مجلة شهرية - العدد (504)  | محرم 1440 هـ- أكتوبر 2018 م

جازان مستقبل السياحة الداخلية

ما من شك أن منطقة جازان تملك مقومات بيئية وطبيعية وبشرية هائلة، تجعلها تنافس بقوة في أن تكون الواجهة السياحية الأولى في المملكة؛ لو تم استثمارها على الوجه المطلوب.
فالمنطقة تملك ثلاث بيئات طبيعية مختلفة، كل بيئة لها خصائصها التي تميزها عن غيرها، كما أن كل بيئة منها تعد في الوقت ذاته امتداداً طبيعياً للبيئة الأخرى، تشترك معها في مكونات وتختلف في أخرى؛ لكنها تتجسد في نسق واحد فريد يثري المنطقة، ويجعلها فعلاً تملك كل كنوز الطبيعة.
فالبيئة البحرية مثلاً التي تمتد على مساحة تزيد عن مئتين وخمسين كليو على امتداد ساحل البحر؛ تتوافر فيها كل مكونات البيئة البحرية المعروفة والجاذبة، من شواطئ بكر وأرخبيل جميل من الجزر المتناثرة داخل البحر الأحمر، ولعل أهمها جزيرة فرسان الواعدة. هذه الشواطئ الجميلة، وتلك الجزر المتناثرة كحبات اللؤلؤ؛ تهيئ أجمل الفرص للاستجمام والاسترخاء وممارسة الألعاب المائية والقيام بالرحلات البحرية بين مواقع مختلفة داخل مياه البحر الدافئ.
كما تتميز البيئة البحرية الجازانية بثروة بحرية متنوعة وخلاقة تسكن أعماق البحر الأحمر، تجعل منها أماكن متميزة للغوص والاستمتاع بالشعب المرجانية الجميلة والأحياء البحرية المتنوعة.
والبيئة الجبلية التي تمتد أيضاً إلى أكثر من مئتين وخمسين كيلو شرق المنطقة، تصل أعلى قمة فيها إلى نحو 3000 متر فوق سطح البحر، كما في قمة جبل الشديد. وتتميز بمناخها الممطر المعتدل صيفاً البارد شتاءً، وأيضاً طبيعتها الخضراء التي تكسو جبالها الشاهقة وأوديتها الجميلة، إضافة إلى عيونها الحارة التي تعتبر أماكن جاذبة للسياحة العلاجية والاستجمام الصحي. وتتميز البيئة الجبلية بتنوع ثقافتها، وتعدد موروثها الشعبي، وجمال تراثها العمراني، ونظام الري المتقن لمزارعها التي هي عبارة عن مدرجات زراعية في نسق هندسي رائع، أعطى البيئة الجبلية العديد من الميز النسبية الخاصة بها.
وبين البحر والجبل يمتد شريط واسع ساحلي، من الشقيق شمالاً إلى الموسم جنوباً، بامتداد المنطقة. يتميز بتنوع مكوناته الطبيعية والثقافية والحضارية والتراثية في نمط فريد أحياناً ومزيج من ثقافات المنطقة المتنوعة أحياناً أخرى، حيث إن بعض محافظاتها تجمع بين الثلاث بيئات معاً في نسق فريد وتركيبة متميزة.
وقبل هذا كله المقومات البشرية والحضارية والتراثية، فمنطقة جازان تتميز بالدرجة الأولى بإنسانها المتجذرة فيه الثقافة من القدم، وتتميز بتراثها المتوغل في أعماق التاريخ، ممّا جعل إنسان المنطقة يقبل على العمل بكل مجالاته من زمن بعيد، حيث اهتم الإنسان الجازاني بالزراعة والرعي وصيد السمك. ولأن منطقة جازان غنية بتراثها المادي وغير المادي، فلقد تشبع به إنسان المنطقة وانصهر في بوتقته حتى أصبح يلمس هذا كل من يأتي للمنطقة زائراً أو يعيش فيها، وأصبح هناك توافق وانسجام فطري بين الإنسان الجازاني وبيئته ليس مصطنعاً أو فيه تكلف، فتجد الإنسان الجازاني يحمل معه هذه السمة بعفوية أينما يذهب.
هذا الموروث الشعبي الجازاني المتنوع تمثل في التراث العمراني الفريد والرقصات الشعبية التقليدية المتميزة، واللباس التقليدي الخاص والمأكولات الشعبية المتنوعة والأواني الفخارية والحجرية.. وغيرها، وما أسواق المنطقة الشعبية من خميس الدرب إلى خميس الخوبة إلا متاحف متنقلة تجسد ما تملكه المنطقة من موروث شعبي متنوع ومتجذر في أعماق الماضي. والإنسان الجازاني بطبعه بسيط وكريم وخدوم ومنفتح على الآخر، وهذه مقومات حضارية وسياحية مطلوبة لنجاح أي مشروع سياحي، ولهذا يمكن أن ينجح الإنسان الجازاني في العمل السياحي، ويتميّز فيه متى ما اُستثمر هذا البعد على الوجه المطلوب.
لقد وضعت الهيئة العامة للسياحة والآثار بقيادة الأمير سلطان بن سلمان رائد السياحة في المملكة خطة إستراتيجية طموحة لمنطقة جازان منذ بدايات الهيئة، وقد تم تحديثها بما يتفق ومعطيات المنطقة وظروفها الخاصة. هذه الخطة الإستراتيجية حددت رؤية السياحة في المنطقة في: (أن تصبح منطقة جازان إحدى أهم وجهات سياحة الشواطئ، والسياحة البحرية، وسياحة المنتجعات الصحية في المملكة، المعززة بسياحة المرتفعات الجبلية والتراث الثقافي، وأن يتم تطوير قطاع السياحة في المنطقة على نحو مستدام يتماشى مع القيم الإسلامية والتراث الثقافي والبيئي للمنطقة). إن هذه الرؤية الطموحة تحتاج إلى خطة إستراتيجية طموحة تستثمر فيها كل الميز النسبية التي تملكها المنطقة والتي تحدد ملامح المنتج السياحي للمنطقة، وهو متنوع بتنوع ميزها النسبية، من سياحة بحرية بكل مكوناتها من شواطئ وعشرات الجزر المتناثرة هنا وهناك في أرخبيل يُجمل واجهة المنطقة البحرية، تتوسط العقد جزيرة فرسان الواعدة لتمثل مجالاً واسعاً وواعداً للاستثمار، من حيث تطوير الجزر وتوافر الشاليهات وتوافر رحلات بحرية بالقوارب والسفن بين المواقع السياحية لتقدم وجبات وبرامج ثقافية وتراثية أو بالطائرات البحرية التي تنقلك من الشاطئ إلى الجزر، وأيضاً الألعاب البحرية والغوص وغيرها. وهناك سياحة المنتجعات الصحية، حيث تملك المنطقة أفضل وأكثر العيون الحارة، مما يجعلها فريدة في المملكة، إذ تحتوي مياهاً معدنية وأملاحاً صالحة لعلاج كثير من الأمراض. كما أن المرتفعات الجبلية الجميلة والتي تمتد بخط موازٍ للشاطئ من شمال المنطقة إلى جنوبها بمناخها البارد شتاء المعتدل صيفاً؛ يمكن استثمارها للسياحة الصيفية، وتوفير المنتجعات السياحة والنزل البيئية، وتوظيفها لتكون امتداداً للسياحة الشتوية التي تركز على سياحة الشواطئ والسياحة البحرية في المنطقة، لتستمر السياحة في فصلي الشتاء والربيع. وأخيراً فإن تنوع التراث المادي وغير المادي الذي تملكه المنطقة يضيف إلى الميز النسبية الأخرى نكهة المنطقة وشخصيتها المختلفة.
لقد حان الوقت أن يلتفت رجال الأعمال والمستثمرون للاستثمار السياحي في منطقة جازان، فهي تملك اليوم بنية تحتية قوية وعنصراً بشرياً مؤهلاً وقيادة تنموية واعية وداعمة، تتمثل في سمو أمير المنطقة الأمير محمد بن ناصر بن عبدالعزيز وسمو نائبه الأمير محمد بن عبدالعزيز بن محمد بن عبدالعزيز اللذين يبذلان قصارى جهودهما لدعم كل مشاريع التنمية وتقديم التسهيلات للمستثمرين من داخل المملكة وخارجها. فأهلاً وسهلاً ومرحباً ألوف بالمستثمرين في منطقة كنوز الطبيعة.

ذو صلة
التعليقات