مجلة شهرية - العدد (505)  | صفر 1440 هـ- نوفمبر 2018 م

الأسواق الشعبية.. تجارة ومنافع للناس

ذاكرة
أتذكر في زمن بعيد جداً أن الرجال وبعد صلاة العشاء كانوا يفترشون الأرض أمام دكان والدي العائد من السوق الأسبوعي وبعد السلام والاطمئنان يسألونه:
ما الأخبار في (الوعد) اليوم يا محمد؟
حينها يبدأ والدي سرد أحداث السوق الأسبوعي والذي يكون قد عاد منه عصراً في الأغلب وغالباً ما يكون سوق (أبوعريش) أو سوق الأربعاء أو كما كنا نلفظه نحن: سوق (الربوع) وربما سوق صبيا.
إذاً السوق لم يكن شأناً تجارياً بالمعنى المتعارف عليه ولكنه أوسع من ذلك، هو موعد أو (الوعد) كما كنا ننطقه، وعد التقاء الناس كل أسبوع.
وعد أو موعد لشؤون حياتية واجتماعية وبالطبع تجارية وهكذا كانت الأسواق الأسبوعية قديماً وهكذا تحاول أن تظل الآن ولو على المستوى التجاري وللحفاظ على ذاكرة المكان.


مدن وأسماء
كما يلاحظ أن أسماء هذه الأسواق تستمدها من أسماء المدن التي كانت تقام فيها وأيضاً من خلال الأيام التي يقام بها السوق الأسبوعي بل إن بعضها مستمد من يوم السوق نفسه كسوق الأحد أو سوق أحد المسارحة وأسواق أخرى خارج نطاق منطقة جازان.
فسوق الثلاثاء أو (الثلوث) أو سوق صبيا هو سوق أسبوعي يقام في مدينة (صبيا) يوم الثلاثاء من كل أسبوع، وقد يكون اسم اليوم فقط كافياً للدلالة على اسم السوق، وما أن يقول قائل سوق الأربعاء مثلاً حتى يعرف المستمع أنه يعني السوق الأسبوعي المقام في مدينة أبوعريش ذلك أن هذه الأسواق وعلى مدى مئات السنين حدد إنسان هذه الأرض أيامها ومواقعها بحيث تكاد تغطي كامل المنطقة ولا تتعارض أو تتقاطع مع بعضها واضعاً في الحسبان عامل المسافات بين القرى وبحيث يكون هناك نشاط تجاري مجتمعي (وعد) على مدى أيام الأسبوع.
وهكذا تشكلت الأسواق وكان أشهر الأسواق الشعبية في المنطقة سوق السبت في مدينة بيش أو ساحل بيش وسوق الأحد في مدينة أحد المسارحة، وسوق الاثنين في سامطة وتكرر في ضمد لأن المسافة الكبيرة بينهما (قديماً) كانت تسمح بذلك، والثلاثاء في صبيا والأربعاء في أبوعريش والخميس في النواحي الجبلية، الخوبة والعارضة وعيبان (فيفا) والجمعة في مدن صغيرة كهروب والمشوف ولا أظنها ما زالت قائمة حيث أصبح يوم الجمعة يوم عبادة فقط.


منافع للناس
لعبت هذه الأسواق في زمنها وعلى مدى عقود طويلة أدواراً اجتماعية كبيرة، وهي كما أسلفنا لم تكن مخصصة فقط للبيع والشراء وإن كان هذا الملمح الرئيس فيها إلا أنها ولندرة أدوات التواصل وصعوبة التنقلات والمسافات في ذلك الحين كانت مكاناً للتلاقي بين أفراد المجتمع حيث يلتقي القادمون من أماكن متباعدة ويتبادلون الأخبار فيما بينهم وينقلون رسائلهم للبعض ممن لم يحضر السوق، ويعقدون صداقات ويطلعون على ما كان يحدث في أماكن بعيدة عنهم.
وهم بدورهم أعني المتسوقين كانوا يعودون وينقلون هذا الأخبار لقراهم ونجوعهم وهكذا كان يتواصل العالم الصغير.
وعلى هامش السوق أيضاً تُبلغ الأوامر أو التعليمات القادمة من جهات السلطة، الشيخ أو الحاكم لا فرق ويتم ذلك عبر المنادي أو (الصائح) حيث يتجول في السوق وينادي: يا أهل السوق الحاضر يبلغ الغائب، ثم يتلو رسالته والتي ينقلها المتسوقون ويعودون بها أيضاً.
وحتى المتقاضون في المحاكم كانوا يوقتون فض منازعاتهم ليوم السوق والتي غالباً ما تحل في اليوم نفسه تخفيفاً على المواطنين.
وعلى هامش السوق تنفذ الأحكام التعزيرية أحياناً وتعرف الأسعار، وأماكن نزول المطر ووصول السيول وأين هي الأرض التي قد رويت أو استوى زرعها حيث تشد نحوها الرحال. وقد تعقد مشاريع صفقات تعارف أو تلميح لخطوبة أو زواج، وجمع ديات وإعطاء ضمانات والبحث عن الغائبين أو المفقودين وهكذا يتجاوز السوق منظوره التقليدي إلى ما هو أوسع ويغدو منتدى أو(وعد) كما كان يسميه العامة أو مكان تواعد ووصل يربط بين أفراد المجتمع في زمن ندرة وصعوبة الاتصالات وصعوبة المواصلات.
أشهر الأسواق
الأسواق الأسبوعية ليست حكراً على المنطقة بل وجدت في أماكن كثيرة وهي مشهورة وبعضها موغل في التاريخ لكننا نذكر هنا أسواق تهامة أو محافظة جازان ومن أشهرها أسواق صبيا وأبوعريش والحرّث (الخوبة).
وقد كانت هذه الأسواق داخل المدن وتبدأ عادة بعد صلاة الفجر وتنتهي غالباً قبل صلاة العصر.
وعندما كبرت وتوسعت نقلت خارج المدن لتستوعب التوسع البشري والتجاري، ثم تجزأت إلى أماكن مختلفة كأسواق للمواشي وأخرى للأعلاف ومثلها للبضائع والجزارين وبائعي الفواكه والخضار والحلويات.
هذه الأسواق أيضاً كانت تقام في عصر كل يوم ولكن على نطاق محدود يخص المدينة ذاتها وربما القرى المجاورة لها.
ورغم التغيرات المتسارعة إلا أن هذه الأسواق بقيت محافظة على الحد الأدنى من شكلها القديم حيث البسطات غالباً على الأرض وتكون مكشوفة أو تحت خيام وأشرعة تنصب يوم السوق ثم تزال.
غير أن بعض المدن وبتدخل من البلديات بدأت ببناء مبانٍ لهذه الأسواق ومحاولة تنظيمها وهي بالتالي تفقد تدريجياً زخمها التاريخي ومكونها التراثي وطبيعة مرتاديها ونوعية البضائع حيث دخل الاستهلاك المريع على الخط ولم يعد البائع محلياً ولكن من بقاع شتى وهكذا فرضت الحياة هذه التغيرات.


أعراف
في تجمعات كهذه وفي ندرة رجال الشرطة والأمن في تلك الأزمنة كانت تحكم هذه الأسواق بل وحتى المجتمع بأسره أعراف محلية وقبلية تقوم على ثقافة الثقة والصدق والخوف من العيب التي هي أقوى غالباً من أي سلطة.
وبالطبع ما من غرباء كانوا وحيث يكاد الكل يعرف الكل أو يعرف على الأقل قراهم وقبائلهم ومشايخهم وبالتالي يسهل فرض هذه الثقافة؛ ثقافة الثقة والصدق وتجريم العيب.
وكان لكل نوع من التجارة دلالوها أو ضامنوها وحتى شيوخها، ولا تباع مثلاً شاة أو بقرة دون معرّف، هذا المعرف يكون هو الضامن أن المباع غير مسروق مثلاً أو ليس به عيوب، ويقوم الدلالون أحياناً بهذا العمل وكتابة أوراق صغيرة للتعريف ثم قبض مبلغ بسيط نظير ذلك.
وبالطبع هناك شيخ للسوق قد يكون شيخ القرية وذلك قبل أن تترسخ السلطات الحكومية وأصبح كل شيء يخضع للجهات الحكومية حتى وإن بقيت بعض الأعراف، غير أن الكثير من هذه الأعراف انتهى.


المرأة
كان حضور المرأة في السوق ومزاولة التجارة والتسوق كبيراً وكلما اتجهنا نحو الأماكن الأقل تمدناً كلما كانت مشاركة وحضور المرأة أكثر وما من شيء مستغرب أبداً.
بل إن بعض تجارة التجزئة إن صحت التسمية كانت حكراً على النساء كبيع السمن والعسل والقطران والفحم والحطب ومستلزمات النساء العطرية.
ولكم كنا نرى الصبايا الجميلات والمتزينات بالوشم والكحل وهن يبعن الليمون والخوخ والقشطة والبن وما من أحد يستغرب وما من أحد يتجرأ على مضايقتهن بل وأحياناً يمازحهن ولكن ضمن حدود الأدب والقيم والأعراف الجميلة.
وكانت المرأة أيضاً وحدها تقوم بإعداد الطعام للمتسوقين ضمن دائرتها الصغيرة وحيث تطبخ وتخبز في التنور وتقدم الشاي وبالطبع مع مساعدين أو مساعدات.
وظل هذا النوع من المطاعم متداولاً وعلى مسار طريق الحاج الجنوبي وحتى مكة المكرمة، لكنه يختفي الآن إلا في أطر ضيقة جداً.


وما زالت المرأة حتى الآن تتواجد في الأسواق الأسبوعية لكن دورها تقلص كثيراً.
تغيرات
ولم تعد الأسواق الأسبوعية الآن كما كانت وحيث أصبحت ثقافة التسوق كل يوم وفقدت وهجها ولذة انتظارها ولم يعد العرسان ينتظرون السوق الأسبوعي للتبضع وشراء مستلزمات العرس، ولم يعد المحتاجون ينتظرون يوم السوق لبيع دوابهم وشراء مستلزماتهم، وفقدت الأسواق الشعبية شكلها ومضمونها إلا في حده الأدنى بعد أن مستها يد التطور الذي تفرضه الحياة.
لكنها لي ولمن هم في سني ذاكرة تستعصي على النسيان.


وبعد
لقد لعبت هذه الأسواق وعلى مدى عقود دوراً اجتماعياً كبيراً يتجاوز المنظور التجاري وصنعت ثقافتها وتقاليدها، واختفاؤها اليوم أو تلاشيها أو تحويلها إلى مراكز حديثة شيء محزن، وأتمنى حماية خصوصيتها في حده الأدنى، ففي معظم المدن الأوربية تقام هذه الأسواق بشكلها الفلكلوري في الشارع وحيث يهبط القرويون من قراهم يبيعون الخبز المنزلي والزيتون والأجبان والمشغولات اليدوية.
ومن أجل ذلك تقفل شوارع وتنصب بها بسطات ومظلات وترفع بعد منتصف النهار أو في العصر تقريباً، وليتها تقام هنا وليت الأسواق الشعبية تظل بشكلها التراثي والاجتماعي التقليدي.

ذو صلة
التعليقات