مجلة شهرية - العدد (503)  | ذو القعدة 1439 هـ- سبتمبر 2018 م

الطاحونة

كان المراجعون أمامي صفاً طويلاً، أرى أوله، ولا أرى آخره. وكان كل واحد منهم يدس إلي أوراقه من خلال كوة صغيرة موجودة في الحاجز الزجاجي الذي يفصل بيني وبينهم.
كنت أتناول الأوراق ممن يأتي دوره من غير أن أرفع وجهي إليه، فإذا ما تأكدت من اكتمالها وقانونيتها سجلتها في ملف ضخم أمامي يسمونه (ملف الوارد) ثم أعطيت صاحبها ورقة صغيرة كتبتُ له فيها رقم المعاملة وتاريخها، وموعد المراجعة.
هكذا كان عملي في هذه الدائرة منذ تخرجت في الجامعة، وعينت فيها. عمل متواصل شاق، لا أكاد أرفع رأسي، غارق بين أكوام كالتلال من الأوراق والملفات، وصفوف من المراجعين والسائلين لا تنفض لحظة من لحظات الدوام الرسمي.
دس إلي كالآخرين أوراقه من خلال الكوة الصغيرة. رحت أقلبها كالعادة لأتأكد من سلامتها واكتمالها، وعندما وقعت عيني على اسم صاحبها لم أكد أصدق عيني. حسبتُ أن نظري قد خانني، فعدت أقرأ الاسم مرة ثانية وثالثة:
-عبدالله بن محمد الجزار بن عبدالرحمن..
هل يُعقل هذا؟ هل تتشابه الأسماء والألقاب إلى هذا الحد؟ يحدث هذا أحياناً. ولكن عبدالله الجزار هو اسم عمي، وأبوه محمد هو اسم جدي، وعبدالرحمن هو والد جدي. هل يعقل أن تتشابه الأسماء والألقاب هذا التشابه الكبير؟
 رفعت رأسي زائغ البصر، مشتت الذهن، أنظر إلى صاحب المعاملة. كان شاباً في حوالي السادسة أو السابعة عشرة من عمره، ولم أحتجْ أن أطيل النظر إليه طويلاً حتى أرى فيه صورة مصغرة عن عمي عبدالله الذي أعرفه جيداً، وإن كنت لم أره منذ غادرت القرية من سبع سنوات، وجئت إلى هذه الطاحونة الضخمة التي يسمونها المدينة.
 رحتُ أبحلق فيه، وكأنما قرأ ما يجول في رأسي، فهز رأسه هزة ذات معنى، ثم اندفع يقول:
-أعرف ما يدور في رأسك.. نعم هذه أوراق أسرة تعرفها.. أنا عماد ابن عمك عبدالله الجزار.. وأنت أحمد ابن عمي عبدالفتاح الجزار، كما تقول اللوحة الموضوعة على مكتبك..
لم أدر ماذا أقول؟ منذ سبع سنوات لم تتح لي فرصة أن أزور عمي بعد أن انتقلت وظيفتي من القرية إلى هذه الطاحونة التي تسمى المدينة. غرقت في دوامة الحياة هنا. هنا ينسى المرء كل شيء. شغلي مضنٍ يأكل وقتي أكلاً. أعود إلى بيتي -غرفتي فوق السطح- ميتاً أو شبه ميت من التعب. انقطعتُ عن الحياة والناس، كأني قُبرتُ وأنا حي.
جف حلقي عندما سمعت كلام هذا الشاب الذي يقول إنه ابن عمي. توقف لساني عن النطق. لم أملك إلا أن أطيل النظر في هذا الشاب الواقف أمامي: ابن عمي! أية أحاسيس اعترتني في تلك اللحظة؟ أهكذا تقطع دوامة الحياة العلاقات بين أقرب ذوي القربى؟ ولكن أهذا عذر حقاً؟ أما كانت هنالك إجازات وأعياد وعطل؟
لم يبدُ أن الشاب أحس بما يضطرب في داخلي، بل ذهب ظنه إلى أني لم أعرفه، أو أني لم أسمعْه، فأعاد علي القول مؤكداً:
- قرأت اسمك على اللوحة الموضوعة على مكتبك، فعرفت أنك ابن عمي عبدالفتاح الذي كان والدي -رحمه الله- يذكره أمامنا كثيراً، وقد أخبرنا أن له ابناً يعمل في إحدى دوائر الدولة.. وأنا عماد ابنه..
 صعقتني عبارة (رحمه الله) فازددت جموداً، حتى بدوت كتمثال من حجر، ومضى الشاب يقول ببرود وكأنه لم يفعل شيئاً:
-توفي والدي منذ شهر.. وهذه المعاملة التي أمامك هي معاملة حصر الإرث..
 لم أدرِ ماذا أقول، ولكن لا بد أن أقول شيئاً. لا يُعقل أن أظل هكذا كالأبله أحدق في هذا الشاب الذي يتحدث بكل عفوية.
 أخيراً وجدتُ لساني، فخرجتْ من فمي كلماتٌ جوفاء لا معنى لها، وكأني أُسقِط بها وِزراً عن كاهلي:
- البقية في حياتكم..
ثم أضفت مستدركاً:
- ولكنْ لمَ لمْ تخبروني؟
قال الشاب بالعفوية نفسها:
- سمعتُ أمي تذكرك أكثر من مرة، وتقول إننا لم نعد نعرف عنك شيئاً منذ غادرتَ القرية.. وأنك لم تعدْ تتصل بهم من يومذاك..
 كان الشاب يتكلم بتلقائية عجيبة، ولكنه لم يكن يدري أنه يطلق علي رصاصات تخلف جروحاً لا تندمل..
صرخ أكثر من مراجع من وراء عماد بغضب شديد، وهو يرى الحديث يطول بيني وبينه:
-تحركْ يا أخ.. عطلتنا.. أعطِ دوراً لغيرك..
لوَّح لي عماد بيده، ثم مضى.

ذو صلة
التعليقات