مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

الافتتاحية

ما تزال الجهوية تحتل مكاناً بارزاً في سياق إنتاج المعرفة وتوجيهها وبحث مرجعياتها وبالتالي غايتها ودوافعها، وليس أدل على هذا من مبحث الاستشراق والاستغراب الذي هو مدار استفهام مجلتكم (المجلة العربية) في هذا العدد.
فكرة الاستغراب تنبع في المقام الأول من محاولة إحداث الند أو المقابل للسياق الاستشراقي، الذي عني على مدى عقود من الزمن والأحداث والدول بتتبع الشرق وقراءة حيثياته وخلفياته ورسم التصورات حياله وبناء الخطط والإستراتيجيات بشأنه على مختلف المستويات والصعد. المفارقة تتمثل في بعد القوة التي تحدد مدى نجاعة من يقرأ، وما الذي يمكن أن يشكل فائدة ذات قيمة مما يقرؤه. ومع هذا تبرز الأصوات المطالبة بتشكيل علم الاستغراب الذي يعد منطلق الغايات التي يرومها العقل المشرقي حيال الآخر الغربي.
الجديد في مبحث الاستغراب، الذي بدأ منذ سنوات عبر أطروحات نخبة من المثقفين العرب؛ يتمثل -في تقديري- في الحالة الاتصالية التي تحياها البشرية في هذه المرحلة من تاريخها الحضاري، ملغية حدود الجغرافيا، وعوائق التزامن، وشح الوسائط التوثيقية، التي تنتشر اليوم عبر مقاطع الفيديو السريعة والمطولة، وأرتال من الصور الفوتوغرافية تسندها أكوام من البيانات والمعلومات الموثقة في مختلف مستويات شبكة الإنترنت السطحي والعميق والمظلم، ليبقى السؤال الأهم لدى كلا الطرفين المستشرقين والمستغربين قائماً حيال من يملك القدرة على تحليل هذه البيانات الملقاة على قارعة الفضاء الرقمي المتاح للجميع؟
اليوم لم تعد البيانات من أي نوع كانت، هي الهدف، فهي متاحة للجميع؛ الهدف اليوم يتمثل في القدرة على التحليل والمقارنة والاستنتاج، وبالتالي تكوين الرؤية والتصور حيال القضايا والاتجاهات وتحديد سياقاتها واستثمارها.
أهلاً بكم إلى مبحث الاستغراب، راجياً أن يقود إلى أعمال علمية مؤسسية تستحضر معطيات التقنية والاتصال الرقمي التي اختصرت خطوة، وحتَّمت علينا الإلمام بمهارات خطوة أخرى.

ذو صلة
التعليقات