مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

ما العلم الذي لا نضج ولا احترق؟

 قال عبدالله الغذامي، وهو يحاور عبد النبي اصطيف، في كتابهما (نقد ثقافي أم نقد أدبي؟) (1425هـ / 2004م) كلاماً إليك خلاصته: إن النقد الأدبي مات، وإن تحاوره ذلك بمنزلة (الإعلان) عن موته، وإن (النقد الثقافي) الذي رفع لواءه، هو البديل المنهجي لـ(الفقيد الغالي)! في كلام متشعب طويل مكانه ذلك الكتاب.
وكلام الغذامي، لو تدبرته، ذو خلابة، يخيل على القارئ حتى يظن أنه ليس بوسعه مساجلته ومحاورته. ومن تلك (الخلابة) قوله: إن العلوم يحل أحدها محل الآخر، متى جمد أو تلاشى. ويؤدي إلينا صاحب (النقد الثقافي) ما يريده بعبارة  تلامس القارئ وتملك عليه شعوره، وعنده أن العلم –أي علم– متى بلغ حد النضج التام، فإنه مهدد ببلوغ (سنه التقاعدية)، فالعلوم تتقاعد، مثلما يتقاعد البشر، مع فارق جد مهم: أنه بينما يعرف الإنسان سنه التي يتقاعد فيها، لا يدرك العلم سنه التقاعدية ولا يراها!
والحق أن كلام الغذامي ينطوي على (مقدمة منطقية) ونتيجة يخلص إليها، يشبه فيها العلم بالإنسان، في قوته ونشاطه، فإذا بلغ سناً بعينها، ولتكن الستين، فإنه يتقاعد، بقوة النظام، ويحل محله موظف آخر أوفر نشاطاً وقوةً وحياةً، وهكذا العلم، يحال إلى التقاعد، متى هرم وشاخ، وهرمه وشيخوخته هما (نضجه).
 ولا يكتفي الغذامي بـ(المقدمة المنطقية) ونتيجتها، وقبل أن ينسى القارئ (خلابة) العلم الذي يتقاعد، يقوي كلامه بكلمة أثبتها في تحاوره هذا، وألف تكرارها في مواطن أخرى، حتى غارت في عقل قارئه. يقول –وأنا أنقل كلامه بنصه-: (شاع عن الشيخ أمين الخولي قوله عن البلاغة العربية بأنها: نضجت حتى احترقت)، ويكمل فيقول: (وهذا رأي فيه صدق وبصيرة، ولكننا، مع هذا، ما زلنا ندرس طلابنا في المدارس والجامعات مادة البلاغة بعلومها الثلاثة، ولا نعي أن ما ندرسه لهم هو علم لم يعد يصلح لشيء، فلا هو أداة نقدية صالحة للتوظيف، ولا هو أساس لمعرفة ذوقية أو تبصر جمالي، وإن كانت قديماً كذلك، إلا أنها الآن لم تعد أساساً لتصور  ولا لتذوق، ومن ذا يحتاج إلى رصد الكنايات والجناسات والطباقات في أي نص، ومن ذا يحتاج إليها لتذوق أي نص أو تعرف صيغه ودلالاته)!
 ومن يقرأ هذه الفقرة الطويلة يحسب أن الغذامي أجهز على خصمه، من الجولة الأولى! حوصر (محاوره) –ومن ورائه القارئ– بـ(المقدمة المنطقية) ونتيجتها، فإذا أتمها قواها بكلمة  لشيخ  من شيوخ البلاغة في العصر الحاضر، هو أمين الخولي، ولك أن تتأمل أن صاحب (المقولة) شيخ معمم، معروف بجهاده في تجديد النحو والبلاغة والتفسير، وقبل أن يفيق القارئ من دهشه وتعجبه، يعلن الغذامي أننا لم نأخذ برأي (الشيخ)، مع ما فيه من صدق  وبصيرة . وليس لدى القارئ وقت لكي يختبر صدق ذلك القول، وهل بعد (الشيخ) سؤال؟ فإذا كان ذلك كذلك، فما أشد بؤسنا حين حملنا طلابنا في الجامعة، وفي التعليم العام، على أن يدرسوا (علماً) تقاعد منذ أمد  بعيد! بل إن كلمات الغذامي توحي بأنه مات وشبع موتاً، ومن هو العاقل الذي سمع كلمات الشيخ ثم أعرض عنها، ولم يعمل بها، واستمسك بالبلاغة، هذه التي لا تصلح لشيء، دع عنك أن يكون فيها (تبصر جمالي). فإذا نفض الغذامي يديه من تراب قبرها، فموت النقد الأدبي كائن لا محالة!
 طارت كلمة الغذامي في الخافقين، ونقلها الركبان عنه بسند  (غير مجروح)، ولذ لنفر  من أساتذة الجامعات روايتها عن عبدالله الغذامي عن الشيخ أمين الخولي، فإن لم تمت البلاغة، فحسبها أن تستريح، وتخلد إلى العافية!
 لكن مهلاً!
 فـ(خلابة) الغذامي لا تعنيني، رغم ما في عبارة (العلوم التي تتقاعد) من طرافة! إن الذي يعنيني (الحديث) الذي رفعه إلى الشيخ أمين الخولي، صحة (المتن) و(السند)، ذلك أن أستاذ (النقد والنظرية) نحل شيخ الأمناء، ما ليس له، ثم زاد فأدى (الحديث) محرفاً وعلى غير وجهه، وحين نقله عنه أساتذة في الجامعة، لم يتحقق أحد منهم صحة الرواية، وكان جديراً به وبهم أن يتبينوا صحة القول، وأن يردوه إلى مظانه، وكان يكفيهم أن يرجعوا إلى ما كتب الشيخ، وذلك أضعف الإيمان!
 وأغلب الظن أن عبدالله الغذامي لم يقرأ تلك الكلمة في كتاب  للشيخ أمين الخولي، ولا في كتاب  آخر، لأنه لو قرأها لأداها إلينا، كما هي، وأحسبه سمعها في ندوة ، أو محاضرة، أو مجلس  من المجالس، ولا أستبعد أنه سمعها بوجه ، ثم أداها بغير وجهها، وفرح بها، فأنشأ يكررها في غير ناد، وغير وسيلة، ومن بينها محاورته لعبد النبي اصطيف، فلما أظلنا زمن الوسائط الحديثة، رأيناه يبدأ بها ويعيد، في موقع التواصل الاجتماعي (تويتر)، وشاعت، بسببه، هذه الكلمة المحرفة المنحولة على أمين الخولي، حتى صدق الناس، أنها لـ(شيخ الأمناء)، وذلك افتراء على الشيخ عظيم! أما الرواية الصحيحة، فإليك بيانها:
 كان ذلك في بحث الشيخ أمين الخولي (من تاريخ البلاغة بين يدي تجديدها) (1349هـ / 1930م)، وفيه ألم بأدوار البلاغة، وأهمها عنده (طريقة المتكلمين)، وتتميز (بالتحديد اللفظي، والروح الجدلية، والعناية بالتعريف الصحيح، والحرص على القاعدة المحددة، مع الإقلال من الشواهد الأدبية، والاعتماد على المقاييس في الحكم بصحة الكلام وجودته، أو قبحه ورداءته) = و(طريقة الأدباء)، وتتميز (بالإكثار المسرف، من الشواهد الأدبية، نثراً وشعراً، مع الإقلال من التعاريف، والقواعد، والأقسام، والاعتماد في التقويم الأدبي على الذوق الفني، وحاسة الجمال، أكثر من الاعتماد على الفلسفيات المختلفة والمنطقيات). ويشير شيخ الأمناء (إلى أن سبق الاتصال الكلامي (من علم الكلام) بحياة البلاغة، ومسايرته لها، طول حياته، ثم تغلب مدرسته الفلسفية أخيراً في دراستها)، أثر في ترقي البحث البلاغي، وأدى إلى قصوره، وأعوزه (الكثير من المباحث، التي يتم بها الكيان الأدبي للبلاغة). ولما كان ذلك كذلك، صح بهذا ما قاله القدماء في حكمهم المجمل على البلاغة، بأنها لا نضجت ولا احترقت، وذلك في تقسيمهم الذي شاع على طريقة القرون الوسطى، في الترديد المنطقي، بين الصور العقلية، إذ قالوا: (إن العلوم ثلاثة: علم نضج واحترق، وهو علم الأصول والنحو، وعلم لا نضج ولا احترق، وهو علم البيان والتفسير، وعلم نضج وما احترق وهو علم الفقه والحديث)! (مناهج تجديد، ص 97)
 قال الشيخ: إن القدماء ساقوا هذا التقسيم دون تبيين الأسباب، ودون أن يستوفوا العلوم الإسلامية الأخرى، لكنه رأى في (هذا الحكم لفتاً لنا إلى وجوب متابعة العمل لإنضاج البحث البلاغي، دون إحراقه، فهو أكثر من إذن  لنا، اليوم، بمتابعة إحياء هذا البحث البلاغي وتجديده. نعم هو تكليف لنا بذلك). (ص ص97-98)
 ونقرأ تقسيم القدماء، لديه، مرةً أخرى، في موضعين من (دائرة المعارف الإسلامية)، الأول، مقتضباً، في كلمته عن (مادة البلاغة)، اعتد فيه كلام الأقدمين عن علم البلاغة الذي لا نضج ولا احترق، حثاً لنا على تجديد البلاغة، بإبطال رسومها الكلامية، وإحياء رسومها الأدبية (مناهج تجديد، ص ص 199-201) = وثاني الموضعين، كلامه في (مادة التفسير)، وعاد فأثبت كلام القدماء، بنصه. (مناهج تجديد، ص 229).
 وأول ما يستجلب النظر أن هذه الكلمة ليست للشيخ أمين الخولي، وإنما هي لـ(القدماء)، وثانيه أن (علم البلاغة)، ليس هو من (العلم الذي نضج واحترق)، كما في رواية الغذامي المحرفة المنحولة، إنما هو من (العلم الذي لا نضج ولا احترق)! ولو أن الغذامي تكلف الرجوع إلى مؤلفات الشيخ، لأدى إلينا الكلمة كما هي، ولعلم أن الشيخ أمين الخولي رأى في علمي البيان والتفسير، وهما من (العلم الذي لم ينضج ولم يحترق)، دليل حياة ، لا دليل موت ، بل إن شيخ الأمناء يزيد فيقول: (وهذا المطلب شاق غير يسير في جوانب مختلفة  من العلوم العربية، إلا أنه أقل مشقةً في البلاغة، ودرسها، لمرونة  في فطرتها، وقابلية  في منهجها الذي يعتمد على الذوق والوجدان، ويصل أبحاثها بالفن والجمال)، ولو أن الغذامي قرأ كلمة الشيخ، لاستوقفه، بعد كلمته الأولى تلك، قوله، في أثرها: (ويشاء الله أن علم البيان وعلم التفسير من أول ما أقوم على خدمته في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، فيكون قول القدماء أنفسهم بعدم نضجهما إذناً صريحاً منهم بالمحاولة المحددة في حياة هاتين المادتين، وقد تقدمت إلى هذه المحاولة، تحت الشعار الذي اتخذته لنفسي وهو: أول التجديد قتل القديم فهماً، وأراد الله أن يكون في دائرة المعارف الإسلامية أول تسجيل لإجمال هذه المحاولة المحددة في مادة البلاغة، وها هي ذي أول من يسجل أصول هذه المحاولة في مادة التفسير). (مناهج تجديد، ص 229).
 وما كان الشيخ أمين الخولي ممن يأخذ القول بالسماع، دون أن يرفعه إلى قائله، ويتحرى فيه صحة النقل والاقتباس، فكلام الأقدمين، سند الشيخ فيه كتاب (الأشباه والنظائر) –في النحو– للسيوطي (849-911هـ)، فإذا استأنسنا بهذا الكتاب، وصنوه الآخر (شرح عقود الجمان في علمي المعاني والبيان) –وهما مشهوران مطبوعان– رأينا السيوطي، في خطبتيهما، يرفع القول إلى بدر الدين الزركشي (745-794هـ): (وقال الزركشي في أول قواعده، كان بعض المشايخ يقول: العلوم ثلاثة... إلخ)، ولا بأس في أن نرتقي درجة، فنقرأ الكلمة نفسها عند الزركشي في أول قواعده (المنثور من القواعد)!
 وأنا لا يعنيني حجة هذه الكلمة المنسوبة إلى (بعض المشايخ) –و(بعض)، في كلام الزركشي، تدل على المفرد– وأزيد فأقول: (مفرد مجهول) = إنما الذي يعنيني أن الغذامي بنى كلامه كله على وهم ، منشأه قول خطفه خطفاً، دون أن يتثبت في نقله، وما استأنى، وما تريث، ثم بنى على (الوهم) صرحاً من خيال !
 ليت الغذامي استأنى ولم تعجله (الخلابة)، فرجع إلى كتب الشيخ أمين الخولي، وإنه لو استأنس بها، لأدى إلينا القول صحيحاً، وربما خفف علينا تلك (الخلابة)، لكنه خطف الكلمة، وطار بها، وقول الشيخ ما لم يقله وما لم يقصده، ثم إن هذا القول –الذي نسب إلى بعض المشايخ– ليس من العلم المضنون به على غير أهله، إنما هو قول شائع عند أهل العلم، قديماً، وأقام عليه الشيخ عبدالله العلايلي، في عصرنا الحاضر، مذهبه في تجديد البلاغة، في كتابه (مقدمة لدراسة لغة العرب)، واختصه الشيخ صبحي الصالح بكلام  مطول ، يحسن الوقوف عليه في كتابه (علوم الحديث ومصطلحه).
 ومجمل ما يقال: إن كلمة الغذامي لا أصل لها، لأنها (محرفة منحولة)، وإن ما بناه عليها غير صحيح، وإن أمات علوماً وأحيا أخرى، وأحدث (عمًى ثقافياً) –وهذا مصطلحه- وهي، في (منهج العلم)، غير (معتبرة)، لقاعدة  فقهية  مشهورة، أسوقها نقلاً من مظانها، ولا أكتفي بالسماع، وهي (ما بني على باطل  فهو باطل)!

ذو صلة
التعليقات