مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

مظاهر الأمن اللغوي العربي المدعوم بالقرار السياسي

عندما سئل السياسي الألماني (بسمارك) عن أفظع الأحداث التي حدثت في القرن الثامن عشر أجاب: (إن الجاليات الألمانية في شمال أمريكا اتخذت اللغة الإنجليزية لغة رسمية). وهو يعني أنه كان في شمال أمريكا جاليات ألمانية كبيرة، وعند حصول هذه المستعمرات على استقلالها اتخذت اللغة الإنجليزية لغة رسمية لها، وكان يأمل أن تتخذ هذه المستعمرات عند استقلالها اللغة الألمانية بدلاً من الإنجليزية، كي يضمن ولاءها لألمانيا.
وأثبت التاريخ صدق نظرة (بسمارك) ففي الحربين العالميتين الأولى والثانية، كان ولاء الولايات المتحدة الأمريكية لإنجلترا، على الرغم من كل خلاف بين أمريكا وإنجلترا، ومن أسباب هذا الولاء، اللغة المشتركة التي تجمع بين الأمتين، إذ إن لوحدة اللغة أبلغ الأثر في تقريب الاتجاه الثقافي.
ويكشف لنا هذا أهمية اللغة القومية في حياة الشعوب، فاللغة هي إحدى مكونات الأمم، وهي الرابط الذي يربط بين أبناء الأمة. وتسعى المنصات السياسية والثقافية في العالم إلى استصلاح لغاتها. يقول كونفوشيوس، حين سئل ذات مرة عما يصنع بادئ ذي بدء إذا ما كُلف بأمر البلاد؟ فأجاب: (إصلاح اللغة بالتأكيد، ثم سئل لماذا؟ فانبرى قائلاً: إذا لم تكن اللغة سليمة فما يقال ليس هو المقصود..) وهو صادق.
 إننا وفي ظل المخاطر التي تواجه اللغة العربية نحتاج إلى دفعة قوية من أصحاب القرار السياسي لتعيد الوهج إلى وجه اللغة العربية المخطوف، وما أجمل أن يتحالف سلطان العلم وسلطان السياسة، لإعادة تلك النضارة للعربية، إنه ومع كل هذا السوس الذي نخر معمار اللغة، وحاول أن يخرج قطارها البديع عن سكته السوية إلا أن الله قيض لهذه اللغة من الحماية والعناية ما جعلها كأهلها يضعفون ولا يموتون، لأن مادة الحياة في هذه اللغة أصله ثابت وفرعه في السماء.
ومن مظاهر الأمن اللغوي العربي المدعوم بالقرار السياسي الدولي، دخول العربية إلى محافل الأمم المتحدة، حيث تُرجمت بعض الوثائق الرسمية للجمعية العامة في الأمم المتحدة إلى اللغة العربية وفقاً للمادة 59 من نظام الأمم المتحدة في 4 كانون الأول/ ديسمبر 1954، بموجب القرار 878 (د-9)، لكنها لم تكن لغة رسمية. فلم تكن تستخدم في الاجتماعات ولم يكن يترجم إليها سوى قدر محدود من الوثائق، وهذا هو الوضع الذي نجد فيه اللغة الألمانية حالياً. ثم دخلت اللغة العربية محافل الأمم المتحدة عام 1973 فأصبحت منذ ذلك الحين لغة رسمية في الجمعية العامة والهيئات الفرعية التابعة لها بالقرار 3190 (د - 28) تتحدث بها الوفود العربية وتصدر بها وثائق الأمم المتحدة.
وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3190 الذي يقر بموجبه إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة وتقرر الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر من كل سنة.
وفي 1 كانون الثاني/ يناير 1983، أصبحت اللغة العربية لغة رسمية في مجلس الأمن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وكان ذلك بالقرار 35 / 219 المؤرخ 17 كانون الأول/ ديسمبر 1980.
وقد تجلى هذا القرار في أوضح صوره مؤخراً حين ألقى سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله، كلمة المملكة العربية السعودية في أضخم تجمع اقتصادي دولي بحضور رؤساء دول مجموعة العشرين ووفودهم في قمة العشرين في مدينة أوساكا اليابانية 2019.
ومن مظاهر الأمن اللغوي المدعوم بالقرار السياسي الإقليمي:
صدور وثيقة بيروت، (قانون اللغة العربية) التي صدرت في المؤتمر الدولي السنوي الأول (العربية لغة عالمية: مسؤولية الفرد والمجتمع) والذي نظمه المجلس الدولي للغة العربية ببيروت بالتعاون مع اليونسكو في الفترة من 19- 23 مارس 2012 وعقد من أجلها المؤتمر الدولي السنوي الثاني (اللغة العربية في خطر.. الجميع شركاء في حمايتها) 7- 10 مايو 2013م - دبي.. ونظمه المجلس الدولي للغة العربية بالتعاون مع منظمة اليونسكو واتحاد الجامعات العربية ومكتب التربية العربي لدول الخليج وعدد من المنظمات والهيئات الدولية. ومن بوابه المؤتمرين السابقين أطلت العربية على منصة التكريم في المؤتمر الدولي الثالث للغة العربي (الاستثمار في اللغة العربية ومستقبلها الوطني والعربي والدولي). 7 - 10 مايو 2014- دبي.
ومن مظاهر الأمن اللغوي العربي المدعوم بالقرار السياسي المحلي: ما جاء في المادة الأولى للنظام الأساسي للحكم: المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية، ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم (ولغتها هي اللغة العربية) وعاصمتها مدينة الرياض.
ومن تلك القرارات المحلية الداعمة للغة العربية:
ما أصدره مجلس الشورى السعودي في 24/ 6/ 1346هـ (الاعتناء باللغة العربية والمحافظة على أساليبها الفصحى ومراعاة أساليبها).
و في 5/ 1/ 1350هـ صدر مرسوم ملكي رقم 32 من المادة (464) من نظام المحكمة التجارية (يوجب تحرير أوراق الجلب باللغة العربية في أثناء المحاكمة التجارية).
هذا وقد بلغ عدد القرارات الداعمة للغة العربية في مؤسسات المجتمع المدني السعودي 149 قراراً بدءاً من عام 1346هـ، حتى 1435هـ.

ذو صلة
التعليقات