مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

صورة طه حسين

لابد أنه كان يسمعني جيداً.. يشعر بصوت الباب حين أعود آخر الليل..
يسمع كل شيء بدءاً من صوت الملعقة تدور في فنجان الشاي حتى صوت الضمير البعيد..
لا بد أنه انتبه بأنَّي لم أكن أفهمه أحياناً.. وابتسم لي وأنا أضع طيّة من ورقة التقويم عند السطر الذي وصلت إليه ثم قررت النوم في تلك الليلة الباردة.. وحتماً سئم من الانتظار حتى أنه لم يكن يظهر في الطبعات الحديثة في رف مكتبة البلد التي لم يكن ينتبه لها الرقيب.. حيث كانت -ويا للهول- تبيع دواوين قصيدة النثر علناً.. وكتاباً مترجماً عن علم النفس الجديد مع تمزيق بعض صفحاته..
سئم تماماً من بحثي الطويل عن الجزء الثاني..
سئم من وجوده وحيداً في بلاد الغربة..
بين مجلدات الأغاني والكامل في التاريخ..
أحياناً كان يضع نظارته جانباً.. يمسح عنها غبار النظر الطويل إلى أيامي!
وكلما نظرت إليه بعد كل فصل أقرؤه..
يصرخ: اغرب عن وجهي!
يبدو أنه كان يخشى عليَّ دائماً أن أفهم النص كما لا ينبغي.. كل مرة يدعوني لأن أقرأه لاحقاً.. وفي المرات التي كنت أكتفي بتأمل ملامحه على غلاف الكتاب، بينما أقرأ (الأيام الصعبة) و(مزرعة الحيوان)؛ أسمع.. ضحكته الساخرة بوضوح..
لم يكن يراني طبعاً.. لكن كان يشعر بي!
بعد عشرة أعوام حين التقيته حين أصبحت هناك معارض للكتاب
لم يرد التحية.. كانت صورته الجديدة غامضة، وبدا غاضباً بعض الشيء.. وهو يقول بنبرة من ضاق ذرعاً: ماذا تريد؟
لكنه مع كل هذا كان متسامحاً..
لم يمانع أبداً أن يتمدد على رف كامل.. يراني جيداً ويفكر معي..
أحياناً كان يزيح كتباً قديمة من الرف المجاور..
يزيلها تماماً نحو صندوق مغلق..
لا يزال مغلقاً حتى اليوم..
الصورة على غلاف الجزء الأول من كتاب الأيام.
صورة كل يوم..
عن الذين التقطتهم الكاميرا..
‏وهم يمسحون الخسارات من أعينهم، ليكونوا لائقين على صدر الصحف الفخمة!
يبتسمون لوهلة..
ثم يعودون لأحزانهم..
قصة مصوّرة
لم أكن الذئب
ولا القطيع..
ولا الرجل الذي يدعي وجود ذئبٍ
ولا السواعد المغفلة التي هبت لنجدته..
خرجتُ من الحكاية مبكراً..

ذو صلة
التعليقات