مجلة شهرية - العدد (505)  | صفر 1440 هـ- نوفمبر 2018 م

دعونا نناضل من أجل تدعيم حركة العلم.. الأبحاث العلمية المفبركة خالقة للأزمات وخانقة للحلول.

لنتساءل ابتداءً، ما هو العلم؟ أليس هو كائن معرفي يوجده الإنسانُ، بأفكاره القبلية وحواسه وملكاته الذهنية وتجاربه المعملية؟ إن كانت الإجابة بنعم، وهي كذلك، فإنه يلزمنا التساؤل أولاً: أين يتجه الإنسان في مستقبل أيامه؟ هذه أسئلة وعرة عويصة، ولكن دعونا نطوف حولها بشيء من الأفكار الأولية. إن السؤال الأصلي عن الإنسان يتأكد بالضرورة المنهجية والأخلاقية حيال مسار العلم في المستقبل، وذلك أن الإنسان هو الذي يصنع منهجية العلم، وهو ذاته الذي يرسم حدوده الموضوعية والأخلاقية، ويوجه جهوده واقتحاماته في مختلف الحقول المعرفية والبحثية. لئن كان المناطقة قد عرفوا الإنسان قديماً بالحد التام بأنه (الحيوان الناطق) (ويريدون بالناطقية القدرة على إدراك الكلي الذي هو مقابل الجزئي)، فإنه يحسن بنا أن نتمنطق راهناً لنحرر تعريفاً جديداً لهذا الإنسان المعاصر في أبعاده الذهنية والأخلاقية والسلوكية. ومن المؤكد أن تحرير مثل التعريف عملية عسيرة جداً، وأنا لا أزعم البتة القدرة على إنجازه. ولكن على سبيل التفكير الأولي، أقول بأنه ربما وسعنا تعريف الإنسان المعاصر -بحد ناقص- بأنه: (حيوان دولاري)، (حيوان أناني)، (حيوان تعاقدي)، (حيوان متسوق). ولكون العلم منفعلاً بالإنسان، فإن هذا يعني أنه متأثر بصفاته، وهذا ما يسوّغ لنا أن نعكس صفات الإنسان التي أوردناها في التعريفات الفارطة على العلم. لنقول بأربعة تعريفات للعلم المعاصر عبر استبدال (الحيوانية) بـ(الفكرية)، ومؤدى هذا القول بأن العلم هو: (فكر دولاري)، (فكر أناني)، (فكر تعاقدي)، (فكر تسويقي)، وتفصيل ذلك أن:

1 - العلم أضحى دولارياً، فهو بحّاث عن الانتفاع المادي الصرف، وقد نجم عن ذلك تسلّع المعرفة وحوسلتها (أي تحويلها إلى وسيلة) أي وسيلة للتربح لا غير.
2 - بات العلم يفكر في التقدم والتشقق والتوسع أفقياً ورأسياً دون أن يأبه بالأخلاق، وأصبح سؤال الأخلاق مستهجناً ومحلاً للسخرية والرمي بالرجعية والبلاهة.
3 - في حركته التوسعية، أصبح العلم هراساً لاحتياجات البسطاء، متجاوزاً إياها صوب الأعمال البحثية المدعومة مالياً، في سياق يميت التكافلية والتحاشدية التي كان يبديها العلم في أوقات مضت لضعاف الناس وفقرائهم.
4 - لتحقيق كل ما سبق، يتوسل العلم الحديث بشياطين التسويق وأبالسة تصريف المنتجات والخدمات، لدرجة يصح معها القول إن (التسوق هو كوجيتو الإنسان المعاصر) تحت شعار مفاده: (أنا أتسوق، إذن أنا موجود).
وحول عمل المؤسسات الرائدة والدول في استثمار العلم نجد أنها لا تعمل أكثر من تغذية دولاية العلم، وأنانية العلم، وتعاقدية العلم، وسوقنة العلم، بكل الحيل الممكنة، المشروعة منها وغير المشروعة. وعلى اشتراط بأن التحليل الفائت لا يعني تنكري للفتوحات الهائلة التي حققها العلم في ميادين شتى والخدمات الجليلة التي قدمها في الماضي والحاضر، ولكن التحليل اتخذ مساراً نقدياً للنسق العام للعلم في ماضيه القريب، ومستقبله البعيد وهو ما يهمنا أكثر، نظراً لضخامة تأثيره على حياتنا نحن وحياة أجيالنا.
إذن لا يسوغ أن يُفهم من توصيفي السابق أنني أمارس هجاء عاطفياً لحركة البحث العلمي في كل تطبيقاته وممارساته، كلا، فأنا لا أعمم في حكمي الصارم على كافة التطبيقات والممارسات، فثمة (حركة بحثية خيّرة)، تحتفظ بقدر كبير من المنهجية والأخلاقية، لتعكس لوناً مما يمكننا وصفه بـ(الصدق الممنهج)، تشخيصاً للمشاكل التي تعترض حياتنا وبلورة للحلول الناجعة بلا مقابل أو بمقابل يسير، بيد أنني أسارع بالقول بأن هذا الصدق الممنهج للعلم باتت آفاقه تنحصر وتذوي حد الضمور، ولاسيما بازدياد تدفق أموال السوق على خزائن العلم لضمان اصطفاف آلاف البضائع التافهة أو الهامشية في أمخاخ (الحيوان المتسوق) وتخديره بأنه يمارس (ديموقراطية الرفوف)، فيأخذ هذه السلعة ويدع تلك، ويتمتع بهذه اللذة ويتجاوز تلك.
ومع كل ما سبق، أحسب أن العلم المعاصر اليوم بات -بشكل متنامٍ- مولّداً للمشاكل وخالقاً للأزمات، وقد يكون خانقاً للحلول كما تفعل الأبحاث المفبركة الممولة من مافيا شركات الأدوية على سبيل المثال. وبهذه المناسبة ألفت النظر إلى تنامي ظاهرة فبركة الأبحاث العلمية حتى في كبريات المجلات العلمية المرموقة، من جراء تسليع المعرفة ورسملة البحث العلمي والتي تعني تمويل الشركات الكبرى لبعض الأبحاث بهدف غسل أدمغة الناس لقبول منتجاتها وخدماتها، ولو تطلب هذا الأمر اختلاق النتائج وفبركتها وانتحال المعلومات وسرقة الأفكار. ومن أجل هذا كله، قد يقال بصوت جهير: ليت العلم يكفي البشرية شره وشرهه، فهو أداة تلويث الهواء والأرض والبحار، ونسف التنوع الحيوي، وابتكار أدوات القتل الجماعي، وقد يكون العلم مربكاً للخارطة الفطرية للحياة الإنسانية عبر ثورة الأبحاث الحيوية والجينية والنانوية في مسارات عديدة، مما يؤذن بدرجة أعلى من (تسلّع الإنسان) بغرض التربح بأعضائه وإمكاناته وحتى مشاعره، وبات العلم مهدداً لأرزاق الناس بالروبوتات والتقنية اللعينة التي تبشر السوق بأعلى درجات الترشيد والربحية، ليس ذلك فحسب، بل التحكم التام في الإنسان الأبله وتشيئته وتسليعه وتحريكه بكوجيتو التسوق الممرض للأذهان والأعيان، وريموت الترفيه الذي يدخل فيه التمظهرات المباشرة وغير المباشرة لما يمكن وصفه بـ(الجنس السفري أو السريع) Takeaway Sex. الذي أخافه وأحذّر منه هو ترسخ النسق السلبي للعلم، الذي أوضحت شيئاً منه، وحاصل ذلك أن العلم يتنكر لفضل الفلسفة ويبصق في وجه الدين ويرجم الأخلاق بحجارة السوق، ليصل إلى مرحلة التوحش التام والمركزية المرجعية. وهنا، لربما يترسّلني أحدُكم، مشيراً إلى أن العلم هو بيد الإنسان منفعل به، ولا يتحمل من ثم ما اقترفه الإنسان من أخطاء أو شرور. هذه ملاحظة جديرة. وإزاء هذا، أقول ألم أبدأ حديثي عن الإنسان في معرض سؤالي عن العلم؟ بلى، فعلتُ. ومع تقرير هذه المسألة، أشير إلى صحة فكرة (خروج عفريت العلم من قمقم الأخلاق)، إذ باتت حركته تدور مع السوق وجوداً وعدماً، فأصبح العلم معلولاً للسوق، وخادماً له، وهذا يعني وجوب تخلصنا من السوق التي أفلحت في تهديم المرجعيات الدينية والأخلاقية ليكون السوق هو دين الشعوب وأفيون الشعوب أيضاً. وإذا قبل هذا التوصيف أو شيء منه عرف مكمن الداء أو بعضه! وأخيراً أختم بجملة واحدة: دعونا نناضل من أجل تدعيم حركة العلم الخيّر، مع كل الفلاسفة والعلماء والباحثين في أرجاء المعمورة، لكي نحافظ على الإنسان، كرامة وحقوقاً، روحاً وعقلاً وجسداً.

ذو صلة
التعليقات