مجلة شهرية - العدد (503)  | ذو القعدة 1439 هـ- سبتمبر 2018 م

أسطورة أثينا إبادية

تخيلوا النزاع الإنساني كيف يبدأ.. ومن وراءه في الأساطير اليونانية؟ جوانب مضيئة تسطع في حركة الكون عبر الأساطير، وجوانب مظلمة تتطرق إليها هذه الأساطير، إلا أن أهمها هو ما يتعلق بحياة البشر، وكيف تعمل الآلهة من أجل السيطرة عليهم، في قصة طروادة ألف حكاية وحكاية، كل حكاية تأتي بطريقة مختلفة، وكل حكاية تأخذ جانباً، وكل حكاية فيها عبرة، وفيها إيحاء لما يسير عليه البشر إلى اليوم.
في إحدى الحكايات الطروادية يأتي السبب الرئيس لقيام هذه الحرب؛ إذ إنه (ذات يوم دعيت هيرا وأثينا وأفروديت إلى عرس ثيتيس على بيليوس، ولم تكن إيريس آلهة النزاع قد دعيت إلى هذا العرس، فحنقت وألقت بين المدعوين -لتثير بينهم النزاع- تفاحة ذهبية مكتوب عليها (للأجمل) وفي الحال قام نزاع بين الآلهات الثلاث: أيُهن أحق بهذه التفاحة؟)
هذه النزغة الشيطانية من (إيريس)، القائمة على الغيرة، تكشف الخيال المبني على السرد، وتحريك المشاعر وتضع المرارة في الأشياء من أجل الشعور بالحلاوة في حياتنا التي نعيشها.
العجيب في الحكاية أن زعيم الآلهة اختار أجمل البشر ليمنح التفاحة لمن تستحقها، أي الأجمل، ولم يبن حكمه عقلياً بقدر ما بناه على العاطفة حين اختار أفروديت آلهة الحب، لأنها وعدته بأن تزوجه أجمل النساء على الأرض. والمفارقة أن هذه الجميلة تعده بأجمل، أي أن أفروديت لم تكن الأجمل، ولكن الغيرة كانت مشتعلة بين الآلهة ولم تكن بين البشر ما حدا بالراوي أن يرسم لنا الحكاية على قدر خيالنا، وجعلها مأسورة في حدود بني البشر، فالتفاحة هنا لا تتعلق بالبشر بل تتعلق بالآلهة، وفيها خصام عنيد لا يقف على أهل الأرض بل يجب أن تعلو وأن تقف عند الحدود السماوية، مستخدمة البشر كذريعة. وفي نفس الوقت وضع لنا الحب في مقدمة الأشياء ولم يستطع هذا البشري الفكاك من العاطفة، ولم يترك مشاعره جانباً، ما يوحي بأن الآلهة عقلانية بينما من يسكن الأرض عاطفيون ولا شأن لهم في تحقيق مسألة العقل، وربما لو أن العقل كان يعمل لدى باريس لاختار الملك (هيرا) أو الحرب (أثينا) على الجمال، ولكنه آثر الجمال على غيره.. والإنسان دوماً يحب الجمال.
وبحضور الآلهات الثلاث والإغراءات التي قدمنها له توجه نحو آلهة الحب كي يكون الجمال هو المسير له في بقية حياته.
لا شك أن هذه الحبكة القائمة على الغيرة ستحرك مشاعر أثينا وهيرا ضده، فاتحدتا ضد أفروديت وضد باريس بعد خطف هيلين أجمل نساء الأرض من زوجها مينيلاوس. وقامت بعدها الحرب.
الحنكة والحبكة في الحكاية قامتا على هدف لم يكن يخطر على قلب البشر كما تأتي الإيحاءات، وهذه الخطوة التي اُتخذت نحو هيرا وهي زوجة زيوس كبير الآلهة ونحو أثينا وأفروديت، كانت مدبرة ما بين إيريس وزيوس، ولم تكن تسعى وراء أهل السماء، بل كانت تسعى وراء أهل الأرض، وتقدم تصوراً فظيعاً عنهم حيث إن كبير الآلهة رأى أن (الجنس البشري يتزايد بصورة مذهلة، حتى أثقلوا الأرض بحملهم. فكان قرار الحرب الذي سينقص عددهم كي لا يعيثوا في الأرض فساداً).
لمحة الحكاية هنا في ومضة الغرب عندما يقرر أن الأرض ارتفع عدد سكانها ويجب إنقاصهم.. ربما هذه هي كل الحكاية، وليس هناك تفاحة ولا حب ولا جمال بل هناك أثينا منذ القدم!!
وأثينا في هذه الأيام تعبث بالعالم، وتسعى فعلاً إلى إثارة الفتن من أجل الدخول في حروب إبادة للإنسان.

ذو صلة
التعليقات