مجلة شهرية - العدد (502)  | ذو القعدة 1439 هـ- أغسطس 2018 م

تراتيل البحارة.. رحلة مواويل الدان وحكايات الغوص

فرسان الجزر الفاتنة، التي يلفها السحر والجمال، تتغنى بمواويلها وحكاياتها، مع كل رقصة موجة؛ ألف حكاية وحكاية، ومع كل ترنيمة نورس؛ أشجان من المواويل والدانات، وشتى الفنون الشعبية. يتجلى ذلك في الموروث الشعبي الهائل الذي ورثته الأجيال من حياة الأجداد والآباء، ولعل الإبداع -كما يقال- يولد من رحم المعاناة، ففرسان بزرقة مياه بحرها الآسر، الذي ارتبط بابن هذه الجزر ارتباطاً وثيقاً، وشكل معه مصاهرة حميمية؛ تجلت في تلك العذابات اللذيذة التي ولدت موروثاً خالصاً كما يقول الأديب والمؤرخ الأستاذ إبراهيم عبدالله مفتاح في كتابه (الشعر الشعبي الفرساني ومناسباته): «الموروث الشعبي الفرساني -خاصة الشعري الفرساني- بألوانه المتعددة التي أزعم أنها فرسانية خالصة في مناسباتها ونوعية موضوعاتها وفي ألحانها ورقة وشاعرية كلماتها وما تعكسه من أثر وطابع خاص للبيئة، فيه بصمتها الخاصة من بحر ونخل واغتراب وحرقة وشجن ومعاناة». ويشترك أهل فرسان مع غيرهم في كثير من ألوان الموروث الشعري الشعبي كالزامل والزيفة والسيف أو السيقي -كما يسميه أهل فرسان، وكذلك العرضة والدلع والطارق.. وغيرها من الألوان الجميلة، وإن اختلفت الألحان إلا أن هنالك موروثاً تختص به محافظة جزر فرسان سواء في الفنون الشعبية أو العادات والتقاليد، وهنا يأتي لون الدانة الفرسانية كأحد أهم الفنون الشعبية، وهو ما تنفرد به فرسان. وهذا الفن الراقص الذي يتميز بعذوبة الكلمة ورقتها، كما يشتهر بتعدد ألحانه وإيقاعاته، وتبدو في معظمها سريعة؛ عادة ما يتكون من صف أو صفين، ويقوم الشاعر أو من يتسم بعذوبة الصوت بتلقين الراقصين من ذلك الشعر، من شعر الدانة. وعلى إيقاعات الطبول، أو ما يعرف محلياً (الزير والزلفة)؛ تتهادى الأجسام رقصاً وطرباً. واشتهرت الجزيرة بالعديد من شعراء الدانة، سواء من جيل الراحلين من الرعيل الأول أمثال عمر عيسى حسن، وإن كان لون الزيفة يغلب على أشعاره، وكذا الأخوين عبدالله وأحمد عمر مفتاح، ومن ثم يأتي أبرز شاعرين من شعراء الدانة هما أبكر عثمان عقيلي وعبدالله محمد عبدالله علي اللذين انصهرا في التغني بقرى النخيل كقريتي المحرق والقصار، يقول أبكر عثمان عقيلي:
ألا القصار الصبر باقي معي أمل
             وما دام نخلك ثابت العود لا يزال
ويرجع لنا العاصف كما كان يا نخل
            ولا بد من يوم ناجي على الجمال
أما الشاعر عبدالله محمد عبدالله علي فيقول:
يقول خو علي لولا محبيني
           ما هانت عليا طولة المشوار
ولولا الوطن صوته يناديني
           ما سجلت في رحلة مع طيار
ولولا المحرق ساكنه عيني
       ما خاطرت فيك ياموج بالإبحار
هذه نماذج من الشجن المحموم بالوله والأشواق والحنين، ويتنوع الموروث الشعبي الفرساني، بل نجزم أن جزر فرسان بهذا المخزون الهائل الذي تتكئ عليه تصبح كلها مواسم خلال العام الواحد، فمن موسم الشدة، وهو انتقال الناس إلى قرى النخيل، وما يصاحب ذلك، ويشكل بمفرده موسماً فرائحياً تقدم فيه الطقوس الخاصة، خصوصاً للعروس التي في السنة الأولى من عمر زواجها، وهذا الموسم يأتي بعد الموسم الشهير موسم احتفال أهالي الجزر بصيد أسماك الحريد.
وفي هذا الموسم أي الشدة تقام الأفراح والليالي الملاح يقول أحد الشعراء الشعبيين:
بعد الحريد قربوا جمال الشدة
وهبوا للعروس مخدة
ومن المواسم أيضاً موسم (الشعبانية)، وله نكهته الخاصة لدى أهل فرسان ومدينة جيزان على وجه التحديد، والسر في ذلك غزارة الإنتاج الشعري الغنائي وتنوع ألحانه لدى الشعراء الشعبيين والتي تتجدد مع كل موسم، فتتحول المنازل إلى أنغام شجية بأصوات كل النساء وبيوت العرائس على وجه الخصوص، فتتحول المنازل إلى أجواء مفعمة بالفرح والأنس والإيقاع النسائي الراقص، إلى جانب كل ذلك فإن للبحر رونقه الخاص ومناسباته الخاصة إذ يصل الشوق والحنين ذروته عند تلك الأم والزوجة والأخت التي تنتظر عودة غائبها من رحلة الغوص التي تمتد إلى ثلاثة أشهر وهو نوع من الغناء النسائي على حد وصف المؤرخ الأديب إبراهيم مفتاح، وتشدو به الأمهات أو الزوجات ساعات القيلولة في مناجاة الغائبين في رحلة البحر:
والي بيادوه والي بسيدي
حان الوقت حان تحميل وشدان
والبادره زان تحميل وشدان
إلى أن تقول:
وأبوعيالي في القلب غالي
هو رأس مالي
والي بيادوه والي بسيدي
ويمتد بنا الحديث إلى أهازيج البحارة في رحلة الغوص والتي تعرف محلياً بـ(النبية) إذ تأتي هذه الأهازيج على أصوات حناجرهم ووجوههم السمراء المثقلة بالتعب الجميل بدءاً من التجديد إلى ارتفاع الأشرعة عندما يمخرون عباب البحر إلى معادن الغوص مع تلك الصباحات الباكرة عندما تشد سواعدهم مرددين:
يا الله على بابك يالله
يامولاي
يالله على بابك اليوم
يامولاي
ولا على غير بابك
يامولاي
(وفي نبية ثانية):
أنا جيت شاغوص
لقيت في البحر فانوس
بالذهب مغطوس
هذه عطية من الله
وخلاصة القول إن جزر فرسان تمتلك مخزوناً هائلاً من التراث والعادات والتقاليد التي أفرزتها خصوصية تلك الجزر الساحرة والعزلة التي شكلت تلك التركيبة الاجتماعية وما ورثته من إبداع فني.

ذو صلة
التعليقات