباً رديئاً. ربما يكسب مالاً، لكن هل يملك مكاناً في الذاكرة ووجدان قرائه وعشاق قلمه؟ البحث عن القيمة والتعب، محاولة العثور على الفكرة، ثم معايشتها بعمق من خلال قراءات كثيرة، وبحث دؤوب، الكتابة مرة واثنتين وثلاثاً حتى يقتنع الكاتب نفسه بأن تلك السطور التي كتبها تستحق أن تنشر ويقرأها الناس لتغيرهم، وتجعل لحياتهم معنى وقيمة وهدفاً. وأتذكر إحدى عبارات الراحل دكتور يوسف إدريس في حوار مع الصحفية نوال مصطفى بجريدة الأخبار المصرية: (الكتاب الذي لا يغيرني ليس كتاباً).
وللأسف الشديد هذا واقع الكتابة في عالمنا العربي، وقد استدعيت واستوعبت كلمات ماركيز لأننا نعيش سراباً وسط فوضى الكتابة وانحدار مستواها على كل المستويات، سواء في الدراما التليفزيونية أم السينما أو الصحافة وبخاصة الإلكترونية، والإعلام وخصوصاً التوك شو. فهلا راجع العديد ممن يحسبون أنفسهم ويعدون أنفسهم مثقفين وكتاباً أنفسهم قبل أن تمتلكهم الجرأة ويعلن على الملأ أنه قد كتب شيئاً ما، وراجع نفسه وامتلك شجاعة الاعتذار وأنه سوف يراجع نفسه الرديئة لتتحول إلى نفس طيبة تبحث عن كلمات حقيقية تعيد لأمتنا العربية الكثير والكثير مما فقدته؟!

ذو صلة
التعليقات