مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

إطلالـة تاريخية على جازان.. المخلاف السليماني

جازان، أو (المخلاف السليماني)، كما يُعرف قديماً وما زال، منطقة صغيرة جنوب غرب الجزيرة العربية، صغيرة في مساحتها عريقة في تاريخها، حفظت لنفسها تاريخاً طارفاً وتليداً، لم يكن تاريخها وليد لحظة عابرة فيزول مع الأزمنة، بل ثابتاً ثبوت الجبل الأشم، نُقِش على صخورها في جبالها الشاهقة وضفاف أوديتها الخصيبة الوارفة. بقيت قصورها ومدنها العتيقة شاهدةً على جازان الأرض والإنسان، مدنٌ توارثت المجد الحضري والفكري، وأسرٌ كتبت العلوم في كلِّ فن. ولّادةٌ للشعراء، فياضةٌ بالعلماء والأدباء على مر القرون.
 بما أنَّ هذه السطور تدور في فلك تاريخ جازان، فلن أكون بعيداً عن اسمها التاريخي (المخلاف السليماني)، فقد اختلف المؤرخون في مصادرهم ومراجعهم التاريخية حول التسمية بهذا الاسم وانقسموا إلى فريقين قديماً وحديثاً، فالفريق الأول ينسبه إلى سليمان بن طرف الحكمي والفريق الآخر ينسبه للأشراف السليمانيين القادمين من الحجاز، وكلٌّ له رؤيته وحجته، لم يكن القدماء يهتمون بالاختلاف حول تلك التسمية بقدر ما يهمهم من تدوين للتاريخ، الأمر الذي نجم عنه الاختلاف الحديث، ولا جدال في أن النسبة لها دورها في فرز الآراء وإبراز الحقيقة التي ستعطينا قاعدة صلبة يبنى عليها تاريخٌ صادقٌ خلواً من الفرى.
 ومهما يكن من أمر، فإن المؤرخين لا يختلفون في أن المخلاف السليماني، هو ما بين الشرجة جنوباً- إذْ إن مدينة حرض جنوب الشرجة، هي من أوائل اليمن كما يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان - إلى حلي بن يعقوب شمالاً. يتقلص ويتمدد حسب المتغيرات السياسية.
ومما يجدر ذكره عن جازان، للاستئناس بعض الروايات التي ينقصها الدليل، أنَّ المخلاف السليماني منسوب إلى نبي الله سليمان بن داود عليه السلام، ورواية أخرى، هي أنَّ جازان حبس لجن سليمان عليه السلام، والكلمة مركبة من كلمتين، هي جاء زان، فجاء من المجيء وزان، هو السجان، ومثل تلك الروايات الأسطورية لا يمكن الاطمئنان إليها والأخذ بها ما لم يدعمها الدليل القاطع.
 ورد اسم جازان وبعض مواضعها في النقوش المسندية الجنوبية، كنقش الواقر، الذي يثبت بعض الضرائب على وادي جازان وخلب، ونقش بمحرم بلقيس في مأرب الذي يعود تاريخه إلى عهد الملك الحميري (شمر يهرعش) وهو يسجل حملة ضد قبائل المنطقة.
 ولا يخفى على مطَّلعٍ في جغرافية جازان أنها تحوي كثيراً من أودية تهامة الشهيرة، والخصيبة المنتشرة في سهلها الفسيح، كتعشر، وخُلَب، وجازان، وضَمَد، وصبياء، وبيش، وهذا ما يحتاجه الإنسان، الماء والكلأ، فكان الاستيطان البشري لجازان منذ آلاف السنين يثبت ذلك، النقوش الصخرية في الجبال لبعض التماثيل والنقوش (الثمودية) في الصخور على ضفاف الأودية والحزون والجزر، إذ وُجِدت بعض النقوش المسندية الجنوبية في جزر فرسان، بل عُثر كذلك على بعض الأدوات الحجرية التي تعود إلى الحضارة الآشولية الصناعية في مواقع بوادي جازان وجبال عكوة وشرق مدينة أبوعريش.
 وقد ورد اسم جازان كذلك في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وشعر شعراء القرون الهجرية الأولى، ففي الحديث أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أحب الجهاد والهجرة، وأنا في حال لا يصلحه غيري، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لن يألتك الله من عملك شيئاً ولو كنت بضمد وجازان). وضمد وجازان هما من أودية منطقة جازان، وأشهر صحابي وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، هو الصحابي عبدالجد الحكمي.
ويقول الشاعر الأموي أبو دهبل الجمحي:
سقى الله جازان ومن حل ولية
          فكل مسيل من سهام وسردد
أما التسمية بالمخلاف السليماني، فلا خلاف بين المؤرخين أنها في القرون الهجرية الأولى، بعد استبعاد بعض الروايات الهشَّة.
 يزخر المخلاف السليماني بكثير من المدن التاريخية العتيقة الضاربة في عمق التاريخ، والآثار العمرانية القائم منها والمندثر، ومن أشهر تلك المدن:
مدينة عثَّر
 وهي مدينة إسلامية كبيرة طيبة، وسوق عظيم الشأن على ساحل البحر الأحمر، وميناء مهم لمدن جنوب الجزيرة العربية، وبها جامع عامر كانت دار حاكم المخلاف بجواره، وهي تعدُّ قصبة مخلاف عثر ومركزها، وبها دارٌ لسك العملات العثرية المشهورة، لم يرد لها في المصادر التاريخية أي سبب للتسمية غير ما ذكره ياقوت الحموي في معجمه بأنه من التعثر، فتقول مثلاً: تعثَّر الرجل. بيد أنَّ هناك رأياً حديثاً يقول: إن تسمية عثر له علاقة باسم عثْتَر، وهي إحدى الآلهات القديمة التي كانت تقدّس وتعبد في اليمن قديماً. ورأي مثل هذا حقيقٌ بالفحص والتدقيق ومزيد دَرْس، فلا يمكن الأخذ به على علاته.
هذا وقد ورد ذكر عثَّر على ألسنة الشعراء قديماً، فمنه ما كان يتغنى به الرجل الذي قُتل على يد الصعلوك تأبط شراً قول الشاعر:
خير الليالي إن سألت بليلة
            ليل بخيمة بين بيش وعثرا
لضجيج آنسة كأن حديثها
          شهد يشاب بمزجة من عنبر
وضجيع لاهية ألاعب مثلها
         بيضاء واضحة كظيظ المئزر
ولأنت مثلهما وخير منهما
           بعد الرقاد وقبل أن تسحري
ولعثر وعتود تنسب الأسود، وهي من أشهر مآسد الجزيرة العربية قديماً.
يقول الشاعر عروة بن الورد:
تبغاني الأعداء إما إلى دم
         وإما عراض الساعدين مصدرا
يظل الإباء ساقطاً فوق متنه
    له العدوة القصوى إذا القرت أصحرا
كأن خوات الرعد رزء زئيره
          من اللاء يسكن الغريف بعثرا
ويقول آخر:
ليث بعثر يصطاد الرجال إذا
ما الليث كذب أقرانه صدقا
وقال ابن مقبل:
جلوساً به الشعب الطوال كأنهم
         أسود بترج أو أسود بعتودا


جازان العليا (درب النجا)
هي مدينة تاريخية تعرف باسم جازان العليا، وبالدرب، وبدرب النجاء، لا يعرف على وجه التحقيق عن ماضي تاريخها القديم سوى أنها كانت قاعدة لإمارة وادي جازان الشهير، وقد اتخذها أمراء (المخلاف السليماني) من الغوانم، والشطوط، ومن بعدهم القطبيين، عاصمة لهم، وقد تعرضت للكثير من الهدم والحرق، وأحرق ما كان في مكتباتها من كتب نفيسة، على يد شريف مكة، والغز ولاة زبيد، وآثارها تدل على قدم عهدها فقد اشتهرت بمناعتها وحصانتها، وشهرت كذلك بقلعتها الثريا وقبابها، وقد تغنى بها شاعر المخلاف في القرن السابع ابن هتيمل في شعره، فيقول:
إذا ما راح الخطّ لم تردِ هارباً
      إلى (الدرب) أردته رماح المكائد
وما خلفه من صرح ممرد
          وكان كشيطان من الجن مارد
 وقد عاود الشريف أحمد بن غالب في الثاني عشر الهجري إعمارها بعد خرابها، وأرادها أن تكون مقراً لإمارته، ثم طالها الخراب، بعد خروجه من المخلاف إلى يومنا.
الخصوف
وهي قاعدة مخلاف حكم أحفاد الصحابي عبدالجد الحكمي، وتقع على إحدى عدوتي وادي خُلَب.
أبوعريش
كانت عاصمةً للمخلاف لقرون، ودار سك للعملات في عهد الشريف حمود بن محمد الخيراتي (أبو مسمار)، وقد اشتهرت بكثرة حصونها وقلاعها وآثارها المعمارية، كقلعة الشامخ وقلعة نجران وقلعة دار النصر العسكرية، وقلاع وحصون حي الديرة جنوب المدينة، ومسجد القباب الذي أسسه أعمره الشريف حمود (أبو مسمار).
وغير ذلك من المواضع والمدن كالمنارة -غرب وادي جازان- والسهي والراحة وصبيا، وضمد، وبيش، وجازان البندر ودرب بني شُعْبة (درب ملوح).
تعاقبت على حُكْم المخلاف السليماني أُسَر وولاةٌ وأمراء، مختلفون، وشهد حروباً وصراعات ومتغيرات سياسية تقسّم معها المخلاف وتقلَّص وتمدد. حَكَمَ المخلاف السليماني، بنو الحكم أحفاد عبدالجد الحكمي، وبنو مخزوم القرشيون، ومن بعدهم بنو طَرْف الذين اتخذوا من مدينة عثّر الساحلية عاصمةً لهم، ومن بعدهم الأشراف السليمانيون وقد حكموا المخلاف مدة طويلة، وهم الغوانم (الشطوط) والقطبيون والذروات والخواجيون، ثم الأمير الشريف أحمد بن غالب الخارج من مكة، ثم النمويون آل خيرات وانتهت بإمارة الأدارسة عام 1351هـ، بانضمام المنطقة تحت لواء الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله موحد هذه البلاد، وفي فترات حكم الأشراف تخللتها بعض فترات التولي العثماني، الذين خرجوا من المنطقة بعد معركة الحفائر عام 1329هـ، في حربٍ ضد قبائل المنطقة، وحكمها أشبه بحكم ذاتي، يثبت ذلك علاقاتها الخارجية مع القوى السياسية المجاورة لها، فلم تكن سيطرة تلك القوى إلا لإضفاء تبعية اسمية وأدبية لها، فلم يكن الحكم إلا لأمرائها، إلا في بعض فترات ضعفها وفترات النفوذ العثماني، فهي تتبع الحجاز مرة واليمن أخرى ومصر تارة، كذلك نجد في ظل الدولة السعودية بعد دخول الجيش السعودي ولأول مرة للمخلاف السليماني عام 1214 هجري، وذلك عندما انتشرت الدعوة الإصلاحية في كثير من أقاليم الجزيرة العربية.
 تمتاز المنطقة بتاريخها الفكري والعلمي كثيراً، وهي تسير بتوازٍ مع تاريخها السياسي إن لم تتجاوزه، ففي الوقت الذي كان ظلام الجهل يعم بعض الأقاليم في الجزيرة العربية كان المخلاف السليماني مركزَ إشعاع علمي وفكري، يقرب من منافسة الأقاليم العلمية الكبرى في الجزيرة العربية كالحجاز واليمن، ويعود ذلك إلى قربها من المراكز العلمية في الجزيرة العربية ووقوعها على طريق الحج والتجارة وما زالت بعض آثار تلك الطرق ومسميات محطاتها، باقية إلى يومنا هذا، فجازان تحتل جزءاً مهمّاً من سهل تهامة ما بين الحجاز واليمن ولا يخفى على المطلع في تاريخ الجزيرة العربية الارتباط التاريخي بين هذين الإقليمين.
 لم يكن المخلاف السليماني بمنأى عن الظواهر العلمية، كرحلات الطلب العلمية، وظهور الهجر العلمية والمكتبات الخاصة المخطوطة، وهذا مما أكسب المخلاف مكانة علمية عالية.
هاجر الكثير من طلبة العلم إلى الأصقاع والحواضر العلمية للطلب كاليمن والحجاز ومصر فطلبوه في زبيد وصنعاء ومكة والمدينة ومن هجرها التي اشتهرت بها جازان وليس على سبيل الحصر صبيا وأبوعريش وضمد والشقيري.. وغيرها، وبرزت أسر علمية ظلت تمد المنطقة بالعلماء العاملين والمحققين والمؤلفين. وصل بعضهم إلى درجات الاجتهاد، فألفوا في كثير من الفنون وبرعوا فيها، كالطب، واللغة، والتفسير، والفقه، والحديث، والتاريخ، والتراجم، والسير.
أما شعرها وأدبها الذي اشتهرت به منذ قرون مضت، فما زالت ينابيعهما تفيض علينا إبداعاً وألقاً، منهم الشاعران العباسيان، القاسم بن علي بن هتيمل الخزاعي الضمدي، وعمارة الحكمي صاحب البيت البلاغي الشهير:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها
عقود مدحٍ فما أرضى لكم كلمي
ومعهما أحمد بن فليته الحكمي أول من أدخل الموشح الذي يعرف في اليمن بالحميني، وهذا ليت شعري، يكفي جازان فخراً بهم! ولكنها ظلت تفيض علينا بالشعراء والأدباء على مر القرون، ولم تبخل.
لم يقف الشعراء في جازان (المخلاف السليماني) عند الشعر وكتابته بل تجاوزوا ذاك إلى ترف الملتقيات الشعرية في منتزهاتهم بربوع تهامة، فتعقد الملتقيات وتضرب كؤوس الشعر بين شعرائهم.
حضر الشعر في جازان، وآزره السرد فلم يكن السرد غائباً، ولا حديث عهد قريب، كما يقول بعضنا فقد عُرف الأدب السردي منذ وقت مبكر في جازان، إذْ كان أول ظهور له في القرن الثاني عشر الهجري، على يد الحسن بن علي البهكلي (1099 - 1155) هجري، من خلال محاولته السردية في مقامته التي كتبها (المقامة الضمدية)، وكذلك محاولات المؤرخ والأديب عبدالله بن علي العمودي (ت 1398هـ) وكتابته في أدب الرحلات من خلال (الرحلة الفيفية).
فلا يمكن ربط ظهور هذا الجنس الأدبي في منطقة جازان، بالعصر الحديث وبدايات النهضة الأدبية في بلادنا المملكة العربية السعودية بعد توحيد البلاد، وذلك بربطها بظهور أول قصة للقاص محمد بن زارع عقيل عام 1357 هجري (قلب الأسد) التي نشرت بمجلة المنهل، ويمكن القول إن (القصة القصيرة) تمثل بدايتها في المنطقة قصة (قلب الأسد).
 أما الآن فقد ظهر الكثير من المبدعين في الرواية، والقصة، والقصة القصيرة، والقصيرة جداً (ق.ق.ج)، وأعلامها كُثُر، وليس المجال هنا لحصرهم.
وهذا يعكس حالة النبوغ الفكري والثقافي الذي بلغته جازان في عهودها الماضية، وتقدمه في عصر نهضتنا الحديثة في شتى مجالاتها.
هذه كما ذكرت في العنوان إطلالة عجلى، لا تفصيل فيها، على تاريخ جازان (المخلاف السليماني) حاولت فيه تسليط الضوء على ما استطعت من تاريخها، وتفصليها يعوزه مساحات أوسع، فقد ألفت الكتب وقدمت الدراسات الحديثة الأكاديمي منها وغيره، في تاريخ جازان بشقيه: الشق السياسي والشق الفكري والعلمي، وزيادةً على ذلك الكتابات التي قدمها الرحالة العرب والغربيون، الذين وطئت أقدامهم أرض جازان، كالأديب الرحالة أمين الريحاني، والرحالة الإيطالي دي فارتيما أو الحاج المصري وهو من أقدم الرحالة الأوروبيين للجزيرة، كانت رحلته ما بين عام 908 إلى عام 915هـ، وقد مكث في مدينة جازان الساحلية ثلاثة أيام ووصفها وصفاً رائعاً وقال: (إنها تمثل منطقة مثمرة جداً ذات منظر خلاب)، والرحالة الفرنسي موريس تَامِيزِيه، والرحالة البريطاني هاري سانت جون فيلبي الذي عبر جبالها وسهولها ماراً بمرتفعات قبائل خولان بن عامر، فيفا وبني مالك والعارضة، موثقاً لحصونها وقلاعها وعادات قبائلها وحلوله ضيفاً على شيوخها، وهي قبل ذلك كانت معقلاً من معاقل التعليم، الذي تولته أسرة آل الغالبي، ونزولاً بعد ذلك إلى أبوعريش وجازان، والرحالة الإنجليزي ولفرد ثسيجر، وغيرهم كالرحالة وعالم الخرائط والرياضي نيبور، فلم يكن نصيب جازان وافراً من الرحالة الأوربيين إلا أنه يمكن الاستفادة مما قدموه من كتابات في سدِّ بعض الفجوات التاريخية من تاريخ جازان.

ذو صلة
التعليقات