مجلة شهرية - العدد (553)  | أكتوبر 2022 م- ربيع الأول 1444 هـ

المراكز الثقافية وتراكمية المشهد المعرفي

كم أرجو أن تتفاعل وزارة الثقافة مع مشروع إنشاء المراكز الثقافية القاضي بدمج الأندية الأدبية مع فروع جمعية الثقافة والفنون ويتم تسميتها بأسماء الرواد عرفاناً واتصالاً، مع التأكيد على أنه لا توجد أمة قد نهضت دون بناء تراكمي وسلسلة متصلة من المعرفة والبحث، ذلك أن النهضة ليست وجبة سريعة يتم تحضيرها في زمن قصير، وإنما فعل حضاري ممتد، تقوم أسسه على قواعد متينة ومتصلة من البحث والتأمل بعمق في ثنايا التجربة، بغية الوصول إلى أفضل صيغها المتجددة.
هكذا هي الحياة المعرفية لمن أراد سبيلاً، وهي النموذج الأمثل لمختلف المؤسسات المعنية بتنمية المعرفة وتأصيل وتجويد حركة الثقافة بين أفراد المجتمع، وفي إطاراتها المعرفية كالأندية الثقافية ومنصات الثقافة الورقية والإلكترونية من مجلات دورية وكتب معرفية متنوعة، وإطاراتها العلمية كالجامعات ومراكز الأبحاث وغيرها، وهو ما اعتنت به مختلف الشعوب المتقدمة معرفياً شرقاً وغرباً، وأخفقنا حتى اليوم في تنفيذه بشكل مهني وفاعل سواء في الإطار الأهلي أو الرسمي، ولعمري فذلك جزء من إشكالنا الحياتي المعاش.
تبدأ الحكاية ـ وأعني بها حالة القطيعة مع الموروث بشكل مطلق ـ منذ عقد الثمانينات، حين تبنى الحداثيون الانتماء لمختلف الأفكار الغربية وعملوا على نشرها بشكل مكثف، ليس بوصفها أفكاراً يمكن مناقشتها والاختلاف معها، وإنما بوصفها أفكاراً للخلاص وترياقاً نسعى من خلالها لبلوغ غايات النهضة المتوخاة.
من هنا انبثق أصل الإشكال بين الحداثيين والتقليديين في وقته، وركب موجته الصحويون الذين أقحموا أنفسهم في شأن متعلق بالفكر والحداثة الأدبية، فقاموا بإثارتها غبراء على مختلف رموز الحداثة في حينه، وكان أن زاد انحراف المسار الثقافي، ليتحول الأمر من شأن معرفي بحت، إلى قضية تمس الدين وفق تصور أولئك الصحويين الذين كانت لهم مآربهم وأهدافهم الخاصة.
أعود إلى أصل الإشكال فيما أرمي إليه وأناقشه حول موضوع انقطاع حالة التراكمية المعرفية، لأشير إلى أن تبني الحداثيين بشكل مطلق لتلك الأفكار الناتجة عن عالم الأنوار الغربي، قد قطع سياقنا المعرفي الذي كان يجب أن نستفيد منه، ونوثق الاتصال به بهدف بلوغ عالم أنوارنا نحن، وصولاً إلى حداثتنا الفكرية التي حتماً ستتقاطع مع غيرها، ولكن انطلاقاً من سياقنا الفكري وليس سياقات غيرنا الذهنية والفكرية.
وكان أن أدى ذلك إلى حدوث الفجوة بين واقعنا ورواد تراثنا المعرفي من علماء المدرسة العقلية الذين استفاد منهم الغرب التنويري، وقاموا بهضم أفكارهم من بعد ترجمتها وتأملها ثم توظيفها لتخدم سياقهم الذهني والمعرفي، فكان أن تعززت في ثقافتهم عبر معابر الاتصال بالأندلس المفقود وصقلية، مفاهيم قيمية وفكرية أصيلة في تراثنا المعرفي كالعدالة، والحرية، والمساواة، ونظام العقد الاجتماعي وغيرها، وكانوا من قبلها واقعين تحت سيطرة الكنيسة بأفكارها المنغلقة.
وفي تصوري فقد أدت نتائج هذه القطيعة المعرفية مع الموروث العربي والتي استحكمت حلقاتها خلال عقد الثمانينات، وزامن ذلك بروز الظاهرة الأكاديمية في صورتها الجوفاء، إلى إغفال الاهتمام بجيل الرواد المثقفين في عالمنا العربي بوجه عام والمملكة العربية السعودية بوجه أخص، وهم مَن حمل على كاهله، وفي ظروف صعبة، مهمة إشاعة المعرفة بمختلف أطرها ضمن محيطنا المجتمعي، فكان لهم دور لا ينسى في بلوغ ما نحن عليه، غير أن وجودهم بات شبه معدوم في الذاكرة الشبابية على وجه الخصوص، وما أسوأ أن ترى شاباً وشابة ينتمون إلى حقل المعرفة وطريق الثقافة ولا يعرفون رجالاً بلغوا شأواً عالياً في الثقافة والمعرفة في ظروف بالغة الصعوبة من أمثال الشيخ حمد الجاسر، والشيخ عبدالقدوس الأنصاري، والأساتذة أحمد السباعي، ومحمد حسين زيدان، ومحمد حسن عواد، وحمزة شحاتة، وأحمد قنديل، وطاهر زمخشري، وأحمد عبدالغفور عطار، وعبدالكريم الجهيمان، وغيرهم ممن لا يمكن حصرهم في مقالة سيارة.
من أجل ذلك كانت دعوتي ولا تزال إلى أهمية التفكير بجد في بناء مسارنا التراكمي المعرفي والثقافي، والبدء بجدية في توثيق عرى الاتصال والتواصل مع مَن سبقنا من جيل الرواد ومن قبلهم، ورجوت أن يتم التركيز عليهم في مختلف التظاهرات الثقافية العامة كمعرض الكتاب مثلاً، الذي يمكن أن يسمي كل دورة منه باسم أحد الرواد مع تخصيص ندوة عنه، فيترسخ فعلهم ووجودهم في أذهان النشء المعاصر، ويكون ذلك محفزاً لهم للارتباط المعرفي بمسيرتهم وسبيلهم الذي ارتضوه.

ذو صلة
التعليقات