مجلة شهرية - العدد (499)  | شعبان 1439 هـ- مايو 2018 م

ملصقات الأفلام.. قطع من الفن والتاريخ

تعد الملصقات من الفنون المرئية، وهي الفنون التي نطلق عليها في عالمنا العربي اسم الفنون التشكيلية، أي تلك الفنون التي يتم تلقيها عن طريق حاسة البصر.
ورغم أن هذا الفن واسع الانتشار والتأثير، إلا أننا لا نجده يزين بيوتنا، ولا نراه معروضاً داخل قاعات عرض الأعمال الفنية، إنه يوجد فقط في دور السينما، وهي الأماكن التي تقوم بعرض الأفلام السينمائية عرضاً عاماً للجمهور، نجد هذا النوع من الفنون في واجهاتها وممراتها، بل حوائطها أيضاً.
نعم إنها هي، ملصقات الأفلام.
يمكن تعريف ملصق الفيلم بأنه مساحة من الورق مطبوعة تعلن عن فيلم.
ورغم تعدد أنماط الفيلم إلى ثلاثة أنماط أساسية، هي: الروائي، والتسجيلي، والتحريكي؛ إلا أنها تحتاج جميعاً إلى التعريف بها والترويج لها من أجل أن يسترد المنتجون، على الأقل، أموالهم التي صرفوها لإتمام جميع خطوات تنفيذ الأفلام، بل من المفروض أن يحققوا أرباحاً تشجعهم على خوض تجربة إنتاج أفلام جديدة، حتى تستمر صناعة عمل الأفلام. لذا فإن ملصقات الأفلام تعتبر هي أهم وسائل الدعاية للأفلام.
ملصقات الأفلام هي لسان حال الفيلم، ورسالة التعارف التي يقدمها صناع الفيلم قبيل عملية التواصل التي تتم بينهم وبين المتلقين، ونعنى بعملية التواصل هذه مشاهدة الفيلم الذي تم الترويج له عن طريق هذا الملصق.
يتكون ملصق الفيلم مهما كانت نوعيته من مكونين أساسيين، هما: الصورة، والكتابة.
والصورة نعنى بها المرئيات التي يراها من ينظر إلى ملصق الفيلم، مثل صور الأشخاص، المناظر الطبيعية، الأشياء، وما إلى ذلك، وهذه قد تكون مرسومة بيد أحد الفنانين التشكيليين، أو ملتقطة بآلة تصوير، أو قد يكون تم تخليقها بالكامل بشكل جرافيك بواسطة الحاسب، أو مزيجاً من جميع -أو بعض- هذه الطرق معاً.
أما الكتابة فهي العبارات والجمل والأرقام والحروف التي يستطيع الناظر للملصق أن يقرأها، وهى:
 1 - عنوان الفيلم، ويكون عادة أكبر العناصر الكتابية مساحة.
 2 - أسماء الأبطال، وهي أسماء الممثلين الذين يجسدون شخصيات محورية في الفيلم.
 3 - قائمة صناع الفيلم، تأتي غالباً على هيئة بضعة أسطر متتالية مكتوبة بخط أصغر من (عنوان الفيلم) و(أسماء الأبطال)، وتشتمل على أسماء أبرز المشاركين في بعض مراحل صناعة الفيلم، مثل المؤلف، المخرج، الشركة المنتجة، الشركة الموزعة، أسماء بعض الممثلين، واضع الموسيقى، واضع تصميم الأزياء، مدير التصوير، القائم بالمونتاج.
 4 - تاريخ عرض الفيلم، أحياناً يتم كتابة تاريخ الشهر، وأحياناً يتم ذكر اليوم بالتحديد.
 5 - إضافة، وهي جملة -وربما أكثر- تشير إلى نجاح سابق لأحد صناع الفيلم، من أمثلة ذلك جملة (عن الرواية الناجحة) للمؤلف (جيه جي بالاد)، والتي جاءت في ملصق فيلم (ارتفاع عالي).
وجملة للمخرج (دارين أرنوفسكي) صاحب (بجعة سوداء) والتي جاءت في ملصق فيلم (أم).
وجملة من مخرج فيلم (جيري ماجوير) في ملصق فيلم (بالكاد مشهورة)، وهي جملة تنبه الناظر للملصق لنجاح كبير سابق حققه مخرج هذا الفيلم، والذي جاء اسمه في الملصق مرة واحدة فقط ضمن قائمة صناع الفيلم.
 وليس من الضروري أن يأتي مصمم الملصق بجميع تلك العناصر التي تم تناولها، وإنما يعرض فقط كل ما يزيد الملصق جمالاً وقدرة على التعبير الفني والاتصالي مع كل من يراه.
لا تنبع أهمية ملصق الفيلم من كثرة الألوان التي يستخدمها المصمم فيه، ولا من ضخامة الحروف، ولا من حشد صور أكبر عدد من أبطاله ولا من أناقة ملابسهم؛ بل تأتي من مدى نجاح مصممه في التعبير بجمال وبوعي فني عن موضوع ومحتوى الفيلم الذي يتم الإعلان عنه، وهذا ينتج من مدى اتساق وتناغم العناصر التي يتكون منها الملصق نتيجة تجاورها ببراعة بحيث يؤدي كل عنصر دوره على أكمل وجه، وفي الوقت نفسه لا يجور على أي عنصر آخر من العناصر المكونة للتصميم.
محبو الأفلام في حياتهم اليومية قد تطالع عيونهم ملصقات كثيرة موجودة في واجهات إحدى دور العرض، أو ربما بأحد الشوارع، أو الميادين، أو حتى في بعض الصحف والمجلات. أحد هذه الملصقات قد ينال إعجاب أحدهم فيقرر التوجه والذهاب -بمفرده أو مع أصدقائه- لمشاهدة الفيلم الذي بداخل دار العرض المتاح فيها الفيلم.
هنا يكون الملصق نجح في أداء مهمته، وهي لفت انتباه الناظر إليه -أي رائي الملصق- ومحاولة إقناعه بمشاهدة الفيلم الذي يتم الإعلان عنه.
ملصق الفيلم عمل فني نستمتع به مجاناً دون أي مقابل مادي، بينما الفيلم عمل فني، مختلف في طبيعته، نستمتع به بعد دفع نقود، وهو ثمن التذكرة التي يستلزم أن يشتريها الراغب في مشاهدة الفيلم فور نزوله في دار العرض.
للأسف! يعتقد البعض، وبخاصة في الدول العربية، أن الملصق تنتهي وظيفته مع رفع الفيلم من دور العرض -سواء نجح ذاك الفيلم على المستوى التجاري أو فشل- ليحل مكانه ملصق جديد يعلن عن ميلاد فيلم جديد، وهكذا، وبالتالي لا توجد ضرورة ولا فائدة من الاحتفاظ به ولا للحفاظ عليه من أي خدوش أو تمزقات أو تلف.
هذا المفهوم خاطئ تماماً، لأن الملصق ليس مجرد شهادة ميلاد فيلم فقط، بل يعتبر وثيقة فنية وجمالية في غاية الأهمية، ودليلاً على اشتراك وتعاون مجموعة من الأشخاص في مكان ما، في وقت ما، على عمل وإنجاز فيلم ما، أيا كان نوعيته، أو لغته، أو مدة عرضه، أو تكلفته.
ملصق الفيلم هو عمل فني بصري -أي تشكيلي-، لكنه لا يصنع من نسخة واحدة، بل من عشرات أو ربما مئات أو آلاف النسخ دفعة واحدة، حسب عدد قاعات العرض التي يعرض الفيلم فيها للجمهور.
 نلاحظ أنه عمل فني بصري له استقلاليته وخصائصه وسماته وجمالياته، رغم أنه يستمد عناصره من عناصر ومفردات فن آخر، من عناصر (الفيلم) الذي يكلف بالترويج له.
إنه تصميم فني يمزج بجمال ومهارة بين كل أو بعض هذه الفنون، فن التصوير الضوئي، وفن الرسم، وفن تصميم الحروف، وفن الجرافيك، وفن صناعة الورق وفن الطباعة، وفي نفس الوقت لا يغفل مصممه أن تصميمه هذا يتقاطع مع فنون ومهارات الدعاية والإعلان والتسويق.
لذا نجد بعض المؤسسات العاملة في مجال المزادات الفنية تهتم بعرض ملصقات الأفلام ضمن ما تعرضه للبيع من أعمال فنية مهمة، وقد تخصص أحياناً مزادات لها بأكملها من أجل أن تباع بمبالغ طائلة للشغوفين بجمعها واقتنائها.
لعلنا ندرك الآن أن ملصق الفيلم ليس مجرد قطعة من الورق المطبوع أحد وجهيها، بل هو قطعة من الفن، قطعة من الجمال، قطعة من التاريخ.

ذو صلة
التعليقات