مجلة شهرية - العدد (497)  | جمادى الثانية 1439 هـ- مارس 2018 م

الربع الخالي في المخيال الغربي

كتب ميلوز: (كل هذه النجوم هي لك، توجد فيك، خارج حبك لا وجود لها! كم يبدو العالم مُريعاً للذين لا يعرفون أنفسهم! (...) فلتتخيّل وحدة الليل ذاته في كون لا نهائي).
يُمثّل الربع الخالي بصحرائه الأثيرة لا متناهية الأطراف منطقة غالية من وطننا الغالي المملكة العربية السعودية. وقد لفتت هذه المنطقة الأنظار منذ القِدم، بدءاً من العصر الجاهلي، ووصولاً إلى سنوات بعيدة كان فيها الرحالة العرب والغربيون يتجوّلون مبهورين فوق رمالها الذهبية، مُدركين مكانتها الكبيرة في إلهام المؤلفين كونها موطناً للطبيعة المُوقِدة لجذوة الخيال. فهي مخزن الأسرار والحكايات والتمثُّلات اللونية، وهي كنز الصور والرموز التي أثرت الأدب شعراً ونثراً.
الربع الخالي هو الصحراء العربية الكبرى، وهي صحراء قاحلة واسعة تبلغ نحو خمسين ألف ميل مربّع عُرفت باسم (الأحقاف)، وتقع (في الجزء الجنوبي الشرقي من داخليّة بلاد العرب بادية منخفضة، تُعرف بالأحقاف أو الربع الخالي، وهي صحراء رمليّة). وقد أسماها العرب قديماً: (مفازة صيهد)، ومن ذلك قول الأشعث الجنبْي، وهو يصفها:
حَزَأتْ حوازي في حساتي أن أرى
            ما كنتُ أُوعَدُ من مفازةِ صيهدِ
فإذا مفازةُ صيهدٍ بتَنُوفَةٍ
               تيهٍ تظلُّ رياحُها لا تهتدي
وتظلُّ كُدْرٌ من قطاها وُلَّهاً
           وتروحُ من دونِ المياهِ وتغتدي
بلدٌ تخالُ بها الغرابُ إذا بدا
           ملكاً يُسربَلُ في الرِّياطِ ويرتدي
نتجشّمُ الأهوالَ نبغي عامراً
              مُتحزِّنينَ عليهِ إن لم يُوجَدِ
وكما ذُكر، فإن الرحالة الغربيين قد أخذوا اسم (الربع الخالي) من البدو الذين كانوا يرافقونهم في رحلاتهم عبر تلك الصحراء، وكذلك أسماها الجغرافيّون المحدثون أيضاً.
لقد استقطب الربع الخالي وعمقه المعروف بعروق (الشّيبة)، العديد من المستكشفين والرحّالة الغربيين في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، فتحدّثوا في مؤلفاتهم عن جغرافيّة المنطقة وتاريخها وحضارتها، وما تحويه من مشاهد طبيعية ساحرة وكنوز أثريّة ثمينة، مُشيرين بذلك إلى مكانتها عبر العصور. وتحوي تلك المؤلفات العديد من القصائد الشعرية والوصف الأدبي النثري الذي كُتب تخليداً لجمال المنطقة وتأثيرها تاريخياً، وأثرها الساحر على كل من مرّ بها من أولئك الرحّالة.
 ومن تلك المؤلفات: كتاب ديفيد جورج هوجارث (اختراق الجزيرة العربية) عام 1904م، وكتاب دوغلاس كاروثرز (مغامرة في جزيرة العرب-عبر صحراء النفود: بحثاً عن الوضيحي) الذي نُشر في لندن عام 1935م، وضمّنه المؤلف صوراً نادرة للمنطقة، وكتاب روبن بدول (الرحّالة الغربيّون في الجزيرة العربية)، وكتاب تشارلز دوتي (ترحال في صحراء الجزيرة العربية)، ويُعدّ دوتي من أشهر الرحالة الإنجليز ممن ترحّلوا في جزيرة العرب وكتبوا عنها. بالإضافة إلى كتاب (رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها) لكارستن نيبور، وكتاب (رحلة الحجاج إلى الأرض المقدّسة) لمارك توين.
وصفت مؤلفات الرحّالة الغربيين الربع الخالي بنباتاته وحيواناته، ومفازاته ورماله وتضاريسه، يقول الرحّالة جيمس ويلستد وهو يصف طبيعة الربع الخالي: (سهول ممتدّة من رمال متحرّكة كثيرة ومُتّسعة على امتداد النظر، وكأن البدوي القوي لا يجرؤ على المغامرة لاجتيازها. إنه مشهد موحش لا يتغيّر، ولا يمكن أن يغيّره مشهد هضبة أو تغيُّر لون السهول). أمّا الرحالة صمويل مايلز فيصفها قائلاً: (إنها صحراء لا أنهار ولا أشجار ولا جبال ولا مساكن بشرية، هي صحراء لم تُكتشف بعد، ولا هي قابلة للاكتشاف. لا ماء فيها ولا طعام ولا طُرق، تعبث بها الرياح والعواصف. إنها أرض الهدوء والرتابة على نحو يندر أن يكون له مثيل في العالم).
من جهة أخرى، فقد عبّر الرحالة الغربيّون عن ملاحظاتهم ومشاهداتهم حول الربع الخالي شعراً وسرداً بأسلوب قصصي، كما دوّنوا تلك المشاهدات فيما ألّفوه من كتب أدب الرحلات التي تُعد مصادر مهمة تاريخياً وجغرافياً واجتماعياً. ومنها كتاب (الربع الخالي) لجون فيلبي عام 1933م، وكتاب (الرمال العربية) لويلفريد ثيسيجر عام 1959م. ولعل من أشهر تلك الكتب ما ألّفه الرحّالة البريطانيون، حيث يُشار إلى الرحّالة البريطاني برترام توماس بصفته أول رحّالة يمر بالربع الخالي في 1930 - 1931م، وقد ألف حول ذلك عدداً من الكتب، من أشهرها كتاب (مخاطر الاستكشاف في الجزيرة العربية). يقول توماس واصفاً إحدى مشاهداته في الربع الخالي: (هناك لحظات شاهدنا فيها منظراً خلاباً يفيض جمالاً وحسناً، حيث بدت جبال الرمال بتصميمها المعماري البديع بلون أحمر وردي، تحت سماء صافية وضوء ساطع، إنها طبيعة جميلة خلابة لا ينافسها إلا جمال يوم شتاء من أيام سويسرا)، ويقول في موضع آخر واصفاً صحراء الربع الخالي: (ومنطقة الربع الخالي يمكن تشبيهها بسيدة وقور، تشير إلى الإنسان أن يمتنع عنها. كان هذا هو انطباعي الأول بالنسبة لها). ولا شك في أن الطبيعة الجغرافية المتمنّعة لهذه المنطقة هي ما يُفسّر بقاءها عصيّة على الغزو والاحتلال طوال تاريخها، فقد حاولت روما غزو شبه جزيرة العرب منذ القرن الأول قبل الميلاد، ولكن تلك المحاولات وغيرها باءت بالفشل.
و إلى جانب الروايات التي أُصدرت كرواية (الربع الخالي) 1962م للكاتب الأمريكي لاو كاميرون؛ فقد صدرت أيضاً مجموعات شعرية، وكُتبت قصائد يتغنّى شعراؤها بالربع الخالي، ومنها قصيدة (الربع الخالي) للشاعر ألان سيليتو، التي يقول فيها:
(مفتون بالربع الخالي، يسافرُ بقافلتهِ المُكوّمة
                     عبر مسالك أرضية بدت كتجاعيد
لأرض لا مُستقر لها، وحُبيبات رملٍ ذهبيّة).
ومن ذلك أيضاً، قصيدة (الربع الخالي) للشاعر الأمريكي جون كانادي، التي يقول فيها:
(في الربيعِ المُبكّر -هنا- في الربع الخالي
(...)
في الليل، أحلمُ بالعشبِ مُخضرّاً يتكلّم.
ولكن ساعة الهجير، حتى الثرثرة الجافة للجن
تهجرُ الأودية. الشمسُ تُدلي دلوها،
رغم أن جسدي هو البئرُ الوحيدة في هذه الصحراء).
 لقد رسمت مؤلفات الرحالة الغربيين صورة الربع الخالي بكلمات شفيفة حاكت جلال الطبيعة الفاتنة بقسوة استحالت إلى رقّة حميمة، وإلى سحر أخّاذ نفذ إلى أحاسيس من مرّوا بها فألفوها وتعلّقت بها أرواحهم. وكأن الاتّساع الجغرافي الشاسع والمتناهي في الكبر لهذه المنطقة قد أدخلها في دائرة الأُلفة، حيث توافقَ عالم المتناهي في الكبر مع العمق الأليف للوجود كما يقول غاستون باشلار. فالمتناهي في الكبر كما يراه: (هو موضوع شعري لا ينفذ)، أو (هو إحدى مقولات الخيال الشعري). وعن صور الصحراء في كتاب الرحّالة والكاتب الفرنسي فيليب ديول (أجمل صحارى العالم) يشير باشلار إلى ما يقوله ديول عن الصحراء وكيف أنها يجب أن تُعاش (على النحو الذي تنعكس فيه على الرحالة). ويضيف بأن (ديول يجعلنا نعيش تجربة دراما الصور، الدراما الأساسية للصور المادية المتصلة بالماء والقحط)، هناك حيث تُفتح مغاليق النفس (فلا في الصحراء ولا في قاع البحر تظل نفس منغلقة) كما يقول ديول.

ذو صلة
التعليقات