مجلة شهرية - العدد (505)  | صفر 1440 هـ- نوفمبر 2018 م

جمال عبدالناصر في ميزان عدل (1-3)

قال أبو عبدالرحمن: كان عبدالناصر في وجداني رفيق الضعفاء، ورائد العدل والاستقرار، وإشاعة التعليم؛ فهو مصلح بكلّ معاني الكلمة.. ثمّ وجدت هذا الوجدان بعد ثلاثة عقود عند الكاتب المصريّ (إبراهيم الصيّاد) في مقالته المليحة التي نشرها في جريدة الحياة يوم الاثنين 5 / 1 / 1439هـ ص11 بعنوان (عبدالناصر لم يكن ناصرياً).. وأرجو أن يتقبّل تصحيحاتي أو ترجيحاتي مع الصحّة بين معقوفين هكذا؛ وتلك وأمثالها أخطاء نحويّة ولغويّة غمرت الصحافة ووسائل الاتّصال من الفضائيات المسموعة المرئية؛ ممّا جعل السياق بعض المرّات كبعر الكبش.. قال الصيّاد: ((على رغم (قال أبو عبدالرحمن: الصواب: على الرّغم من) مرور 47 عاماً على وفاة جمال عبد الناصر: فإنه يظل حتى الآن أحد الزعماء العرب الأكثر إثارةً للجدل في الأوساط السياسية والثقافية العربية بغضّ النظر عن الاختلاف أو الاتفاق مع توجهاته وسياساته التي امتدت عملياً أربعة عشر عاماً فقط من 1953 إلى 1967ميلادياً؛ وهو تاريخ الهزيمة العربية في مواجهة إسرائيل والتي (الصواب: بدون واو قبلها؛ لأنّ (التي) صفة للهزيمة، وليست إضافةً إليها) عرفت بحرب الأيام الستة، أو نكسة حزيران (يونيو).. ويمكن القول: الرّجل (الأفصح القول: بأنّ الرّجل) يعتبر نموذجاً للقيادة الاستثنائية التي جاءت في ظرف تاريخي كانت الأمة (الأفصح والأبلغ إثبات واو الاستئناف قبل (كانت).. أي وكانت) العربية في أشدّ الحاجة لها لا سيما (الأفصح إثبات الواو قبل (لا) سيما.. أي ولا سيما) أنه لم يستسلم نتيجة هذه الهزيمة، وظل يتحمّل عبء المسؤولية على رغم جراحه (الأفصح: على الرّغم من جراحه؛ وذلك بمعنى الكره.. ويجوز على (رغم) بفتح الراء المهملة بمعنى إرغام) المثخنة.. قرّر (الأفصح إيراد واو الاستئناف هكذا: وقرّر) عبدالناصر إزالة آثار العدوان، وعمل على إعادة بناء الجيش، وكانت تدعمه جبهة داخلية قوية.. كما دخل حرب الاستنزاف بعد أشهر قليلة من العدوان؛ وفي الوقت نفسه أعاد عبدالناصر ترتيب البيت العربي حتى غيّبه الموت في 28 أيلول (سبتمبر) 1970ميلادياً؛ وطوال حكمه حتى وفاته: نلاحظ أنه لم يستخدم تعبير (الناصرية) بمعناه الأيديولوجي إنما (الأولى إيراد واو العطف: وإنما) انتشر التعبير بعد وفاته في أدبيات السياسة المصرية بخاصة (الأفصح والأنسب للسياق: خصوصاً)، والسياسة العربية عموماً؛ ومن هنا لم يكن عبدالناصر منظّراً أو مفكراً سياسياً يبحث عن وضع نظرية أو مذهب سياسي؛ لكنه (الأولى إيراد واو العطف: ولكنّه.. أو: (وكان) بدون لكنه) كان قارئاً جيداً للتاريخ، ومقتنعاً بتطبيق نظرية التجربة والخطأ؛ وعليه لم يكن عبدالناصر يؤمن بالقوالب الجامدة، أو (التابوهات).
قال أبو عبدالرحمن: مثقّفو العصر مغرمون بالمصطلحات الخواجيّة وإن كان في المأثور العربيّ ما هو أدلّ؛ لأنه أصحّ أو أرجح؛ لهذا اضطررت إلى تبيان هذا المصطلح الخواجيّ؛ فالتابو جمع تابوهات؛ وهي كلمة بولينيزية؛ (وبولونيزيا مجموعة كبيرة لأكثر من ألف جزيرة مبعثرة في المحيط الهادي المركزي والجنوبي) تطلق على المحظور في نظر المجتمع؛ أي ما تعدّه أعراف المجتمع والسياسية من المحرّمات؛ إذن (التابو) خطّ أحمر لا يقبل المجتمع التجاوز به؛ وهكذا كانت تعني في لغات سكان جزر المحيط الهادي، وعند كل الشعوب البدائية؛ وأوّل من نقلها إلى الغرب الكابتن (جيمس كوك).. ومن الممنوع بهذا المصطلح انتقاد الزعيم، أو الثناء على نظام آخر يخالفه فكرياً، ومن الممنوع في المجتمعات العربية مناقشة المواضيع المتعلقة بالأمور الجنسية إلا خلف الأبواب المغلقة.
قال أبو عبدالرحمن: لا غضاضة في عدم نسبة عبدالناصر سياسته إليه نفسه؛ (فيقول مثلاً: هذه ناصريّتي) طيلة سياسته في حكمه مصر؛ فلا داعي لعبارة العنوان (عبدالناصر لم يكن ناصريّاً)؛ لأنّ كل ما ابتكره أو اختاره منسوب إليه.. واستدراكي على الأستاذ الفاضل (إبراهيم الصياد) فيما نفاه عن عبدالناصر: لأنّ جمال عبدالناصر: منظّر تارةً نتيجة تفكيره السياسيّ، وقراءته التاريخ؛ (من غير استقصاء)، ووعيه التجربة التاريخية صواباً أو خطأً.. وبيقين نعلم أنّ جمال عبدالناصر لا يؤمن بالتجربة الجامدة في إدراكه ووعيه؛ لأنّه زعيم مصلح منظّر تارة كما مرّ آنفاً.. ألم يقل الصياد حفظه الله بعد ذلك: ((ولهذا نجده يربط دائماً بين الفكرة وإمكانات الواقع ويخرج بالتطبيق الملائم؛ وعلى سبيل المثال كان ناصر اشتراكياً بمعنى الكلمة من الناحية الإنسانية (أي الاشتراكية التي تعني) عدم استغلال الإنسان لأخيه الإنسان؛ ومن ثم انحاز إلى الفقراء.. وفسّر البعض (الأفصح ههنا (بعض الدّارسين هذا الانحياز) بدون (ال) قبلها؛ لأنّ (ال) ليست معهوداً ذكرياً، أو حضورياً، أو علمياً؛ وتكون العبارة على سبيل المثال: بعض الدارسين) هذا الانحياز على أنّ عبدالناصر كان (شيوعياً)، لكنّ التجارب أكّدت أنه لم يكن كذلك، بل كان يؤمن بالتطبيق العربي للاشتراكية من خلال تحقيق مبدأين: (الكفاية الإنتاجية) و(العدالة التوزيعية)، وربطه؛ (الصواب: وربطهما) بفكرة أنّ الإنسان له بقدر عمله، وليس بقدر حاجته؛ وهنا يتّضح أنه لم يكن ماركسيّ الفكر أو التّوجّه)).
قال أبو عبدالرحمن: التّوجّه إذا لم يكن توجّهاً فكرياً فهو توجّه تقليديّ؛ وقد يكون ذلك تقليداً عن قناعة تلقائية بلا تفكير، وقد يكون عن اجتهاد خاطئ، وقد يكون مجاملة مؤقّتة لصديقه (خروتشوف) الذي وعده بالأكاذيب؛ وهو في الواقع إِلْبٌ عليه.. إلّا أنّ جمال عبدالناصر ليس ذا توجّه ماركسيّ في هذه المسألة بيقين لا ريب فيه كما سيأتي في سياق مداخلتي هذه؛ وعلى أيّ حال: فإنّ الإيمان بأنّ (للإنسان بقدر عمله لا بقدر حاجته): إنما يقبل في مثل حال الطبيب الذي تغرّب ثلاثين عاماً على سبيل المثال يدرس الطّبّ في فرع حيويّ تكون الأمّة بأمس الحاجة إليه؛ وكان قد أنهك جيب أهله بالصرف عليه، وصبر على الغربة، وعلى سهر الليالي؛ ثم عاد إلى بلده وأمّته ودولته؛ فهذا لا يكون راتبه الجزل مثل راتب من يكنس الشوارع مثلاً؛ وليس عنده نفع للأمة غير ذلك.. وأمّا أصحاب مصاريف الزكاة كالفقير المدقع سواء أكان كنّاساً، أم طبيباً ماهراً ثم تعطّل عن العمل وليس عنده ما يسدّ رمقه، وليس عنده من يصرف عليه وإن كانت له أسرة شحيحة لا تعبأ به: فهذا حقّه حسب حاجته، وليس حسب عمله؛ لأنّه عاطل عن العمل؛ وحقّه ليس على الدولة وحسب؛ بل على الدولة، وعلى العاقلة من الأقارب الواجدين كلّ حسب قدرته، وعلى الأغنياء من الزكاة الواجبة، أو الصدقة المستحبّة.. وبيقين عندي لا ريب فيه: أنّ جمال عبدالناصر جعل للإنسان بمقدار عمله لا بمقدار حاجته في مثل مسألة الطبيب المغترب، ومن يكنس الشارع وليس يملك عملاً غير ذلك.. وأما إعطاء الإنسان بمقدار عمله لا بمقدار حاجته حالة فقره وتعطله عن العمل: فذلك مذهب ماركسيّ؛ وعبدالناصر بريء منه، وقد جاءت الإشارة إلى هذا المذهب الظالم في قوله سبحانه وتعالى: (وإذا قيل لهم أنفقوا ممّا رزقكم اللّه قال الّذين كفروا للّذين آمنوا أنطعم من لّو يشاء اللّه أطعمه إن أنتم إلّا في ضلال مّبين) (سورة يس/ 47)؛ فهذا هو مذهب الماركسيّيين المبنيّ على (البقاء للأصلح)، والمعنى في الآية الكريمة: لو في ذلك صلاح لأطعمه الله؛ بل تجاوزت دعوى (البقاء للأصلح) إلى ظلم يفتّت القلوب من الرحمة؛ فأباحوا قتل المريض الميؤوس من شفائه؛ لأنه عبء على الخزينة المكوّنة من أموال الشعب المؤمّمة ماركسياً، ولا صلاح فيه؛ والبقاء للأصلح؟!!.. ثمّ قال الأستاذ الصيّاد: ((ومن أهمّ عيوب عبدالناصر أنّ حكمه لم يكن ديموقراطياً، وفسّر الناصريون ذلك بأنّ الظرف التاريخي كان يفرض عليه أن يتحكم في عملية اتخاذ القرار من 1952 إلى 1960 ميلادياً؛ وهي الفترة التي (الصواب: مدة؛ لأنّ الفترة ليست اسم جزء من الزّمن؛ وإنما هي صفة لحالة فتور لشيء ما كفتور الوحي مدّةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) عرفت بفترة (التّحرر الوطني)؛ لمواجهة أعداء الثورة؛ ولكنه كان مقتنعاً بالفكر الديموقراطي بدليل أنّ من مبادئ ثورة 1952ميلادياً إقامة حياة ديموقراطية سليمة؛ وكان يفترض أن يتمّ تطبيق الحلول الديموقراطية التي نص عليها الميثاق الذي أصدره في أيار (مايو) 1962ميلادياً كدليل للعمل (الصواب: بصفتها دليلاً؛ لأنّ المراد الوصف المطابق لا التّشبيه المقارب؛ ولهذا يعاب على مثل المسلم أن يقول: (وأنا كمسلم)؛ بل يقول: بصفتي مسلماً) الوطنيّ في بداية عمل التنظيم السياسي الجديد والوحيد (الواو قبل (الوحيد) خطأ؛ لأنّ المراد وصف الجديد بالوحيد؛ وليس المراد موصوفاً آخر معطوفاً على الوحيد) في مصر آنذاك والذي (وهكذا الواو خطأ قبل: الذي) حلّ محلّ الاتحاد القومي وسمّيّ الاتحاد الاشتراكيّ العربي؛ وقال: إنّ حرية الكلمة هي المقدمة للديموقراطية ولكن لم تتحقق أي من هذه (الصواب: بالياء المثنّاة التحتية لا التاء المثنّاة الفوقية هكذا: يتحقّق) الأطروحات؛ بسبب الخوف من استغلال مناخ الحرية لمصلحة أعداء الثورة؛ وعلى رغم ذلك انتهز أعداء عبدالناصر فرصة الأداء غير الديموقراطي لحكمه؛ كي يجهزوا على نظامه؛ الأمر (الأبلغ والأرجح:؛ وهو الأمر) الذي مثّل نوعاً من التّحديات الداخلية والخارجية الضاغطة على الحكم، واعتبر مبرراً لاستمرار السياسات الشمولية؛ وفي اعتقادي أنّ هزيمة 67 كانت إحدى نتائج الإخفاق الديموقراطي في الحقبة الناصرية)).
قال أبو عبدالرحمن: الديمقراطية مبنية على إعطاء العقل حرّيته في التفكير؛ وهذا حقّ؛ ولكنه حقّ مؤقّت بانتهاء تفكير العقل إلى يقين يكون استئنافه بتفكير جديد اعتراضاً عليه؛ فهذا سفسطة ومصادرة؛ وإنما الذي يتعيّن: الالتزام بيقين العقل؛ فمسؤوليّة الالتزام منهية حرية التفكير.. وقد يكون توقيت التفكير بانتهاء حرية التفكير إلى الرجحان؛ والرجحان له حكم اليقين ما ظل الرجحان قائماً؛ لأنّ اتّباع المرجوح سفه وتحكّم بإلغاء ما زاد من الرجحان؛ فهذا معنى حرّية تفكير العقل بضرورة المنطق (الذي هو ضرورة العقل)؛ وهو ضرورة شرائع الله كما في قول الله سبحانه وتعالى: (فماذا بعد الحقّ إلاّ الضّلال فأنّى تصرفون) (سورة يونس/ 32)، وقوله سبحانه وتعالى: (ذلك بأنّ اللّه هو الحقّ وأنّ ما يدعون من دونه الباطل وأنّ اللّه هو العليّ الكبير) (سورة لقمان/30، وانظر سورة سبأ 42، وسورة غافر 5، وسورة الشورى 24، وسورة البقرة 42، وسورة آل عمران 71، وسورة الأنفال 8، وسورة الرعد 17، وسورة الإسراء 81، وسورة الكهف 56، وسورة الأنبياء 18؛ فكلّ هذه الآيات الكريمة ثنائيّة بين الحقّ والباطل، ولا ثالث بينهما.. والباطل يكون اسماً لما لا وجود له ألبتّة (بالألف المهموزة؛ وذلك هو الصحيح، ولا حجة لمن جعلها بألف مسهّلة غير مهموزة)، وتكون لما لا اعتداد به؛ فهو خرافة أبطلته الحقيقة.. والضلال هو الميل والضّياع عمّا رسمه الحقّ؛ ولهذا يقال لمن يريد القصد إلى مكة المكرمة غرباً بسبب مطر، وريح، وغيم بسحاب داجنة؛ وهو يريد الصلاة تجاه القبلة، وقد عميت عليه المسالك؛ فانحرف بالتدريج إلى الشرق؛ فهذا صفته: أنّه ضاع عما يريده؛ وأنّه ضلّ عن القبلة؛ فهذا ضلّ عن مراده؛ لأنه يريد الصلاة إلى الكعبة التي على وجه الأرض؛ ولكنّ هذا الضلال ليس مخالفاً الحقيقة؛ لأنه لو صلّى في هذه الحالة إلى الشرق أو الشمال أو الجنوب: غير مخالف الحقيقة؛ لأنّ الله الحقّ المبين محيط بوجهه الكريم بكل العالم؛ والمصلّي معذور؛ لأنه غير متعمّد الضلال عن الكعبة؛ فحيثما اتّجه فثمّ وجه الله؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: (وللّه المشرق والمغرب فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه إنّ اللّه واسع عليم) (سورة البقرة/ 115).
قال أبو عبدالرحمن: وأمّا الديمقراطية فهي التّحرّر من حقوق الله سبحانه وتعالى الخالق كلّ من سواه؛ المهيمن عليهم، الماضية فيهم إرادته.. وفي هذا التحرّر العبوديّة للشهوات والشبهات، ولا وجود لحرّيّة مطلقة؛ فكلّ من تحرّر من شيء فهو عبد لشيء آخر، أو أشياء أخرى؛ فالمتحرّر من الحقّ عبد للباطل والضلال، والمتحرّر من العدل عبد للظلم، والمتحرر من الجمال عبد للقبح، ولا وسيط ثالث في كل ذلك.. والديمقراطيّة مشروطة بالعلمنة والتّحرّر من مراد الله في شرائعه الربانيّة الإلهية (إذن هي الديمقراطية العلمانية)؛ وهي على قبحها وظلمها وتحرّرها من دين الله: لا تتحقّق للمستضعفين إلا برضاء العالم الأقوى؛ وإلّا فهي حبر على ورق، ولم ينفع (ليبيا) اليوم (وهذا قليل من كثير) اصطناع الديمقراطية بعد تخلّي القائم بالثورة على (معمّر القذافي)؛ وهو (مصطفى عبدالجليل)؛ فالقوى العالميّة الظالمة ترتشف بترولهم الذي هو أصفى بترول في العالم، وتقسمهم شيعاً؛ فأصبحوا يحنّون إلى حكم (القذّافي) الذي ثاروا عليه لظلمه.
قال أبو عبدالرحمن: بقيّة كلام الأستاذ إبراهيم الصيّاد كما يلي: ((في المقابل حقّق عبدالناصر نجاحات في مجال العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي، وتحققت سيطرة كاملة للدولة على كل ما يتعلق بحياة المواطن؛ وأبرزها مجّانية التعليم، وتصدّر القطاع العام قيادة عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ وهو الأمر الذي أثار حفيظة بقايا الرأسماليّين والإقطاعيّين في مصر، وغادر بعضهم البلاد ليقود حملات شعواء ضدّ نظام عبدالناصر؛ ولم يكن عبدالناصر منغلقاً على نفسه؛ بل كان يؤمن بقدرة الأمة العربية على الفعل والعطاء من أجل تحقيق تكامل سياسيّ واقتصادي وعسكري يجمع الدول العربية على اختلاف أنظمتها السياسية والاقتصادية تحت غطاء قوميّ واحد؛ لكنّ الواقع العربيّ كان يصطدم بالمصالح المتباينة؛ ومن ثمّ لم تتحقق أحلام عبدالناصر في قيام الوحدة العربية.. ونذكر أنّ الرجل حتى آخر نفس في حياته كان يسعى إلى رأب الصدع العربي (و) لا سيما بعد الأحداث المعروفة باسم (أيلول الأسود) بين نظام حكم الملك حسين والمنظمات الفلسطينية في الأردن عام 1970ميلادياً؛ وعقب وفاته ترك زخماً كبيراً بين أبناء الجيل الذي ارتبط بثورة 1952ميلادياً واستفاد من انحياز عبدالناصر للطبقات الفقيرة والمتوسطة، بخاصة في الأوساط الطّلابيّة؛ (الأنسب للسياق، والأوجز: واستفاد من انحياز الطبقات الفقيرة والمتوسطة إليه خصوصاً الأوساط الطّلابيّة) في عقد السبعينات، وتمّ الاتفاق على إنشاء كيانات في الجامعات تسمى (نوادي الفكر الناصري)؛ وتمحورت مهمة ذلك الكيان الأساسية في تحويل إرث عبدالناصر الفكري إلى نظرية يمكن البناء عليها في قضايا التنمية ودعم الأفكار الوحدوية؛ وهو أمر لم يكن من السهل قبوله من نظام خلّفه الرئيس (السادات) الذي لم يكن مقتنعاً بهذا التوجّه.. وفسّر الساداتيّون التحرك الناصريّ بأنه حركة مضادة لحكم (الأفصح: حكم السادات بدون (لام) قبل: حكم) السادات؛ ولهذا عمل السادات على إجهاض الحركة الطّلابيّة الناصرية بخاصة في جامعتي (الأفصح كما مضى: جامعتي) القاهرة وعين شمس من خلال مساندة غير معلنة للجماعات الإسلامية، وحدثت مواجهة في العامين 1971 -  1972 ميلادياً بين الجانبين، وزادت حدتها بعد حرب 1973ميلادياً عندما قرّر السادات اتّباع سياسة (الانفتاح الاقتصادي)..غير أنّ السادات: اغتيل برصاص الجماعات التي أطلق يدها لمواجهة الناصريّين، وجاء بعده (حسني مبارك) الذي سار على النهج نفسه.. وزيادة على هذا زاوج مبارك بين رأس المال والسلطة، وانغلق أفريقيّاً، وتراجع دور مصر عربياً.. أما الفكرة الناصرية فقد فقدت بريقها في غضون ثلاثين عاماً عندما حاول البعض (الأفصح كما مضى: بعض) ممن ينتمون إلى فكر عبدالناصر أن يتاجروا بها ممّا أدّى إلى حدوث استقطاب بين الناصريّين أنفسهم؛ فتوزّعوا بين حزبي التجمّع الوحدوي، والحزب الناصري، وما يعرف بـ(التيار الشعبي) الذي تكوّن بعد ثورة كانون الثاني (يناير) 2011 ميلادياً؛ وظلّ القطاع الأكبر من الناصريّين بعيداً من حلقة الصراع والمتاجرة (وذلك) ما جعلني أقول: لو كان عبدالناصر حيّاً لرفض أن يكون ناصريّاً ويسير على نهج هؤلاء)).

ذو صلة
التعليقات