مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

(ديكارت) برؤية جديدة (2 - 2)

قال أبو عبدالرحمن: لاحظ الكاتب الفرنسي (شارل شومان) أن عبارات (ديكارت) في كتابه (التأملات) مقاربة عبارة (الغزالي) في كتابه (المنقذ من الضلال)؛ وقد اصطنع (أبو حامد) مذهب الشك قبل (ديكارت)؛ إلا أن الأول توصل إلى اليقين بمعارف العقل الفطري، أو صافيات القرائح كما في تعبير (أبي العلاء المعري):
سريتم على غي فهلا اهتديتم
بما خبرتكم صافيات القرائح
وذكر (أبو حامد الغزالي) في مبدأ طلبه اليقين: أن ما يريده حقيقة: هو ما ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم؛ ويجب أن يكون الأمان من الخطأ مقارناً اليقين مقارنة تامة؛ فلو تحدى مشعوذ اليقين بأن العشرة أكثر من الثلاثة، وقال: بل الثلاثة أكثر بدليل: (أنني أقلب هذا الحجر ذهباً، والعصا ثعباناً): لم يورثه (يعني هو؛ أي المشعوذ) ذلك شكاً وإنكاراً.
 قال أبو عبدالرحمن: بل دعواه قلب الحجر ذهباً دعوى كاذبة تبطل في حينها بما يبطل به السحر؛ لأن الحجر يبقى حجراً كما هو.. وشك (أبي حامد) موجود فيما سماه بـ (مداخل السفسطة) في التماساته لليقين؛ وقد رأى أن الحسيات والضروريات هي الجليات؛ فلا مطمع في اقتباس المشكلات إلا منها، إلا أنه ينتهي به طول الشك إلى استبعاد الثقة بالمحسوسات؛ فأقواها حاسة البصر؛ وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفاً؛ فتنفي حركته؛ ثم بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة تعرف أنه متحرك، وأنه لم يتحرك دفعة واحدة مباغتة؛ بل على التدريج ذرةً ذرة؛ فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات كقول: (العشرة أكثر من الثلاثة)؛ إلا أن طول الشك ينتهي إلى استبعاد الثقة بالعقليات أيضاً؛ لأن النائم يعتقد في النوم أموراً، ويتخيل أحوالاً؛ فإذا استيقظ علم أنه لم يكن لجميع متخيلاته ومعتقداته أصل؛ وبقى (أبو حامد) قريباً من شهرين بعد هذا التوهم على مذهب منكرة الحقائق؛ ولكنه كاتم ذلك، ثم شفاه الله، وعادت نفسه إلى الصحة والاعتدال، وقذف الله في صدره: أن الضروريات العقلية مقبولة موثوق بها على أمن ويقين؛ وانتهى إلى أن طرق الباطنية في الكشف: هي الموصلة إلى اليقين؛ وهذه ردة صلعاء؛ وباستعراض مذهب (ديكارت) نرى صحة مقاربته لـ (الغزالي) في جمله ومعانيه؛ فـ (ديكارت) يرى أن الحواس خداعة، وليس من الحكمة الاطمئنان إلى من يخدعنا ولو مرة واحدة.
قال أبو عبدالرحمن: ما يحيط بـ (ديكارت) من أشياء مادية يشك فيها؛ لأنه يحس بمثلها في المنام؛ فإذا بها وهم؛ والطريق إلى اليقين بعد هذا الشك: معلل بأن النظر بالعقل الفطري؛ وبدائه العقل: هي أصح المعارف. واليقين المطلوب: هو ما كان متميزاً واضحاً؛ والمتميز الواضح هو الضروري الوجداني في النفس؛ وهو الذي لا يقبل الشك؛ وكل ما ذكرته هنا احتذاء لما ذكرته آنفاً، ولا أدري هل هو وقع الحافر على الحافر، أو هو أثر السابق في اللاحق؟.. لقد عبروا عن صيغة (ديكارت) المشهورة: (أنا أفكر: إذن أنا موجود) بـ(الكوجيتو)؛ وأكثر المتأدبين لم يفهموا هذه الصيغة حق الفهم، وكيف كانت طريقاً إلى اليقين في معارف كثيرة؛ وإنني موضح ذلك: بأن ديكارت افترض أنه لم يصح عنده شيء من الحقائق ألبتة: لا حقائق الحس، ولا حقائق العقل، ولا التقليد، ولا العرف؛ كما لم يصح عنده بطلان شيء؛ وحينئذ فهو شاك؛ فأول حقيقة يقينية عنده: أنه يشك، ولو فرض أنه شاك في أنه يشك: فسيظل من الثابت على نحو يقيني: أنه يشك؛ والشك نوع من التفكير؛ فعنده حقيقة يقينية هي: أنه يفكر، وعنده حقيقة أخرى هي: أنه موجود؛ لأن غير الموجود لا يفكر؛ وهذا معنى قوله: (أنا أفكر: إذن أنا موجود)؛ ومن هذه العبارة صاغ برهانه الوجودي في إثبات وجود الله، أو ما عبر عنه بـ (الكامل اللامتناهي).
 قال أبو عبدالرحمن: قامت النهضة الأدبية في مصر منذ وقت (أحمد لطفي السيد)، والدكتور (طه حسين) على عدد من مناهج وتيارات أدبية من بينها المنهج التشكيكي الديكارتي؛ وكان من بواكيره دراسات طه حسين الأدب الجاهلي؛ وإنكاره أعلاماً تاريخية مع ادعاء عريض في دعوى انتحال الشعر الجاهلي بإطلاق، وقامت نهضة الإصلاح في الأزهر، وفي مناهج البحث بواسطة (جمال الدين الأفغاني). (قال أبو عبدالرحمن: أقبح به من باطني قذر تلاعب بعقول ضعيفي الإيمان، محبي الشهرة والزعامة)؛ و(محمد عبده) على المنهج إياه؛ فتضافرت حملات التشكيك على صحاح الأحاديث، وعلى حقائق الدين كنزول المسيح (عليه السلام لقتل المسيح الدجال لعنه الله)، وصحة المعجزات، وأن الله أهلك أصحاب الفيل بطير أبابيل. وحمل الأستاذ (محمد فريد وجدي) على تلك الحقائق ببحوث له متتالية سماها (الدين في معترك الشكوك)؛ وكان هذا مذهب رجال الصحافة القدماء كالدكتور (محمد حسين هيكل)، وقالوا: إن الشيخ محمد عبده صاحب مدرسة أيدت سلطان العقل، وقضت بالبداهة. وذكر الدكتور عثمان أمين: أنه عثر على جميع مؤلفات ديكارت في مكتبة محمد عبده بنصوصها الفرنسية، وأن له تعليقات على كتاب (التأملات).
 قال أبو عبدالرحمن: في تلمسي عناصر الشك الديكارتي: تحقق عندي: أن مذهب المتكلمين يوجب تقديم الشك على الإيمان، وأن إيمان المقلد لا يصح؛ وكل هذا محض الافتراء؛ وذلك يوقعه في السفسطة؛ ولهذا ذهب يوسف كرم إلى أن شك ديكارت لا مخرج منه، أراد، أم لم يرد؛ وليس مؤقتاً. (المقتطف عدد يوليه 1942 ميلادياً ص 202).
 قال أبو عبدالرحمن: لجلاء الحقيقة أقول: ثمة شك وجودي فعلي، وثمة شك صوري منهجي؛ وكل من هذين النوعين ينقسم إلى نوعين أيضاً: شك لا انفكاك منه، وشك مؤقت. والعقلاء يقولون: شك (ديكارت) منهجي مصطنع؛ وليس حقيقياً؛ إلا أنه ثابت لا انفكاك منه؛ فأكبر يقين عنده إثبات وجوده؛ لأنه يشك فهو مفكر، والمفكر موجود. ولو شك في أنه يشك لكان في نفس الوقت شاكاً؛ وما يدري ديكارت لعل شيطاناً ماكراً أوهمه أن الشك ليس من الفكر، وما يدريه لعل المفكر غير موجود؛ وإنما الشيطان زيف عليه؛ ولو لم يتنزل ديكارت إلى افتراض وجود الشيطان: لكان له مخلص من شكه.
 قال أبو عبدالرحمن: إسراف ديكارت في افتراض وجود شيطان مخادع: من باب التنزل في الاستدلال، وهو مقبول لو لم يخل بيقينه؛ ولكن الواقع أنه سيخل بيقينه على رغمه؛ لأنه لا انفكاك له عن افتراض شيطان مخادع في كل ما وصل إليه من يقين ما دام أنه تنازل إلى هذا الحد.. والصواب: أن التنزل في الاستدلال يقبل إذا وثق المجادل بما سيردفه من حجج، وكان تنزله لن يضر حججه المستقبلة، وكان جارياً على مجادلة الخصم بمذهبه؛ لأن ذلك أدنى للإقناع؛ لهذا فمن واجب من يطلب الحقيقة: أن يتجرد عن الأشياء التي آمن بها عرفاً وتقليداً؛ ليستقبل بفكره حجج النفي والإثبات، ولا يطرح ما تطرق إليه الشك؛ وإنما يطرح ما لم يرجح برهانه، ويأخذ بما رجح برهانه؛ فلتكن (الكوجيتو) هي الخطوة الأولى: (أنا أشك: إذن أنا أفكر: إذن أنا موجود)؛ فمهما شككت في أنني أشك: فلا سبيل إلى الشك في أنني أفكر؛ لأن الشك من مراتب الفكر؛ فها هنا اهتديت إلى يقين تام؛ أي لا شك فيه.. وخذ درجة من درجات اليقين التي لم تكن يقيناً عند (ديكارت) في تنزله: إني جالس قرب النار، لابس عباءة المنزل، وبيدي ورقة؛ فكيف أستطيع إنكار أن هاتين اليدين يداي، وهذا الجسم جسمي؟.. وأسرف (ديكارت) في الشك؛ فقال: (ينبغي أن أعتبر أني إنسان، وأن من عادتي لذلك أنا أنام، وأن أرى في أحلامي عين الأشياء التي يتخيلها المخبولون في يقظتهم).. راجع كتابه (التأملات) ص 58 - 60.
قال أبو عبدالرحمن: التشكيك في حال اليقظة لا غموض فيه؛ ولكن (ديكارت) لما ذهب إلى التشكيك في وجوده: لم يسلم من عقدة (الدور)؛ لأن إثبات حالة وجوده، وكونه نائماً، أو مستيقظاً فرع ثبوت وجوده.. قال ديكارت: (فلنفرض الآن أنا نائمون، وأن جميع هذه الخصوصيات من فتح العينين، وهز الرأس، وبسط اليدين، وما شابه ذلك: إن هي إلا رؤى كاذبة؛ لكن لابد على الأقل من أن نسلم بأن الأشياء التي تتمثل لنا في النوم كـ (لوحات وصور) لا يستطاع تكوينها إلا على غرار شيء واقعي وحقيقي؛ وإذن فهذه الأشياء العامة كالعينين والرأس واليدين والجسم بأكمله: ليست أشياء متخيلة؛ بل هي واقعية وموجودة).. (التأملات) ص 59 - 60.
 قال أبو عبدالرحمن: إذا كانت هذه اللوحات على غرار موجود عيني واقعي: حقيقةً واقعية يقينية: فإنما وصلنا إليها بـ (أنا) في رؤى النوم؛ والأنا لم يثبت لنا وجوده بعد؛ لأنه شاك في وجوده؛ فكيف آمن بأن الأجزاء الجسمية للأنا ثابتة على غرار موجود في الخارج؛ وذلك الأنا لم يثبت وجوده بعد؟. وكيف جعل ذلك الأنا ينام ويستيقظ وهو لم يثبت وجوده بعد؟؛ فهل حالة الشيء تسبق وجوده؟ هذا دور لا انفكاك منه.
 قال أبو عبدالرحمن: ما ثمة ما يحوج إلى هذا التنزل؛ بل المنهج أن يقول: أستطيع جلاء هذا الشك بالإيمان به، أو بتزييفه بأمر واحد ميسور هو: (تمييز حال اليقظة من حال النوم؛ وذلك بملاحظة منطق التصورات، واتساق التفكير، واتفاق المعاني مع الذكريات المحفوظة، واتفاقها مع الأحكام العامة، ومع قوانين العقل).. راجع (ديكارت) لـ (عثمان أمين) ص 130؛ وما رجح بناء على هذه الأمور: فهو الحقيقة، لا لأنه يقين تام ليس فيه أدنى شك؛ وإنما لأن الشك فيه مرجوح؛ فإن للظن الراجح حكم اليقين القطعي؛ لأن الترجيح قانون عقلي، واطراح المرجح كالترجيح بلا مرجح، وكلا ذينك سفسطة.
 قال أبو عبدالرحمن: الأحكام العقلية طائفتان: أولاهما أحكام يقرر بها إيجاباً أو سلباً: أن الأفكار الموجودة في الذهن مشابهة أو مطابقة للأشياء الموجودة خارج ذهني؛ فالنظر العقلي أثبت أن أفكارهم متفقة مع ما هو موجود خارج الذهن كما لو حكموا: بأن الصوت الذي سمعوه الآن صوت سيارة، أو صوت بائع متجول؛ وهذا النوع يقبل الشك؛ لأن الحواس تغلط، ولأنهم كما قال (ديكارت): (قد لا نميز بين النوم واليقظة).. وأخراهما: أحكام عقلية أربط بها بين الأفكار دون أن أثبت، أو أنفي: أن هذه الروابط تنطبق على حقيقة ما هو خارج الذهن.. مثال ذلك أن أقرر: أن 2 + 3 = 5 دون أن أثبت أن هناك أعداداً خارج ذهني؛ فكان ينبغي من (ديكارت) أن يحترم الحقيقة؛ فلا يشك في هذا النوع، ولكنه شك، واستند على هذين الأمرين: أن من الناس من أخطأ في أمثال هذه الأمور؛ فربما أخطأ هو.. وأن هذا الرباط بين الأفكار يقوم على الاستدلال بسلسلة أدلة أو مقدمات تفضي إلى نتيجة؛ ولكن عند وصولنا إليها قد تغيب عن أذهاننا المقدمات التي قادتنا إليها؛ فنفقد دواعي التصديق بها حالما تخرج من الوعي المقدمات التي منا استفادت وجودها.
قال أبو عبدالرحمن: إسراف (ديكارت) في الشك أمر لا غموض فيه؛ وهو مؤاخذ عليه؛ وأما المفارقة بين هاتين الطائفتين من الأحكام العقلية من حيث يجوز له الشك في الأولى، ولا يجوز له الشك في الثانية: فلست أراه وارداً؛ لأنني ما تصورت أن 2 + 3 = 5 في ذهني إلا بعد أن ثبت عندي بالحس من موجود عيني، أو من إجماع معصوم: صحة هذه الحقيقة التي أحسبها ذهنية خالصة؛ وديكارت بصدد الشك في الحواس وإثبات خداعها.. ورأى الدكتور محمد محمد حسين: أن المنهج الديكارتي خطر؛ لأنه يرضي نزوات الشباب وغروره؛ فيتصور أنه قد أصبح من الذكاء، ومن النضج العقلي من حيث يستطيع أن يناقش كل شيء، وأنه يخضع كل دقيق وجليل لتفكيره.. مع أن هؤلاء المساكين - يعني الشباب - يعجزون عن الإجابة على أسئلة الامتحان؛ وهي في مسائل جزئية تافهة.
 قال أبو عبدالرحمن: الخطورة في الإسراف في الشك؛ لأنه بلغ من التنزل حداً أخل بالحقيقة؛ وأما مبدأ الشك الذي يصغي لأدنى شبهة فكرية: فلا غموض على جوازه؛ ومبدأ الشك يرضي نزوات الشباب ذوي الحيوية الفكرية، ولكنه لا يجلب هذه النزوة؛ لأنه لا يشك إلا من قدر على الاستشكال؛ فالشك يكون على قدر الاستشكال.. وعجز بعض الشباب عن حل بعض مسائل الامتحان: ليس دليلاً على قصورهم الفكري؛ وإنما يدل: إما على ضعف الذاكرة من حيث لا يستطيع استظهار معارفه، وإما على تكاسله، وإما على تعاليه عن الانقياد لمحفوظات يدونها له أستاذه ولا يستسيغ منطقها؛ فيصعب عليه استيعابها.. وإما، وإما.. ولا بد من تحصين هذا المنهج باستبعاد استطاعة الشيطان الماكر مخادعتي في صحة 2 + 3 = 5 فأفرض أن الشيطان حاول مخادعتي، ولكنني أستجوبه وأطلب حجته؛ فلا أجد عنده مهما كانت قدرته ما يضطرني إلى تكذيب أن: 2 + 3 = 5، أو ترجيح الشك في صحتها؛ فإذا تم هذا فللمنهج الديكارتي عندي قيمة كبرى في استخراج اليقينيات الكبرى كمسألة: وجود الله، والبرهان الأونتولوجي؛ وهو برهان متين يرغم الملحد على الإيمان. ويستفاد من سياق (ديكارت) أنه قد فرغ من تقرير مذهبه قبل أن يشك؛ فلم يجيء شكه نتيجة أزمة نفسية؛ وهذا دليل على أن شكه مصطنع.. انظر كتاب ديكارت لـ(عثمان أمين) ص 141.. وقد تحزب بعض الفلاسفة الغربيين لمنهج ديكارت؛ فمنهم من اقتصر على التمسك بأفكار ديكارت، والاعتماد على نظامه؛ ليحامي عن الحقيقة الدينية والأدبية. ومنهم من استخرج من المنهج نتائج على هواه وذوقه، وبنى عليه مذاهب بعيدة، ومنهم من اتخذ المنهج عثرة في سبيل العقائد. انظر كتاب (دائرة المعارف) لـ(البستاني) 8 / 728 .
 قال أبو عبدالرحمن: من الصعب أن ألهث وراء الفلسفة الحديثة لألتمس جذور المنهج الديكارتي؛ لأن هذا يعتمد على استقصاء فوق صبري وجلدي؛ ولكنني مهتم بجذور المنهج الديكارتي في المنهج (الطحسني)؛ لأن منهج الدكتور (طه حسين) حدث مهم في شرقنا العربي؛ فقد صدر عنه كتابه (في الشعر الجاهلي)، 1926 ميلادياً / 1347هجرياً، بعد أن ألقاه على طلبة السنة الأولى في كلية الآداب خلال العام الدراسي من عام 1926 ميلادياً، والفصل الأول منه في توضيح منهجه؛ وهو أكثر الأبواب إثارة كما قال الدكتور (محمد محمد حسين) في كتابه (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) 2 / 296. قال: ولهذا أضطر إلى إسقاطه، أو إسقاط أكثره؛ وذلك عندما أعاد طبع كتابه بعنوان (في الأدب الجاهلي).. ومن الكتب المطبوعة في الرد عليه: كتاب (تحت راية القرآن) لـ(مصطفى صادق الرافعي)، و(نقد كتاب الشعر الجاهلي) لـ(محمد فريد وجدي)، و(نقد كتاب في الشعر الجاهلي) لـ (محمد الخضر حسين)، و(النقد التحليلي لكتاب الأدب الجاهلي) لـ (محمد أحمد الغمراوي)، و(الشهاب الراصد) لـ (محمد لطفي جمعة)، و(محاضرات في بيان الأخطاء العلمية التاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي) لـ (محمد الخضري)، و(نظرية الانتحال في الشعر الجاهلي) للدكتور (عبدالحميد المسلوت). ثم أخذ الأساتذة يعقدون لنقاش هذا الرأي فصولاً في دراساتهم الأدبية التي يكتبونها مقررات لتلاميذهم.. ومن الكتب التي ألفت لتوثيق الشعر الجاهلي: كتاب (مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية) للدكتور (ناصر الدين الأسد)؛ وهو كتاب ضخم في سبعمئة صفحة، وكتيب (توثيق الشعر الجاهلي) للدكتور (أحمد الحوفي) في أربعين صفحة. وإذا أردت استعراض منهج الكتب المؤلفة في الرد على الدكتور فراجع: كتاب (الاتجاهات الوطنية) للدكتور (محمد محمد حسين) 2 /201 - 304، و(مصادر الشعر الجاهلي) للدكتور (ناصر الدين الأسد) ص 402 - 421.
 قال أبو عبدالرحمن: منهج (طه حسين) الذي اصطنع: التجرد من كل شيء: كان يعلمه من قبل؛ فيستقبل موضوع بحثه خالي الذهن؛ وعلى هذا يجب أن ننسى عواطفنا القومية والدينية وما يضادها؛ فلا نذعن إلا لمناهج البحث العلمي الصحيح.. انظر كتابه (في الأدب الجاهلي) ص 68.. وواجب على من يتابع قراءة الردود على الدكتور: أن يما يز بين أمرين: أحدهما صحة المنهج في نفسه، وثانيهما صحة تطبيقه؛ فأما صحة المنهج في نفسه فقد بحثناها، ويتضح مما بحثناه وجهة نظرنا حيال الرد على الدكتور من هذه الناحية، وأما صحة التطبيق؛ فرأينا: أن الدكتور أخطأ في التطبيق؛ لأن (ديكارت) لهث وراء مطاردة اليقين؛ فطرده من مجال الحواس لأنها تخدع، وكان يكفيه أن يقول: لا أدري أمعارف هذه الحواس حق أم باطل؟، ولكنه أسرف في مطاردة اليقين إلى أن ارتطم بيقين لم يستطع دفعه بالشك, وأما الدكتور (طه حسين) فلم يطارد اليقينيات التي تضطر عقولنا إلى التصديق بالمنقول من الشعر الجاهلي، ولم يستثر الأمور التي تسوغ شكه، ولم يثبت أنه لا سبيل إلى اليقين؛ ثم خذ أنموذجاً لذلك: افتراض الدكتور أن ما روي عن ابن عباس (رضي الله عنه) من حفظ الشعر القديم، والاستشهاد به في معرض تفسير القرآن.. (راجع كتاب (الكامل) للمبرد بشرح المرصفي 7 / 154 وما بعدها، وكتاب (الإتقان) للسيوطي 1 / 120، وما بعدها)؛ وإنما اخترع اختراعاً لإثبات أن كلمات القرآن كلها مطابقة للفصيح من لغة العرب، أو لإثبات أن ابن عباس من الحفاظ؛ ثم لا يلبث الدكتور أن يستنتج من هذا الفرض أن هذا الشعر أثبت ليخدم أهداف الشيعة السياسية؛ لأن ابن عباس (رضي الله عنه) يشهد بأن علياً أقوى منه ذاكرة. انظر كتابه: (في الأدب الجاهلي) ص 109 - 110؛ فالدكتور افترض أن قصة ابن عباس مخترعة؛ فكان عليه أن يقف عند هذا فلا يبني عليه حكماً؛ لأنه ليس عنده يقين على النفي أو الإثبات؛ ومن هذا شأنه يجب عليه أن يقف. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فـ(ديكارت) أراد التجرد من مسلماته القديمة؛ فافترض بطلانها؛ لأنها شغلت ذهنه على الرغم منه لا لقوة حجتها، وإنما لطول إلفه لها؛ فكان افتراض بطلانها مرةً في العمر مرهوناً بحفظ التوازن بين إلفه المستحكم، وجديده الغريب عليه. إلا أن الدكتور افترض صحة الفرض الجديد، ولم يفترض أن في القديم ما يهدي إلى اليقين، ثم يلهث وراء مطاردته كما لهث وراء اليقينيات الحسية إلى أن ارتطم باليقين الذي لا مفر منه. انتهى كلام (محمد الخضر حسين).
 قال أبو عبدالرحمن: قد أتفق مع الدكتور طه حسين على أن قصة ابن عباس رضي الله عنهما مخترعة، ولا ضير؛ ثم لأننا نجادل في المنهج، ولسنا نجادل في النتيجة؛ لأن الوسائل قد تتعدد وتكون النتيجة واحدة. ومن ناحية ثالثة فـ(ديكارت) لا يسترخي للشك استرخاء يخوله أن يبني عليه أحكاماً؛ ولكنه أسرف في اصطناعه ولم يستسلم له؛ وإنما فعل ذلك ثقة بيقينه؛ فكان على الدكتور أن يلهث وراء اليقينيات التي قام عليها التصديق بالمنقول كما يلهث وراء الشكوك التي تطارد هذا اليقين؛ فإذا لهث وراء هذين فعليه أن يتجرد عند الحكم من الألف القديم، والشك الجديد، ويوازن بفكره بينهما؛ فينقاد إلى ما يرغم عقله من اليقين التام، وإلا فسيكون اليقين عند شكه لا يبارحه. ومن ناحية رابعة فالدكتور لم يلتزم منهج الشك؛ لأنه بنى كثيراً من أحكامه على روايات من الأغاني وغيرها، ولم يشك فيها. وربما قيل إن كلاً من ديكارت، وطه حسين اصطنعا منهجاً صحيحاً وطبقاه تطبيقاً صحيحاً: إلا أن ديكارت وصل إلى اليقين بصحة معارفه؛ لأن ما شك فيه كان صحيحاً؛ وأما الدكتور فقد وصل إلى اليقين بالبطلان؛ لأن ما شك فيه كان باطلاً.
 قال أبو عبدالرحمن: في هذا مغالطة؛ لأن ديكارت في البداية تناول مصادر معرفته؛ فكلما وجد أدنى شك في أحدها ألقاها وراءه ظهرياً حتى وجد يقينه، ولم يفعل الدكتور هذا. وثمة أمر خامس غاب عن بال الدكتور؛ وهو أن التجرد عن كل شيء كان يعلمه من قبل، واستقبال موضوع البحث بذهن خال: لا يعني إلا التجرد من الألف والعادة لكونهما تقليداً وتلقيناً، ولكن هذا لا يعني التجرد من الحجة العقلية التي يستند إليها إلفي؛ فقصة ابن عباس رضي الله عنهما لا أفترض أنها صحيحة أو باطلة؛ وإنما أتجرد لبحثها بذهن خال؛ ومعنى ذلك: أن آخذ المستند العقلي لإثباتها، والمستند العقلي لنفيها، ثم أطارد اليقين في النفي والإثبات إلى أن أصل إلى يقين قاطع، أو ظن راجح. وثمة أمر سادس؛ وهو أن الدكتور صرح بالأخذ بمنهج ديكارت، والتجرد عن عواطفه الدينية؛ وهذا حكم بأن ديكارت أولى بالاتباع؛ فبدأ غير متجرد كما هو مقتضى المنهج؛ فكان عليه أن يصرح بأنه لا يعتمد إلا على المنهج العقلي الصحيح، ثم يعرضه ويتركه للعقول تحكم فيه. أو لم تر أن ديننا يقول: (هاتوا برهانكم) (سورة البقرة 111)؛ وإنما طلب الدكتور البرهان عند الشك، ولو تجرد من منهج (ديكارت) كما تجرد من دينه: لكان أعذر له في ميدان الاستدلال. وثمة أمر سابع؛ وهو أن ديكارت طبق منهجه على (الميتافيزيقا)؛ وهي تحصل بالذهن المجرد؛ وأما موضوع النقل التاريخي فيعتمد على مسلمات عقلية كضرورة التواتر وعصمة الإجماع؛ ومثل هذه الأمور يصعب التجرد منها وهي في قيمتها الاستدلالية في درجة الحس، ولو تمادى ديكارت في تعطيل الحس لأصبح (سوفسطائياً)؛ ولكنه كما قلت كان متنزلاً في الاستدلال؛ لأنه واثق بحجته. والبديهة: أن النقل الصحيح مقدم على الاحتمال؛ لأنه لا يخلو حق من احتمال؛ وإنما يقوى الاحتمال إذا قويت مرجحات الشك في صحة النقل؛ فكان على الدكتور أن يثير مقومات الشك في صحة النقل لقصة ابن عباس رضي الله عنهما دون أن يطلق لخياله فرض الاحتمالات التي لا يلتفت إليها العقلاء على فرض أن النقل صحيح، وإلى لقاء عاجل إن شاء الله تعالى، والله المستعان.

ذو صلة
التعليقات