مجلة شهرية - العدد (507)  | ربيع الثاني 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

بدايات المسرح في الجوف

الحديث عن المسرح حديث ذو شجون كيف لا والحديث عن المسرح الجوفي فإننا نتحدث عن نشاط بدأ بالثمانينات تقريباً بداية خجولة كانت من خلال المسرح المدرسي البسيط بمراحله المتاحة آنذاك ثم عروض فردية اجتهادية داخل صالات الأندية الرياضية غير المجهزة وبإمكانيات متواضعة تفتقر لأبسط مقومات العرض المسرحي وبدون توجيهات صحيحة أو جهة أو أشخاص يشرفون على المسرح بطريقة علمية مدروسة بل كانت عبارة عن اجتهادات شخصية من بعض المدرسين والعاشقين للمسرح غير المتخصصين أو غير الملمين بأساسيات هذا الجانب ولم يكن هناك بالمنطقة أكاديميون لتدريب أو تأهيل أو إعداد الممثل أو المخرج وتعليمه أبجديات المسرح بالشكل المتعارف عليه الآن وإنما كما ذكرت آنفاً هي مجرد محاولات عبثية من خلال عاشقين دفعهم حب المسرح لإقامة عروض مسرحية حتى ولو لم ترق لمستوى المسرح الجماهيري أو المسرح التجاري ثم تطورت العروض بعد ظهور التلفزيون حيث بدأ المهتمون بالمسرح أو بالأصح العاشقون للمسرح الجوفي بالاستفادة من العروض المسرحية التي تبث عبر التلفاز وهي عروض مصرية وكويتية فهم رواد المسرح العربي فبدأت العروض عندنا تتحسن ولو لم ترق لمستوى ما يسمى بالعرض المسرحي بشكله الصحيح بل هي عبارة عن محاولات ممسرحة وفي عام 1400 تقريباً بدأت عروض مسرحية جماهيرية تعالج قضايا اجتماعية تلامس هموم الناس على بساطتها وقد قمت في ذلك الوقت بعرض مسرحية (الفراش منفاش) على مسرح نادي طبرجل الرياضي وعلى فكرة خشبة المسرح كنت قد بنيتها على حسابي الخاص وهي عبارة عن تبة أسمنتية ترتفع عن سطح الأرض قرابة النصف متر وكنت حينها بالمرحلة المتوسطة وكانت المسرحية من تأليفي وإخراجي وبطولتي وكل شيء وقد حضرها ما يسمى آنذاك بأمير طبرجل ومديرو الإدارات الحكومية وجمع غفير من المواطنين والمقيمين وكان العرض بمثابة نقلة نوعية على المستوى الشخصي فنجاح ذلك العرض وتفاعل الحضور أعطاني دافعاً قوياً للتأليف والإخراج لأعمال أخرى وكانت المسرحيات في ذلك الوقت تتحدث بلغة مباشرة وبلهجة محلية محببة للجمهور وكان فيها شيء من التقليد لما شاهدناه من عروض تلفزيونية وربما وصل الأمر لدرجة الاقتباس الصريح لبعض الأفيهات والحركات من مسرحيات ونجوم مشهورين.
وكنت واحداً من هؤلاء الذين ملأ قلوبهم شغف وحب المسرح والتمثيل المسرحي ففي عام 1402 سافرت من الجوف للرياض على نفقتي الخاصة للانتساب لعضوية جمعية الثقافة والفنون في مركزها الرئيسي بالرياض والالتحاق بدورات كانت تقيمها الجمعية في مجال إعداد الممثل وكذلك فن الإخراج المسرحي والتي يشرف على إقامتها أكاديميون متخصصون في فنون المسرح، وقد نقلت ما تعلمته من أساتذة المسرح للشباب الجوفي الولوعين بالمسرح.
أما البداية الفعلية للمسرح الجوفي فكانت في عام 1422 تقريباً حيث بدأت منطقة الجوف بالمشاركة بمسرح الجنادرية وبرعاية كريمة من إمارة المنطقة.. حيث تم تكليفي من قبل سمو أمير المنطقة حفظه الله بتأليف نص مسرحي وبتكوين فرقة مسرحية من شباب المنطقة تحت اسم (فرقة الجوف للفنون المسرحية) يمثلون منطقة الجوف بالجنادرية بحيث تنافس الفرقة مع بقية الفرق المشاركة بمسرح الجنادرية على مستوى المملكة.. وقد تحقق ذلك وحققنا من أول مشاركة مركزاً متقدماً وقد حضر عرضنا الأول نجوم التلفزيون ومنهم الفنان الدكتور بكر الشدي رحمه الله والفنان الكبير عبدالرحمن الخريجي رحمه الله والذي كان مشاركاً بالمسرحية والفنان القدير علي المدفع والفنان سعد الصالح وهم أيضاً مشاركون بالعرض كما حضرها النجم فايز المالكي والفنان علي إبراهيم ورئيس قسم الفنون المسرحية بجمعية الثقافة والفنون بالرياض الأستاذ إبراهيم الحمدان والمخرج العراقي (سمعان العاني) وكذلك المشرف على مسرح الجنادرية الفنان محمد المنصور وقد نجح العرض نجاحاً باهراً وكان حديث الصحف الرسمية بالمملكة ولله الحمد وكان العرض بعنوان (إنتاج محلي) وهي من تأليفي ومن إخراج الزميل المبدع الأستاذ جميل فرحان وبطولة كل من:
 زياد الروضان وحامد الغالي وحمد المانع ومحمد الصالح ومشعل جزاع ومبارك الخصي. كما شارك بالمسرحية كضيوف شرف كل من:
الفنان القدير عبدالرحمن الخريجي رحمه الله والفنان القدير علي المدفع والفنان الكوميدي سعد الصالح والفنانة أغادير السعيد (كصوت تسجيلي) وكان يرأس الفرقة الدكتور نواف ذويبان الراشد.
ثم توالت المشاركات الرسمية للفرقة من خلال مهرجان الجنادرية في مسرحيات:
خيوط العنكبوت وجرب تفوز والجنازة.
وجميعها من تأليفي وإخراج الزميل جميل فرحان كما شاركت في بطولتها جميعاً.. وفي مسرحية الجنازة شاركتنا البطولة الفنانة والإعلامية المعروفة مريم الغامدي (كصوت) وكضيفة شرف وحصلت على جائزة أفضل ممثل في المهرجان في تلك السنة عن دورها بتلك المسرحية.
كما قامت الفرقة بتقديم عروض في بعض محافظات ومراكز المنطقة للجمهور الجوفي وزواره.
وفي سنة (1430) تم افتتاح فرع لجمعية الثقافة والفنون بمنطقة الجوف وتحديداً بمحافظة سكاكا وكان لي الشرف أن أكون أحد مؤسسي هذا الفرع وأول رئيس لقسم الفنون المسرحية بالجمعية وقد أقمنا العديد من الدورات التدريبية في مجال التمثيل والإخراج واستقطبت الجمعية عشرات الشباب الهاوين للمسرح والمبدعين وكونا أكثر من فرقة مسرحية بقصد التنافس الشريف وإظهار المواهب المدفونة لدى الشباب الجوفي وقد تحقق الكثير مما نصبو إليه.
ولكن الحركة المسرحية بصفة عامة وعلى مستوى المملكة وليس منطقة الجوف فحسب مازالت تحبو وتراوح مكانها لعدة أسباب ليس لقلة المبدعين في مجال التأليف والتمثيل والإخراج بل لقلة الدعم والاهتمام ممن بأيديهم إعادة السمعة والهيبة للمسرح السعودي.
والمسرح الجوفي يعاني كما يعاني المسرح السعودي بصفة عامة.
وأقول كما قال أحد النقاد السعوديين عن المسرح إن (مسرحنا المحلي أو الوطني سيظل يعاني هامشيته وغربته وغيابه ما لم تطرح وتناقش وتحل قضاياه ومشاكله من وجهة نظر الكاتب المسرحي والممثل المسرحي والمخرج المسرحي والتقني المسرحي والمحب للعرض المسرحي من المثقفين والناس العاديين، أما إن غابت عنا هذه الحقيقة البسيطة، او استسلمنا أكثر فأكثر لوجهات نظر من لا يفقه شيئاً في المسرح ومن لا يحبه، أو من يعاديه، فالأمور ستستمر كما هي عليه الآن، أي ستظل الإشكالية قائمة تعطل كل جهد وتبدد كل طاقة، وتدفع بالكثيرين إلى نسيان حكاية المسرح أو اللامبالاة تجاهها).
ويتحدث المسرحيون السعوديون عن (غياب) المسرح عن وسائل وأدوات التعبير الفني، ضاربين المثل بالهامشية التي ترزح تحتها الحركة المسرحية بالمقارنة مع الرياضة مثلاً، ويتحدثون عن غياب أبسط مقومات العمل المسرحي كالمسرح ذاته، ووجود هذا الفن كواحد من أشكال التصنيف الفني التي تحظى بالرعاية، بدل أن يبقى الفن المسرحي حكراً على الفرق غير المحترفة، أو ملحقاً بالأنشطة الطلابية، في المدارس والجامعات، بيد أن أهم المعضلات التي يواجهها المسرحيون هي (غربتهم) داخل المحيط الاجتماعي الذي يسعون لإمتاعه بالفن المسرحي.
فبالرغم من مسيرتي المسرحية والفنية والتي تمتد لأكثر من تسعة وثلاثين عاماً من التأليف والتمثيل والإخراج الإ أنني لم أكرم من منطقتي منطقة الجوف بل جاء تكريمي كأحد رواد المسرح من منطقة تبوك ضمن تكريم كوكبة من النجوم السعوديين الذين خدموا الحركة المسرحية ثم تلاها تكريمي من منطقة حائل للغرض نفسه وتحت رعاية وكيل وزارة الإعلام وبرعاية من جمعية الثقافة والفنون في كل من الرياض وتبوك وحائل.

ذو صلة
التعليقات