مجلة شهرية - العدد (507)  | ربيع الثاني 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

الترتيب الهرمي لاحتياجات الذكاء الاصطناعي

لقد أصاب الذكاء الاصطناعي، كما هو حال التقنيات المتطورة تطوراً سريعاً، الناس بالخوف من فوات تلك التقنية, وأثار قدراً كبيراً من الخوف والشكوك والريبة وخلق الكثير من العداءات، بعضها عن استحقاق والبعض الآخر ليس كذلك. لكن صناعة الذكاء الاصطناعي تلتفت إلى تلك الظواهر. بدايةً من شركات العتاد الناشئة المُستترة عن الأعين ومروراً بعمالقة التقنيات المالية ووصولاً إلى المؤسسات العامة، تعمل فرق العمل بحماس وبلا توقف على صياغة إستراتيجية الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. والأمر كله يتلخص في سؤال وحيد محوري تنبني عليه أمور كثيرة: (كيف نُسَخِّر الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق للتطور فيما نقوم به من عمل؟)
إن الشركات أغلب الظن ليست على استعداد للتعاطي مع الذكاء الاصطناعي. فلعلها عينت أول خبير بالبيانات الذي لم يحقق لها نتائج مبهرة، أو لعل الإلمام بالبيانات ليس ركيزة محورية في ثقافتها. لكن السيناريو الأكثر شيوعاً على الإطلاق هو أن أغلب الشركات لم تَبنِ بعد البنية التحتية اللازمة لتنفيذ (وحصد ثمار) خوارزميات وعمليات علم البيانات الأكثر بدائية، ناهيك عن التعلم الآلي.
تقول مونيكا روجاتي، نائبة رئيس قسم البيانات في شركة @Jawbone، بصفتي مستشارة لعلم البيانات/الذكاء الاصطناعي، أُنيط بي توصيل هذه الرسالة مرات لا حصر لها، وخاصة على مدار العامَيْن الماضيَيْن. يتفق معي آخرون على أنه من الصعب أن يكون المرء مفسداً للمرح في خضم كل هذه الإثارة في مجال عملك، ولاسيما إذا كنت تشارك الناس تلك الإثارة. وكيف لك أن تُطْلِع الشركات على أنها ليست متأهبة للذكاء الاصطناعي دون أن تبدو متعالياً وحارساً على بوابة لم يُعينه أحد عليها؟

إليكم التفسير الذي تردد صداه أكثر من غيره
اعتبروا الذكاء الاصطناعي قمة هرم الاحتياجات. أجل، تحقيق الذات (الذكاء الاصطناعي) أمر عظيم، ولكنكم بحاجة أولاً إلى الطعام والماء والمأوى (الإلمام بالبيانات وجمعها والبنية التحتية).
إنك بحاجة إلى أساس متين لبياناتك قبل أن تتحقق لك الفعالية في استخدام الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي.
الاحتياجات الأساسية: أيمكنك العَدْ؟
في قاع الهرم، لدينا جَمْع البيانات. ما البيانات التي تحتاج إليها؟ وما المُتاح لديك؟ إذا كان المنتج متاحاً للتعامل المباشر مع المستخدم، فهل تحرص على تسجيل جميع التفاعلات المُتعلقة بالمُستخدم؟ إذا كان المُنتج جهاز استشعار، فما البيانات الواردة منه؟ وكيف ترد تلك البيانات منه؟ وما مدى سهولة تسجيل تفاعل ما غير مُقاس بعد؟ على أي حال، فمجموعة البيانات السليمة هي التي جعلت الطفرات الأخيرة في التعلم الآلي ممكنة.
وبعد ذلك، كيف تتدفق البيانات عبر النظام؟ ألديك تدفقات موثوقة/استخلاص وتحويل وتحميل موثوق؟ أين تُخزن تلك البيانات؟ وما مدى سهولة الولوج إليها وتحليلها؟ ظل جاي كريبس Jay Kreps يقول (لما يقرب من عقد كامل) إن التدفق الموثوق للبيانات أساسي لإنجاز أي شيء بواسطتها. (استدراك: كنت أبحث عن الاقتباس المحدد وعثرت عليه في رائعته (أعشق السجلات). وبعدها لاحظت بعد الانتهاء من فقرة واحدة أنه يقدم لنا هرم ماسلو تحديداً للمقارنة بين الاحتياجات، مدرجاً بين الحين والآخر عبارة (جدير بنا ملاحظة ما هو واضح للعيان بالفعل) كإضافة في محلها (شكراً جاي!)). وبالحديث عن الأبحاث ذات الصلة، فقد صادفت أيضاً لاحقاً (نرفع القبعة لدانيال تاكيلانج في هذا السياق) تدوينة هيلاري ميسون Hilary Mason وكريس ويغينز Chris Wiggins عما يفعله عالِم البيانات. ومؤخراً، كشف شون تايلور الستار عن هرم احتياجات علم البيانات الخاص به (ومن المفارقة أنه أطلق عليه اسم (المثلث المُفَكَّك لعلم البيانات) Unconjoined Triangle of Data Science، وهو مختلف كل الاختلاف بالطبع. ربما كان حرياً بنا البدء في إنشاء حساب على موقع tumblr.
عندما تكون البيانات مُتاحة، يمكنك استكشافها وتعديلها. ويضم ذلك عملية (تنقية البيانات) سيئة السمعة، وهي جانب من علم البيانات لم يأخذ حقه سيكون موضوعاً لتدوينة أخرى. وفي تلك المرحلة، تكتشف أنه تنقصك مجموعة من البيانات، وأن أجهزة استشعارك ليست موثوقة، وأن أي تغيير في النسخة التي بحوزتك يعني أن أحداثك ستُهدر وأنك تسيء تفسير علامة ما، فترجع كي تتأكد من أن أساس هرمك متين وقوي.
وعندما تكون قادراً على استكشاف البيانات وتنقيتها بشكل يُعول عليه، يمكنك البدء في بناء ما يُعتبر تاريخياً (معلومات الأعمال) أو (التحليلات): والمقصود بها تحديد القياسات المزمع رصدها، وتغيرها الموسمي وحساسيتها للعديد من العوامل. وربما تطلب الأمر تقسيم المستخدمين إلى فئات تقريبية لنرى ما إذا كان أي شيء سيتجلى لنا. ولكن، طالما أن هدفك هو الذكاء الاصطناعي، فأنت تبني الآن ما ستعده لاحقاً الخصائص المزمع دمجها في نموذج التعلم الآلي الخاص بك. في هذه المرحلة، ستعرف أيضاً ما سيروق لك التنبؤ به أو تعلمه، وسيكون بوسعك الشروع في تجهيز بيانات التدريب الخاصة بك بواسطة توليد وسوم، إما تلقائياً أو بمساعدة البشر.
وفي هذه المرحلة أيضاً ستعثر على بياناتك الأكثر إثارةً وقوة، لكن هذا أيضاً موضوع تدوينة أخرى من تدوينات موقع Medium.
أجل، بوسعي أن أعد. ما الخطوة التالية؟
لدينا الآن بيانات تدريبية. هل من المؤكد الآن أن بوسعنا إنجاز التعلم الآلي؟ ربما، إذا كنت تحاول أن تتنبأ داخلياً بالخسائر. ولكن، لا إذا كان الناتج منطوياً على تفاعل مباشر مع العميل. إننا بحاجة إلى إجراء اختبار A/B (مهما كان بدائياً) أو إطار عمل للتجريب قائم، بحيث نستطيع التعميم بشكل مطرد لتفادي الكوارث والحصول على تقييم تقريبي لآثار التغيرات قبل أن تؤثر على أي أحد. وهذا هو أيضاً الوقت المناسب لتحديد أساس قاعدي بسيط (بالنسبة للنُظُم الموصى بها، يكون هذا الأساس مثلاً هو (الأشهر)، ثم (الأشهر لفئة مستخدميك)، و(النمط قبل التشخيص) المزعج جداً لكن الفعال جداً أيضاً).
من الصعب أن يتفوق شيء على الاستدلالات الكشفية البسيطة، وستسمح لك بإصلاح النظام على نحو شامل دون الصناديق السوداء للتعلم الآلي التي تشتمل على معاملات فائقة معدلة تعديلاً فائقاً. ولذلك أيضاً، فإن خوارزميتي المفضلة في علم البيانات هي التقسيم.
في هذه المرحلة، يمكنك تعميم خوارزمية تعلم آلي بسيطة جداً (مثل التحوّ/الارتداد اللوجستي (logistic regression) أو التقسيم division، ثم عليك التفكير في مؤشرات وخصائص جديدة ربما تؤثر على نتائجك. بيانات الأرصاد الجوية والإحصاء السكاني هي ملجأي المفضل. إن التعلم الآلي -رغم قوته- لا ينجز ذلك لك تلقائياً. والإتيان بمؤشرات جديدة (وأعني إنشاء لا هندسة خصائص جديدة) هو ما يمكن أن يُحسِّن أداءك بمراحل. وجدير بنا إنفاق بعض الوقت على هذه المرحلة، حتى لو كُنا، باعتبارنا علماء بيانات، متحمسين حيال الانتقال إلى المستوى التالي في الهرم.

إليَّ بالذكاء الاصطناعي!
لقد كُللت جهودك بالنجاح، وأصبحت جاهزاً، واستخراج بياناتك وتحويلها وتحميلها لا يكف عن العمل. وبياناتك مُنظمة ولا تشوبها شائبة. ولديك لوحات معلومات ووسوم وخصائص جيدة. وأمسيت تقيس الأشياء المناسبة. وبوسعك التجربة كل يوم. ولديك خوارزمية أساسية مُنقحة بالكامل وتعمل في مرحلة الإنتاج، وقمت بتغييرها عشرات المرات. أنت الآن جاهز. ابدأ وجرب أحدث وأفضل ما هو مُتاح في هذا العالم، بداية من العمل وحدك وحتى الاستعانة بشركات متخصصة في التعلم الآلي. وربما تُحقق تحسينات كبيرة في الإنتاج، وربما لا. أسوأ السيناريوهات أنك ستتعلم طرائق جديدة، وتبني آراءً جديدة وتكتسب تجربة عملية، وتُطلع مستثمريك وعملاءك على جهودك في ميدان الذكاء الاصطناعي دون أن يخالجك شعور بأنك دجال ومحتال. وأفضل السيناريوهات أن تُحدث فارقاً كبيراً لمستخدميك وعملائك وشركتك، وتمسي قصة نجاح رائعة في مضمار التعلم الآلي الحقيقي.
مهلاً! ماذا عن المنتجات العملية بالحد الأدنى؟ والمنتجات المرنة وما شابه ذلك كله؟
إن هرم احتياجات علم البيانات ليس عذراً لتأسيس بنية تحتية مفككة ومفرطة في بنيتها الهندسية لعام كامل. فكما في حالة بناء منتج عملي بالحد الأدنى، عليك البدء بقطاع صغير رأسي من منتجك، على أن تجعله يعمل بسلاسة بشكل شامل. بوسعك بناء هرمه، ومن ثم تنميته أفقياً. على سبيل المثال، بدأت شركة جوبون ببيانات عن النوم وبنت هرمها: أدوات القياس واستخراج البيانات وتحويلها وتحميلها، وتنقية البيانات وتنظيمها، ورصد الوسوم والتعريفات والقياسات (ما متوسط ساعات نوم البشر كل ليلة؟ وماذا عن القيلولة؟ وما هي القيلولة؟)، وتحليلات بين القطاعات وصولاً إلى القصص المستندة إلى البيانات ومنتجات البيانات المدفوعة بالتعلم الآلي (الرصد التلقائي للنوم). ولاحقاً، توسعنا في تجربتنا هذه بحيث اشتملت على الخطوات التي يخطوها الناس ثم الطعام الذي يتناولونه والأحوال الجوية والتمارين الرياضية والشبكات الاجتماعية والتواصل، كلٍ على حدة. ولم نبنِ بنية تحتية شاملة دون أن نبادر بتشغيلها بالكامل.

طرح الأسئلة المناسبة وبناء المنتجات الصحيحة
المسألة تتعلق فقط بالسؤال (كيف يمكنك) لا (ما إذا كان ينبغي عليك) (لأسباب عملية أو أخلاقية).
ما تَعِدُ به أدوات التعلم الآلي
مهلاً! ماذا عن واجهة برمجة التطبيقات الخاصة بأمازون أو برنامج TensorFlow أو مكتب المصدر المفتوح الأخرى تلك؟ وماذا عن الشركات التي تبيع أدوات التعلم الآلي؟ أو تلك التي تستخلص الأفكار المُتعمقة والخصائص أوتوماتيكياً؟
كل ما سبق رائع ومفيد جداً. (بعض الشركات يؤول بها المآل إلى بناء هرمك بالكامل بشكل مُخصص بعناية شديدة بحيث يتسنى لهم استعراض جهودهم. وهؤلاء أبطال بحق). ولكن، تحت أثر صرعة الذكاء الاصطناعي الحالية القوي، يحاول الناس إدخال بيانات مشوهة وحافلة بالفجوات وتمتد لسنوات، مع تغيير شكلها ومعناها، وعصية على الفهم ومُنظمة بطرائق لا معنى لها، ويتوقعون بعد ذلك أن تتعامل معها الأدوات بطريقة سحرية. وربما في يوم من الأيام قريباً سيكون هذا هو الحال. وإنني لأرى جهوداً في هذا الاتجاه وأثني عليها. وإلى أن يحدث ذلك، حري بك بناء أساس متين لاحتياجات هرم الذكاء الاصطناعي الخاص بك.

ذو صلة
التعليقات