مجلة شهرية - العدد (506)  | ربيع الأول 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

الجازانية تحليق في عالم الإبداع

هل فكرت يوماً أن تستدير جنوباً؟!
ثمة غيمة تعانق الجبل، موجة تداعب البحر، وفلة تعبق في السهل والوادي.. وعبر العصور كانت وما زالت نابضة بالخير والبذل والعطاء. جناح يخفق عالياً، وروح وثابة للعمل وسبر أغوار الحياة. أحلامها بسعة الأفق وأكثر، وطموحها بلا حدود، لا تتوانى حين تطرق الفرص بابها، ومهما أجدبت الحياة تزرع فيها حقولاً مزهرة.. اكتسبت من طين الأرض ليونته، ومن الجبل صلادته، ومن الماء عذوبته، ليست امرأة من خيال بل واقع مستفيض بالانبهار، اكتست جمالها من تنوع وثراء الأرض التي نبتت بين جنباتها، أرض جازان الغنية الثرية بالفن والجمال. إنها المرأة الجازانية عطر الحياة وفنها.
امرأة لم تكن بمعزل عن الحياة ونشاطاتها في الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل، بل كانت وما زالت عضواً فاعلاً ومؤثراً في بناء النسق الاجتماعي وفق معطيات الحياة، وزخمها في بناء نواة المجتمع: الأسرة من خلال ترابط أواصرها الاجتماعية من حفاوة الفرح والأعراس، وزيارة المريض وشد أزره، إلى لحظة الوداع في العزاء الحزين. هي الأم الرؤوم، والزوجة التي تفيض بالدفء والحنان.
الجازانية التي حاكت (سعف الطفي) وهو أوراق نبات (الدوم) لأدواتها المنزلية قديماً (كالزنبيل، الجونة، المصلى وغيرها)، وطهت الطعام بأشكاله المختلفة ومذاقة الفاتن: المغش، المفتوت، الخمير.. وسواها، وصنعت من حليب الحيوانات اللابنة، لبناً وزبدة وسمناً، كما شاهدنا ذلك في الحياة، وفي المهرجانات التراثية، ولاسيما مهرجان الجنادرية، ومهرجان جازان الشتوي ممثلاً بالقرية التراثية؛ هي ذاتها التي تحيك النسيج لتصنع الستائر والشراشف واللحف وتزينها بمهارة التطريز الحرفي، وتطهو أطعمة مختلفة بهوية الماضي وتَفتّح الحاضر، وتصنع العطور والبخور، تنتج وتبيع منتوجاتها في مبادرة الأسر المنتجة بكل احترافية ومهنية عالية. وبرنامج الأسر المنتجة، برنامج مختص بتدريب الحرفيات على المهن الحرفية من قبل مشرفة وحدة التدريب المهني وبرامج الأسر المنتجة بمركز التنمية الاجتماعية بجازان عائشة كناني.
وقد كانت تساهم المرأة مع زوجها ووالدها في زراعة الحقول وحصدها في مواسم الحصاد، يبرز ذلك في لوحات الفنان التشكيلي عبدالوهاب عطيف الذي يجسد الماضي بكل تجلياته ويتعرض لعمل الجازانية في لوحته الرائعة (الحصاد) وغيرها من لوحاته التشكيلية.
وعبر تطور حياة العصر نجدها تواكب التطور متجهة صوب سوق العمل، فراشة متنقلة في الأسواق والمحلات التجارية، مؤدية عملها بكل نزاهة دون أن تكل أو تمل رغم ساعات العمل الطويلة، ممرضة تمسح جراح المرضى، وطبيبة تداوي آلامهم وأوجاعهم، ومعلمة تعلم الأجيال كتابة الحرف على جبين القمر. وتعلم طفلة كيف تشعل شمعتها في عتمة الحياة.
ثمة نماذج نسائية أبهرن العالم بإبداعهن وتفردهن: فنجد المبتكرة مثل: أصايل جريبي، مبتكرة الخلية (الكهروهيدروجينية) لإنتاج وقود المستقبل والكهرباء ذاتياً. وغالية الحمزي، الحاصلة على دكتوراه رياضيات هندسة غير تبديلية، والحائزة على جائزة أفضل بحث في سنغافورة. ومريم الميرابي، أول سعودية تحصل على الماجستير في كيمياء السرطان في بريطانيا. وما هذه الأسماء الواردة -من موقع سفراء جازان عبر تويتر- إلا قلة من كثير حققن مراكز متقدمة على مستوى العالم.
الجازانية التي هطلت شعراً في مناسبات الفرح والحزن، في الراحة والعمل، كان ومازال الشعر ديدنها، غناؤها الذي يجلي آلام الحياة. تهدهد طفلتها في المهد (الهندول أو الحنتول) وتغني لها الأهازيج الشعرية: (هيوه، هيوه/ وأنا فداء لبتي...) لتنام على صوتها الشجي، (وتكبر ويكبر الغناء والشعر فيها) لتحلق في سماء الإبداع وتغني للوطن والحياة وتحصد الجوائز الداخلية والخارجية. كما هي الشاعرة سهام أحمد العريشي الحائزة على جائزة (راشد بن حميد للثقافة والعلوم في الشعر الحديث) في نسختها الأخيرة.
وكما كانت حاضرة في الفن التشكيلي عبر طلاء المنازل وتشكيلها برسوم جميلة في الماضي، ما زالت تبهر بإبداعها في مجال اللون والرسم، والتصوير الفوتوغرافي، نجد ذلك جلياً في الفعاليات التي تعرض في جازان أو خارجها.
المرأة الجازانية مبدعة بطبعها، شغوفة بعملها وتفانيها داخل أسرتها ومجتمعها ووطنها، أينما حلت أبدعت وتفردت، تحتاج إلى الدعم والمؤازرة من جهات الاختصاص، لا سيما وأن حكومتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين لا تألو جهداً في توفير كل ما من شأنه خدمة الوطن والمواطن ليزدهرعالياً.

ذو صلة
التعليقات