مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

ترجمة (سيدات القمر).. القيمة الملتبسة

من الصعب تناول ترجمة رواية مثل سيدات القمر، للكاتبة العمانية جوخة الحارثي، الرواية الفائزة بجائزة المان بوكر البريطانية للرواية المترجمة لعام 2019، من زاوية الترجمة مع تفادي مسائل أبعد ما تكون عن الترجمة بوصفها نشاطاً فكرياً إبداعياً في المقام الأول. والسبب واضح: فوز الرواية بجائزة عالمية مثل البوكر بعد ترجمتها يطرح سؤالاً مثقلاً بالأيديولوجيا: (هل فازت الرواية لقيمتها الإبداعية أم بسبب الترجمة؟) والسؤال قابل لأن يصاغ على النحو التالي: (لو أن الرواية لم تترجم هل كانت ستفوز؟) لكنه سيكون عندئذٍ سؤالاً ساذجاً لأن إجابته بدهية: كان من المستحيل أن تفوز لأن الجائزة مخصصة للأعمال المترجمة، ما يعني أنه كان لابد من الترجمة لكي تعرف الرواية أولاً ثم لكي تترشح للجائزة. السؤالان مختلفان إذاً. السؤال الأول، الأيديولوجي، يتضمن تشكيكاً ولو بسيطاً في قيمة الرواية وأن من المحتمل أن الترجمة منحتها قيمة إبداعية لم تكن لها، أي لم تكتف بإيصالها إلى القارئ الأجنبي ومنه إلى لجنة التحكيم وإنما أضفت عليها بعداً أدبياً آخر، في حين أن السؤال الثاني ينظر إلى الأمر الطبيعي وهو أن الترجمة كانت شرطاً لوصول العمل وليس بالضرورة لرفع قيمته.
إننا أمام حالة نادرة تحتل فيها الترجمة مكانة لم تعتدها. هنا الترجمة مرشحة للتفوق على النص الأصلي من زاوية المشككين في قيمة الرواية لو لم تترجم (ونشرت الصحف العربية لعدد من أولئك المشككين). والمكانة المشار إليها، لو تأملنا قليلاً، ليست في حقيقة الأمر للترجمة بحد ذاتها، فلا ينبغي للمترجمين أن يفرحوا بما يبدو أن الترجمة قد حققته من تقدير. المكانة في حقيقة الأمر للغة الإنجليزية والثقافة التي تنتمي تلك اللغة إليها، الثقافة البريطانية الغربية في نهاية المطاف. اللغة الإنجليزية هي في نظر المشككين في قيمة الرواية (إذا استبعدنا التحيز ضد الرواية لأنها من عُمان) هي التي أضفت على عمل أدبي قيمة لم تكن له في الأصل، عمل سيؤكد الكثيرون أنه جيد، وإن لم يعن هذا أنه متفوق، كما قد يقول البعض. لكن ماذا لو أن الجائزة صينية أو أفريقية أو هندية، وأن الرواية فازت لأنها ترجمت إلى إحدى لغات الهند أو أفريقيا، هل كان نفس السؤال ممكناً؟ للغة الأوروبية والجائزة الأوروبية مكانة خاصة على الأرجح، الأمر الذي يجعل الترجمة بحد ذاتها ليست الأهم وإنما اللغة التي ترجمت إليها. أهمية الترجمة، بتعبير آخر، مرتبطة إذاً باللغة التي ترجمت إليها والجائزة التي فازت بها. لن يهتم أحد لو أن الجائزة أتت من أوغندا أو أن اللغة التي ترجمت إليها هي الغيكويو في كينيا، على سبيل المثال.
هذه الاحتمالات لم تدر بخلد المترجمة مارلين بوث كما تشير المقدمة التي تصدرت ترجمتها. ففي المقدمة التي أرادت منها تعريف القارئ غير العربي بالرواية، تتحدث المترجمة عن الثناء الواسع الذي لقيته الرواية في العالم العربي عندما نشرت قبل سنوات من ترجمتها وفوزها. تتحدث عن البناء المركب أو المعقد للرواية من حيث تداخل الأصوات الساردة، وعن القيمة التاريخية والغوص في البنية الاجتماعية العمانية. لكن تلك القضايا ليست في مقدمة اهتمامات من توقفوا عند فوز الرواية بعد ترجمتها. فأن تنشر رواية عمانية مميزة وتتلقى الثناء شيء، وأن تفوز بجائزة عالمية لم يفز بها روائيون عرب أكثر شهرة و(مركزية) شيء آخر. هنا يغدو سؤال الترجمة سؤالاً متخففاً من بعده المعرفي والأدبي أو الجمالي، مثقلاً بأبعاده الأيديولوجية المتحيزة.

ذو صلة
التعليقات