مجلة شهرية - العدد (497)  | جمادى الثانية 1439 هـ- مارس 2018 م

صراع الشرق والغرب حتمية تاريخية

جاء في مقدمة كتاب (الاستشراق رسالة استعمارية) للدكتور محمد إبراهيم الفيومي: إن الفكر الغربي ليس له عذر يعتذر به عما قدمه من تشويه للإسلام والرسول (صلى الله عليه وسلم)، وقد أحكم دراسة التاريخ وأحداثه، علماً ومنهجاً، فبنى علماً له نظامه وفلسفته، وهو ما عرف (بعلم التاريخ وفلسفته). وكانت الغاية التي رمى إليها الغرب من وراء بنائه هذا العلم، أن يشيع روح السكينة في نفس الدارس المتفحص للتاريخ وأحداثه، حتى لا يعجل الحكم على ما يستقرئه التاريخ تعصباً لرأي فرضته عليه مزاعمه، أو لا يدخل على التاريخ وجهة نظر تعبر عن موقف مسبق على الحدث التاريخي، ثم يتكلف له فهم الأحداث التاريخية ويتأولها على مقتضى ذلك الموقف السابق على الحدث، وليس على مقتضى سير الأحداث التاريخية.
إن الغرب يعي دوره التاريخي إلا أنه يرى أنه ليس في حاجة إلى أن ينسج علاقته مع الإسلام على ضوء ما يفهم، إنما على ضوء مصالحه مع دول الإسلام، وعلى ضوء عداوته التاريخية مع الإسلام وماضيه الحضاري، وليس على ضوء ما ينبغي أن تكون عليه العلاقات الصحيحة، وهو يعلم تقاليدها العلمية، فهو لا يريد أن يهملها إهمالاً.
«فقد تعرف الغرب إلى الشرق، والشرق إلى الغرب، منذ القرن السادس قبل الميلاد، حيث قامت الدولة الفارسية واتسعت رقعتها، وامتدت من حوض نهر السند إلى آسيا الصغرى. كما أوجدت فتوحات الإسكندر اتصالات جديدة بين هذه الأجزاء المتباعدة من الشرق. وقوت الروابط التي كانت قبلاً، وفتحت المجال أمام الخيال الخصب ليضيف دوماً، ما ينتجه هذا الخيال حول شخصية الإسكندر وبطولاته وشجاعته وحكمته إلى الحقائق المتعارف عليها. وزاد من التعارف الثقافي ما يعرف في التاريخ بالعصر الهليني».


الحتمية التاريخية
وهكذا شاءت الحتمية التاريخية أن يتواصل الغرب بالشرق منذ ميلاد أولى العلاقات التجارية والسياسية بين أوروبا والشرق. وبحكم قانون التطور ونمو الحاجات العلمية، وظهور حركات التبشير، توثقت هذه العلاقات في العصور الوسطى أكثر من السابق. ومن ثم دخلت طوراً جديداً مع ظهور الرأسمالية في أوروبا التي أصبحت بحاجة متزايدة إلى الشرق وخيراته، فغدت معرفة دقائق الأمور المتعلقة بشعوب هذه الرقعة الحساسة من العالم مهمة ضرورية فرضت ظهور علم قائم بذاته على صعيد القارة الأوروبية: عرف بالاستشراق الذي استهدف دراسة تاريخ شعوب الشرق واقتصادياتها ولغاتها وفنونها وعاداتها ودياناتها وفلسفتها.. وغير ذلك من المواضيع. فيكون الاستشراق بذلك وليداً شرعياً للنظام الرأسمالي واستجابة ضرورية لمتطلباته، وليس مجرد صدفة كما يعتقد البعض. (انظر مجلة الوطن العربي) عدد: 40 ص: 60-62/ هل الثقافة الغربية منبعها عربي؟)
وظهر هذا العلم بوصفه حقلاً علمياً مستقلاً في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلادي، امتداداً لبقية العلوم الإنسانية التي ولدت في الغرب لتكون في خدمة طموحاته وأطماعه. ويرى المفكر والكاتب الإسباني خوان غويتسولو أنه «منذ بداية (مشكلة الاستشراق) والمستعربون الأنجلو- فرنسيون يضعون أنفسهم رهن إشارة الأطماع الإمبريالية لبلدانهم، فقد كانوا عبارة عن طليعة أو قنطرة -بتحقيقاتهم وآرائهم- لتدخل الجيش بعد ذلك. إن طموح رجل النهضة ليجمع بين السلاح والقلم جعله يتحول إلى عالم أو رحالة أو دارس للغات أو من المتعاطين لدراسة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا؛ قصد إخضاع القلم إلى الأهداف التوسعية للسيف. وغني عن كل بيان بأن معرفتهم عوض أن تظهر حقيقة التصورات المضادة للإسلام فإنها غالباً ما كانت تستعمل لتدعيمها. فالتصورات والعقائد والأفكار المسبقة والأساطير والنوادر وبعض التفاصيل تأخذ في كتاباتهم طابع قرارات لا رجعة فيها وتصبح ذات صلاحية مسلم بها».
أما أسباب عدم تفهم الغرب الإسلامي فهي عديدة ومعقدة وتستند إلى محركات دينية وتاريخية ونفسية وثقافية وتربوية، كما أنها شرعت تستند مؤخراً إلى اعتبارات سياسية واجتماعية واقتصادية. فقد ظل الإسلام يثير اهتمام الكثيرين ومخاوفهم، وينظر إليه نظرة عداوة نظراً إلى أن التاريخ كان في معظمه تاريخ صراع متواصل، وفي كل صراع يعتقد كل طرف أن الشر في الطرف الخصم. كما عملت اليهودية العالمية على تغذية هذا الصراع واستمراره بجميع الوسائل، وكثيرة هي الأكاذيب والخرافات التي ابتدعها هؤلاء عن الإسلام والعرب.


عدوانية الغرب
حلل الدكتور حسن حنفي الإنسان الأوروبي (الغربي) تحليلاً دقيقاً، حيث يرى أن «الإنسان الأوروبي هو عدواني ضد الغريب، متمركز حول ذاته، يتمايز بالجنس والعرق والدم. له رغبة في القيادة والزعامة، يستحوذ على الممتلكات، ويبررها باسم الديانات، ويضع لها القوانين والمؤسسات. وقد أدى الموقع الجغرافي وطبيعة السكان ونوع الديانات والأساطير إلى تكوين خاص لمزاج الشعوب الأوروبية. أصبح المزاج الأوروبي حسياً، لا يرى العالم إلا مادة، ولا يقوى على المجردات، مقاييس السلوك لديه اللذة والألم، المنفعة والضرر، وليست معايير خلقية ثابتة ومبادئ عقلية عامة، لا يعرف الحرمات أو الموانع بل أقرب إلى الدوافع والغرائز والتلقائية الطبيعية، يفسر العالم بالأساطير والخرافة، بتعدد القوى والشياطين دون القدرة على إدراك مبدأ واحد عام، أصل الطبيعة ومنشأ الكون، يوجد بين الشعوب، وينسق بين المصالح، ويسيطر على الأهواء، الحرب علاقة طبيعية بين القبائل، والغلبة للأقوى، الغاية التوسع والسيطرة على أكبر مساحة من الأرض وأكبر قدر من الثروات، كل شيء متغير، ولا وجود لشيء ثابت، لا ماضي ولا مستقبل، لا تاريخ ولا رؤية، إنما الحاضر المعاش واللحظة الراهنة. فنشأت العنصرية كعامل موجه للمزاج الأوروبي من الأنانية والفردية والغرور، وأصبحت كل قبيلة هي التي لها حق الحياة، والقبائل الأخرى مجرد فريسة، وضحية مصيرها الموت والفناء».
إن هذه الصورة هي التي كونت في ذهن القارئ العربي النموذج الأوروبي (البشع- الكافر- النصراني- المستعمر- الأناني- العنصري..) انطلاقاً من القرن التاسع عشر الميلادي. وتعدد تصورنا له تبعاً لسياق تفكيرنا، فهو: إما غرب مسيحي، أو استعماري أو إمبريالي، أو التقدم الثقافي والمادي، أو العقلنة وحقوق الإنسان، أو المواقف التي يختلف منطقها باختلاف الظروف والقضايا، أو الغرب الذي حرص ويحرص منذ قرنين على أن يمرر بضاعته إلى أسواق الغير بطرق شتى، ولا يهمه إلا ما يساعده على الاستقرار والأمن. وفي هذا السياق يرى الدكتور طيب تيزني: «ظهر الحديث عن ضرورة التمييز الدقيق بين خطابين اثنين: خطاب في حرية الرأي النقدي العقلاني، وخطاب في الإنسان والإنسانية وفي ضرورة احترام مقدساته؛ كما في النظر إليها بمثابة خط أحمر لا يجوز اختراقه هجاء أو هزلاً أو قدحاً أو غمزاً، وقد لقي هذا التمييز إقراراً ضمنياً ومعلناً من قبل جل الناس. وجدير بالإشارة أن المسألة المطروحة هنا تجد جذوراً عميقة لها في التاريخ البشري وفي صراع البشر فكرياً ودينياً وسياسياً، ولعلنا نجد هذه الجذور ماثلة في تاريخ العالم كله، ومن ضمنه التاريخ العربي والآخر الأوروبي الوسيط والحديث، وظهر ذلك، خصوصاً، في معضلة العلاقة بين الخطابين الديني والعلمي، الشرعي والفلسفي، وتعاظم هذه المعضلة، حين انتقلت إلى مستوى الحياة السياسية، بحيث أخذت تسهم في إشعال العواطف الدينية وتحويلها إلى مطالب ومبادئ واستحقاقات سياسية تتصارع حولها الخناجر».
إن قوة الإعلام الفاعلة التي يحسن الغرب استخدامها للتأثير والتوجيه في الأفكار والأحداث حولت العالم إلى بيت صغير تعرف فيه الشاذة والفاذة.
وأصبحت الصورة المعاصرة عن (الإسلام) ترتسم في أذهان الغربيين من عدة مكونات أعمقها العوامل التاريخية. وهناك أدلة لا شك فيها على أن ما وصل إليه الغرب في مرحلته الراهنة من تقدم، إنما كانت نتيجة لتضافر حضارات الشرق معه في العصور القديمة والوسطى وأوائل العصور الحديثة، وتراثنا متداخل مع تاريخهم، وماضينا أثر في حاضرهم.
ولكن الحقيقة المؤلمة كما جسدها الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا السابق هي: «أنه رغم التقدم التكنولوجي ووسائل الاتصالات الجماعية التي حققناها في النصف الثاني من القرن العشرين، ورغماً عن سهولة السفر والتنقل الجماعي واختلاط الأجناس البشرية؛ فإن الهبوط المتزايد -أو هكذا نعتقد- في أسرار وغرائب عالمنا، وسوء الفهم بين العالمين الإسلامي والغربي؛ مازال قائماً، وفي الواقع فإن سوء الفهم هذا هو في ازدياد ولا يمكن أن يكون هذا سببه الجهل في العالم الغربي. فهناك بليون مسلم موزعون في أنحاء العالم، عدة ملايين منهم يعيشون في دول رابطة الكومنولث منهم مليون مسلم في بريطانيا وحوالي عشرة ملايين موزعين في مختلف أنحاء العالم الغربي. إن الاهتمام الشعبي بالتراث الإسلامي يزداد بسرعة في بريطانيا... الإسلام هو بيننا وحوالينا، ومع ذلك ما زال الشك بل الخوف مستمراً... إنه من الغريب أن يستمر سوء الفهم قائماً بين العالمين الإسلامي والمسيحي، إذ أن الروابط التي تجمع بين عالمينا هي أقوى بكثير من العوامل التي تفرق بيننا».


أصوات في مهب الريح
ويا ما تعالت الأصوات في وقتنا الحاضر لبذل الجهد من أجل حوار إسلامي-مسيحي في المستوى وتكوين جمعيات للصداقة الإسلامية المسيحية، وذلك من أجل تحديد الأفكار وبلورة الرؤى، وإعداد أرضية عملية، لنتمكن من وضع فضاء علمي تتجانس على أرضيته كل الفئات المعنية.
إن الحوار هو الجسر الإنساني الضخم الذي يصنع للفهم إطاراً، ويفكك الصورة النمطية التي تشوه الفكر وتضلل الذي يصنع للفهم إطاراً عبر امتدادات تاريخية واتساعات تراثية. والجميع يشعر بالحاجة إلى التعايش كي يمكن الإعداد للمستقبل في ظروف أفضل. إن التسامح وقبول الآخر هي القيم التي ينبغي أن تسود الحوار وعلاقات الغرب بالإسلام، والبحث عن نقاط الالتقاء والتفاهم والاستفادة المتبادلة. فالمصدر الواحد للخلق -الله تعالى- هو الذي جعل الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا، ومن تعددهم واختلافهم وتبادل المعرفة بينهم، يزدادون تطوراً وتقدماً في جدل اجتماعي يتميز به الإنسان منذ بدء الخليقة: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود: 118). فالحوار هو إذاً قيمة روحية وثقافية تشجع التسامح إزاء الآراء المتباعدة، والإسلام دين الحوار.
إن الانطواء والانكماش والانكفاء لا يولد سوى التخلف والتراجع والتقهقر. عندها يتقدم الآخرون ونبقى نحن على ما نحن عليه، فالمعركة هي معركة المعرفة. يقول المفكر والسياسي الدانمركي (أوله فولوزو) -اعتنق الإسلام منذ سنة 1986م-: «هناك أغلبية في أوروبا، وأنا منها، تؤيد الاتصال والحوار مع الأجانب؛ لأنها مفيدة، ونرى أن فتح حوار مع الآخر هو أفضل طريقة للاتصال والتفاهم معه. وقد تعلمنا نحن في أوروبا، ومن خلال تاريخ علاقتنا التي تمتد لقرون طويلة مع العرب والمسلمين؛ أن الحوار يؤدي للتفاعل والتطور والرقي العالمي».
علينا الانطلاق من الثوابت الحضارية للذات المتميزة في مواجهة الآخر (الحضاري) الذي يرفع شعاراً نفاده أن الهجوم هو أفضل وسائل الدفاع كما قال المفكر العربي الدكتور فؤاد زكريا.

ذو صلة
التعليقات