مجلة شهرية - العدد (502)  | ذو القعدة 1439 هـ- أغسطس 2018 م

عن الروائي والقاص طاهر سلام: جازان حين تنجب القصة

في منتصف 1423هـ صدر العدد الأول من مجلتنا الصغيرة الأنيقة (أصوات) التي كان يراد لها أن تكون دعاية لإثنينية النادي فتحولت إلى مجلة تحوي العديد من الفقرات والأعمال النقدية والإبداعية، وأبى يومذاك المتنفذون إلا أن يكتب عليها نشرة ثقافية تصدر عن نادي جازان الأدبي.. كتبت يومها في هذ المجلة عن الأديب والروائي العم طاهر سلّام أو (بابا طاهر) كما كنت أحب أن أدعوه، هذا الكاتب الذي كانت الكلمة لديه نوعاً من العلاج، وبريقاً من الأمل واستطراد الأخلاق الحميدة من خلال سيرة العمل المكتوب لديه، كيف لا وهو المعلم المرموق والمدرس الجميل ذو الأخلاق الحميدة، كان العمل الأدبي لديه من خلال زاويته الرؤيوية بث القيم والثقافة لأنه لم يكن استجابة لواقع متعدد وإنما كان هو يفرض واقعاً.. يرى الكلمة هي المفتاح الذي يفك كل مغاليق الحكمة وكل ثنايا المجتمع، هكذا ورثنا الحكمة والكلمة وهو رجل أمين في ذلك.. نسمع منه قصته الطويلة (الصندوق المدفون) أولاً هذا الإهداء.. (إلى مجتمع ما قبل خمسين عاماً، أهدي قصتي هذه اعترافاً مني لما كان يتحلى به من فضائل كريمة ومزايا نادرة كلها قيم ومُثُل). ص3
ويضيف في مقدمة القصة، هذا القص الذي كان متأثراً يومها بالقص المصري من خلال جرجي زيدان والمنفلوطي كما هو عند محمد زارع عقيل وعبدالحميد جودة السحار وكثير ممن كانت أعمالهم تقرأ في مجالس جيزان للمقيل، فكان المقيل نوعاً من الدرس الأدبي ونوعاً من المسامرات الشعرية والقصصية، هذه جيزان كما كانت خاصة وخاصة مدينة جيزان، يقول (لقد تخيلت قصتي هذه من واقع الحياة الاجتماعية لما قبل الخمسين عاماً المنصرمة حيث كان المجتمع بمنطقة جازان- يعيض حياته تعاوناً بين المرأة والرجل في الحقل الزراعي وفي المراعي، عند بيعهم وشرائهم، في مناسبات الأفراح، في ألعاب الختان، في الرقصات الشعبية التي تضمهم جنباً إلى جنب فيما يسمى برقصة المعشى، ورغم هذا الاختلاط والاحتكاك نجد أن مجتمعهم قد كان شديد المحافظة على مثله السامية وقيمه الرفيعة، ومن مميزاتها النبل والشهامة والوفاء والشرف والكرامة والعفة والصدق وحفظ الجوار) ص4 فقد كان السرد لديه خليطاً تقليدياً وجمله الطويلة نوعاً ما، والحكم والمقولات المبثوثة في ثنايا العمل، فأعمال الأستاذ الراحل طاهر سلام هي: الكنز المدفون (قصة طويلة)، عتمة- قبو الأفاعي (قصص قصيرة: دار الصافي)، السفن المحطمة (قصص قصيرة: نادي جازان الأدبي)، ضوء- فلتشرق من جديد (رواية)، عواطف محترقة (رواية)، وكان دأبه دائماً التأثير في القارئ/المتلقي عن طريق المنحى الأخلاقي، فهو لم ينس أبداً أنه كان معلماً، وهو الذي يتحرك -أي المعلم- من خلال الأبنية البلاغية والمجازية لنصوص (البابا طاهر)، وبالرغم من أنه من مواليد 1342هـ بمدينة صبيا، إلا أن أوراقه الفنية تقول إنه موجود قبل ذلك العام بسنين عدة لما يحمله من إرث تاريخي أذاعه وبثه في قصصه وفي مجالس الصحو واليقين.. ونحن نطالع أو نقلب أوراق قصته الطويلة نسبياً (الصندوق المدفون) نلمح كاتباً يتجلى الصدق فيما يقوله بالرغم من أن العمل الأدبي هو تخييل في نهاية المطاف إلا أنه مع الأستاذ طاهر سلام لا تستطيع أن تميز أحدهما من الآخر، يقول: ص9 (كانت لا تتوقع أنه سيصبح كالصياد الذي يملأ سنارته طعماً ليصطادها) هنا يدخل الزمن كعنصر أساسي في التحول في مسار حدث القصة -إنه في مساء يوم عرض عليها- فالكاتب بالرغم من الكتابة التقليدية التي سيطر فيها على أشخاص روايته وهو العليم بما يحدث لأبطاله، هذه الرؤية التي تكسرت بفعل تقدم الأبحاث الروائية والقصصية.. لأنك عندما تلاحظ اللغة وتنسيقها وعذوبة بعض ألفاظها من مثل: الخمائل، النحلة، روضة الأشجار، الزهرة، البهجة، الطير الغريق، أو الطائر الغريق.. توحي لك هذه اللغة بمرجعيتها الزمنية أيام المنفلوطي والسحار وإيليا أبو ماضي وبدايات النهضة الرومانسية في الكتابة العربية، لأن عامل الأرشيف لا يستطيع أن يعمل خارج حدود تصنيفات الأرشيف ونظامه، نحن نلقي الضوء فقط على هذا الرجل بالرغم من قلة الدراسات باستثناء الشنطي وربيع محمد عبدالعزيز.. لقد كان الكاتب في قمة العتمة من خلال القصص التي كتبها (المدفون- قبو- محطمة) كلها دلالات معتمة لم يستطع الخروج من دهاليزها إلا مع كتابة الرواية (فلتشرق- محترقة).
ويعد أستاذنا طاهر سلام من الجيل الأول في مدينة جيزان قاطبة الذين أدركتهم حرفة الأدب وحقيقة لرجل أخلص للفن القصصي والروائي هو والأستاذ محمد زارع عقيل، وقد بدأ الكتابة باكراً فكتب في عدة مجلات ثم تفرغ للكتابة بعد أن ترك التدريس وأصدر أول القصص (الصندوق المدفون)، وكانت الطبعة دون تاريخ، ثم بعد ذلك أصدر قبو الأفاعي عام 1403 عن دار العمير، ثم فلتشرق من جديد عن نادي أبها، وأصدر أيضاً عواطف محترقة عن الدار السعودية للنشر 1406. والأستاذ طاهر سلام ابن مرحلته وابن بيئته، فثقافته وكتابته والتقنية الروائية لديه لابد أن تكون جزءاً من التكوين الاجتماعي والتاريخي والثقافي السائد يومذاك التي كان الحكواتي فاصلة مهمة في التقليد الاجتماعي للمجالس الأدبية.

ذو صلة
التعليقات