مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

الخبز المعجون بالألم والدمع

توقفت في حلقة سابقة عند الحديث عن بعض الشخصيات ذات السلوكيات الغريبة، أو اللافتة للنظر عند تجوال الإنسان في شوارع المدينة المنورة وأزقتها. وكان الحديث عن رجل يُدعى (السحلبجي)، وهو الذي اختار خان الرستمية سكناً له، برفقة عدد من الشخصيات الأخرى، ممن يمكن أن نطلق عليهم مسمى (المجاورين)، أي أنهم اختاروا جوار الرسول صلى الله عليه وسلم، والسكن بقرب مثواه الطاهر، والرضا بالقليل من متاع هذه الدنيا الفانية. وقد اختلفت البواعث والأسباب وراء نزوح هذه الشخصيات ليصبحوا جزءاً من تاريخ هذا البلد الطاهر.
وإذا ما تركنا فضاء الرستمية، فإننا نجد شخصية أخرى، اتخذت من المساحة التي كانت بالقرب من باب الرستمية مأوىً لها، حيث يأوي هناك إلى مسكنه الذي يحتوي على سرير مصنوع من الخشب، كُسي أو غُطي بما يلزم للنوم عليه من فرش وغطاء. وكان رواد الحاري -أي حارة الأغوات- وسكانها ينادونه باسم (فرنسا)، وربما تدل هذه الكلمة على أنه أحد المجاورين من البلد العربي الجزائر، وربما قدم إلى البلدة الطاهرة في النصف الثاني من السبعينات الهجرية، حيث احتضنت المدينتان المقدستان أعداداً من طلاب العلم وسواهم من ذلك البلد العربي، حتى يتمكنوا من إكمال مسيرة حياتهم. وقد أدركت ذلك أثناء دراستي في مدرسة العلوم الشرعية، وذلك في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات الهجرية، وقد عاد الكثير منهم إلى وطنهم الأصلي بعد استقلال ذلك البلد العربي عام 1964م.
أعود لشخصية (فرنسا)، فلقد كان رجلاً قصير القامة، يضع على رأسه كوفية مصنوعة من الصوف، ومازال البعض في بلاد المغرب العربي يرتدي هذا الضرب من غطاء الرأس. وكان (فرنسا) يستيقظ مع صباح كل يوم ويحتسي كوباً من القهوة التي يطلقون عليها في المغرب اسم (المهرسة)، وكان مقهى المعلم طيفور يمتلئ بالراغبين في تناول إفطارهم، حاملين معهم شيئاً من أقراص العيش من مخبر المعلم (حجازي)، الذي لم يكن بعيداً عن برحة الرستمية.
يغادر (فرنسا) المقهى، ويجر أمامه عربة صغيرة. وكان عمال البناء يحتاجون لمن يحمل إليهم أدوات البناء، وبخاصة التراب المستخدم في عملية البناء. وإذا حل وقت الظهر عاد (فرنسا) إلى صومعته عند باب الرستمية، لينام قليلاً، ثم يستيقظ مع أذان العصر ليكمل مهمته في العمل.
وكان (فرنسا) لا يسلم من مزاح بعض المرشدين، أو من يطلق عليهم (المزورين)، الذين يقصدون الرستمية قبل حلول موعد صلاة المغرب، ولا يزعجه شيء مثل لقب (فرنسا)، والذي ربما ارتبط في ذهنه بمساوئ الاستعمار الفرنسي البغيض، والتي لم يعترف بها، ويعتذر عنها لفظاعتها ووحشيتها.
وهبت ذات يوم ريحٌ عاصفة على رستمية طيفور ورفاقه، فغاض الماء في عين الحارة، وانطفأ النار في فرن المعلم (حجازي)، الذي نزح آباؤه من جنوب الوطن، واختاروا الجوار الكريم سكناً وموئلاً، وتناثر القوم: حسب الله، والمعلم زايد ورفاقه الزيبق، وسعد الأحنف، ممن اختاروا مهنة دفن الموتى في بقيع الغرقد طلباً للأجر والثواب. وإن استوحشت نفوس من عمل كهذا، فإن ساكني الرستمية كانوا يستشعرون الأنس في دواخلهم، وربما شاهدوا من الأسرار ما احتفظوا به لذواتهم، فرحلوا هم الآخرون، ورحل معهم السر، وبقيت حكايات جدار الرستمية تروي القليل منها الألسن، وتطوي النفوس الكثير منها.
ولعل حكاية واحدة لا ينفك الناس عن البحث عن جذورها، إنها حكاية ولد التواتي، الذي رحل غدراً في أرض الصيران شجاعاً. وسألت صديقي (ابن جبل)، ذات يوم عنه، فرد بعد صمت قائلاً: إنه كان يثني رجليه في برحة الرستمية، ويكسي نفسه بالعصا، فيستكف في وقت واحد عصيَ قوم تمرسوا بفن (القشاع)، إلا إنهم مع حلول ظلام الليل يحملون عصيهم وهم يتمتمون: إنه مشكل الحارة وكفى.

ذو صلة
التعليقات