مجلة شهرية - العدد (553)  | أكتوبر 2022 م- ربيع الأول 1444 هـ

لهيكلة الأسرة عندنا Family Planning

فكرة تنظيم وإعادة هيكلة الأسرة آن أوانها منذ أمد طويل؛ وذلك مع تزايد تعقيدات الحياة، وتآكل البيئة والتصحر، وتعاظم المصروفات المنزلية والعامة والتفاقم السكاني.
ومن أساسات تنظيم الأسرة عندنا الحرص على تلبية الدعوة الحكومية المباركة، المعبر عنها مؤخراً في ربيع هذا العام 2022م، فقالت بتوجيه الناس للعمل على تخفيف التزاحم السكاني وتفاقم أعداد تناسل الناشئين مما يضاعف من أعداد (طالبي العمل).
فعلينا محاولة الرفق بالموارد الطبيعية والبيئية، ومختلف المرافق والمرور والطرقات ومواقف السيارات وأماكن الترفيه وأسرة المستشفيات.
وعلينا التذكر والتذاكر عن الواقع بأن جل مساحة المملكة متصحر وصحراء، وعن محدودية المساحة الصالحة للزراعة، ناهيك عن المناسب من السكنى.
وأذكر إحدى توصيات فريق البنك الدولي الذي تعاقدت معه المملكة في أواخر عهد الملك فيصل بأهمية ضبط نسب التناسل عندنا، فكانت هكذا توصية، ولما تترعرع بعد ما أسميناه وقتها بالطفرة البترولية! وأذكر نسبة النمو السكاني المشار بها في تقريرهم، حتى في تلك الحقبة، بأن كانت 3.46 %، وعلى أنها مرتفعة، مقارنة بالإحصاءات العالمية وقتها.
وكان ذلك في 1974م، إبان إعداد الخطة الخمسية (الثانية)! وبالكاد بعيد بزوغ ما كنا ننعته بالطفرة النفطية!
(وقبلها بأقل من عقد، كنا نتداول في كتب مدارسنا أن تعداد سكان المملكة كان نحو ستة ملايين).
فإن دعوتي هنا لإعادة هيكلة الأسرة عندنا تعتمد على 15 نقطة.. وهي:
1 - أن لا يشرع في التفكير في الزواج ولا في حجز قاعة الزفاف، إلخ، قبل إتمام التأهيل الكافي بشهادة عليا فوق الثانوية لكل من الخطيبين المرتقبين.
2 - وبعد الأخذ في الحسبان الفترة المعتادة لحمل (الملف الأخضر)، (أو ما يعادلها من فترات انتظار الوظيفة)، فلعل من المنصوح به أن يكون سن عقد النكاح عندنا (نبوياً): أي في نحو سن الـ25عاماً: (26 بالتقويم القمري/الهجري).
3 - أن يأخذ الخطيبان دورة أو أكثر مكثفة عن (دينامية) التفاعل و(تعديل السلوك) الإنساني/الاجتماعي بعامة، والتعامل الشخصي بخاصة (.. بينهما، ومع الآخرين).
4 - التعرف والتعارف الحقيقي وغير السطحي وفيما وراء جلسات مقاهي (كوستا) و(ستاربك) وغيرهما (بين الخطيبين)؛ وأن يكون التعرف في مدة مناسبة، ولو لعدة شهور.
5 - الحرص على إجراء عدة (فحوص) أساسية، لتشمل:
أ) (الفحص قبل الزواج)، وهو الذي أضحى مألوفاً ومقبولاً وملزماً عندنا؛ وهو الفحص الطبي الذي يشمل النظر في توافق الدم بين الخطيبين. ومن ذلك تحاشي إمكان حدوث أمراض مثل الدم المنجلي Sickler الذي يساهم في عاهات وتشوهات جسدية وذهنية في المواليد، نتيجة للتزاوج البيني/ والمتواتر بين الأقارب، بل علينا الاستئناس بـ(تباعدوا تحابوا)!
ب) وهناك أهمية تطبيق فحص أو أكثر يعنى بقياس مدى التوافق والتآلف (الاجتماعي/الشخصي) بين الخطيبين.
ج) كما ويحسن إجراء الفحص الذي يختص بالنواحي (النفسية) عند كل من طرفي الزواج، فيسعى ذلك للكشف عن احتمالية عاهات شخصية/سلوكية أو اضطرابات نفسية.. (.. وذلك كله (قبل) تحرير وإصدار عقد القران/عقد النكاح!).
6 - الاتفاق على ترتيبات حفل العقد والزفاف في (حدود) إمكانات الخطيبين.
7 - ومن جملة ما يلزم الخطيبين التوافق والاتفاق عليه، هو تحاشي التباهي والتطاول في الإسراف، وأن يتشاركا في التكاليف، وأن ينأيا عن البذخ، ومن ذلك:
أ) تجنب المغالاة فيما يسمى بالمهر (وأنا أرى أن تسمية (الصداق) أفضل!).
ب) لعل طرفي النكاح يكتفيان بتبادل (هدية الزفاف) وتنظيم أساسات بداية العشرة سوية وكل من سعته؛ فلعل الخطيب يكتفي بتقديم طقم معقول من الحلي (وهذا بكل وضوح وتأكيد يفوق ويتعدى ما جاء في الأثر عن خاتم من حديد)؛ ومع تحمل الخطيب الحصة الأكبر من (رحلة العسل) (مثلاً، من مجموع تكلفة الرحلة، مثلاً: 21000، ليساهم هو بـ14000، مثلاً؛ أو بـ30000 من 45000، مثلاً. فيساهم (هو) بضعف ما تساهم هي به، (و بذا، ومنذ البداية، يشتركان، ويساهمان)؛ وكذلك المشاركة بحصة وافرة في تجهيز المسكن المعقول الكافي لهما ولنجليهما (الاثنين).
ج) الاتفاق في ذات ليلة التعاقد على الاقتران وأثناء تحرير عقد النكاح على مختلف الشروط الضرورية عند كل من الطرفين، النوعية منها والكمية، كأن يكون لكل من الطرفين وليس لأحدهما، حق فسخ العقد؛ فلا يحدث فراق ولا ينفذ أي طلاق (من جهة واحدة)؛ بل يلزم أن يحدث ذلك إذا لزم الفراق- في حضور كل منهما وبتواجد شخصي منهما، أمام وعند ذات مأذون المحكمة -أو بديله- الذي كان قد جمع بينهما أول مرة! وبذا يغادران (العشرة الزوجية) في سلام، كما كانا قد دخلاها (و مع الأمل بأن يتركا باباً للفضل بينهما)!
8 - وبعيد عقد النكاح يحسن أن يتم الاتفاق على توقيت (بدء الحمل الأول)، فيكون بعد مدة كافية لهما من التعرف الحقيقي (بينهما)، وبما لا يقل عن عدة شهور؛ وبذلك يكون ذلك التعرف والتعارف الحقيقيان فيما وراء التعارف على وسائل تواصل الإنترنت وجلسات المقاهي وفسحات التماشي.
9 - بعد ولادة الطفل الأول، يحسن ترك فرصة للأم/الوالدة تكفيها لاستعادة ولو معظم قوامها وشخصيتها، ونفسيتها.
10 - إتمام حولين كاملين من (الرضاعة)؛ وليس المقصود هو النوع المثالي بمعني الرضاعة الطبيعية (الكاملة)، ولو أنها هي أو جزء منها هو المفضل؛ ولكن المقصود والمأمول هو تحقق الحميمي من تعايش وتقارب الأم مع مولودها، وبالعكس.
11 - إعطاء الأول (من المولودين) فرصة للتعرف والتآلف الوثيق مع أمه وأبيه دون منافس، ولاستمتاع كاف بينهم الثلاثة، (وكذلك دون تواجد (أجنبية) بالدار في دور أم رديفة، أو أم بديلة!.
12 - التوجه نحو معاودة الحمل، فقط فيما بعد سنتين، أي (بعد) تمام سنتي رضاعة الطفل الأول وبعد اقترابه من سن (الحضانة).
13 - ففي الجولة الثانية من الحمل، ستتكرر صعوبة استعادة الأم قوامها ورشاقتها (فإن من المعلوم أن مع كل فترة حمل يزيد وزن الأم بمقدار نحو 11 ك؛ وفي الغالب يستحيل عليها الرجوع إلى قوامها ونضارة شبابها).
14 - فعليه، ولصالح الوالدين والمولودين جميعاً، يحسن الاكتفاء (بطفلين اثنين) في رباعية الأسرة الواحدة، والعمل على تحقيق مستوى (نوعي) لكل من أفرادها (الأربعة).
15 - فيحسن تصور ما ينتظر الوالدين من مسؤوليات في التنشئة السوية ومتطلبات الحياة الكريمة، (وذلك فيما وراء الحد الأدنى من أساسيات المعيشة الكريمة من مأكل ومشرب وعلاج وتعليم وترفيه).
وكما صار جلياً، فهذه كلها آخذة في تعال متواثب وتفاقم متعاقب من الكلفة والغلاء؛ خصوصاً بعد تتالي صعوبات المعيشة، وبعد توالي هجمات الأوبئة والجائحات والحروب والصراعات؛ ومع هذا وذاك: أيضاً ما صار لزاماً على الأفراد والجماعات من اقتصاد في التجمعات وتجنب الفائض من الجلسات والمتأخر من السهرات؛ (ومواجهة موجات تكاليف الحياة في الحل والترحال)؛ مما يستدعي تدبير أمورنا وحماية أجيالنا بأقوم وأدوم مستوى ممكن من الأحوال!
والخلاصة
يحسن بنا النظر في بناء بيوتنا على أسس المشاركة والتكافؤ والتكافل بين الزوجين منذ بدء نبتة الأسرة. وتعتمد الفكرة هنا على بنيان (عشرة عمر) زوجية (أحادية الزوجة)؛ فتنجب طفلين اثنين ليتم التركيز بعدهما على الاعتناء بهما منذ سن رضاعتهما وحتى تخرجهما من الجامعة. ثم -بدورهما- بداية حياتهما العملية التالية.
(وأحياناً تسمع من يرد على لزوم تنظيم النسل (العددي)، وأهمية الاعتناء (النوعي) لنسلنا بقولهم عن الحاجة لإحلال (العمال الأجانب). وأظن أن الإجابة عليهم (منها/فيها): فلا داعي لضياع الوقت حتى بالتفكير في ذلك (الإحلال)).
وإن الهدف الأعم المأمول في نهاية المطاف هو تنشئة أجيال متحلية بالقدر الأكبر من التماسك والنوعية والحبور والاطمئنان في عائلة أساسها زوجة (واحدة) و(طفلان)؛ في جو من الحبور والبهجوان، وفي سلام وسعادة وفاق وأمان.

ذو صلة
التعليقات