مجلة شهرية - العدد (553)  | أكتوبر 2022 م- ربيع الأول 1444 هـ

هل تعود مكتبات الأدباء إلى مساقط رؤوسهم؟.. الجهيمان مثالاً

قبل أيام، وفي يوم قائض من أيام نجد اللاهبة، أعادنا الأستاذ الأديب عبدالكريم الجهيمان (ت 2011م) إلى مسقط رأسه ومرتع صباه، مدينة شقراء، وتحديداً بلدتها التاريخية، الشامخة بشموخ تاريخها وأدوارها المهمة في التاريخ السعودي، تماماً كما أعادنا، نفسُه، إلى المكان ذاته قبل أكثر من عشرين عاماً، حينما كرّم نادي الوشم بمحافظة شقراء هذا الأديبَ الرائد في ليلة من ليالي الوشم، ذات الوفاء والنُبل، حينما حلّ في النادي جمع غفير من المثقفين والصحافيين من مختلف مناطق المملكة، وقد تداعوا وتنادوا إلى حضور ذلك الحفل الثقافي المميّز، وقد سعدتُ وقتها بالمشاركة، حينما ألقيتُ كلمة الأديب الرائد سعد البواردي، نيابةً عنه، وكان قد كتبها في مصر الكنانة، وأرسلها، وهو يقضي أياماً ماتعة على ضفاف نيلها الخالد. والفرق بين الحفلين هو أن الأديب عبدالكريم الجهيمان كان حاضراً معناً، روحاً وجسداً، في حفله الأول، حفل الوشم، يتجوَّل بنا ويشرح لنا عن محطات في بدايات نشأته ويفاعته في مدينته شقراء وما أحاط بها من قرى ومعالم، في حين كان حاضراً معنا بفكره وعطائه في الحفل الثاني، الذي رعاه محافظ شقراء، الأستاذ الصديق عادل البواردي، وهو حفل خُصّص لافتتاح مكتبة الأديب عبدالكريم الجهيمان في بلدة شقراء التاريخية، التي تضمُّ، فيما تضم، سوق شقراء التاريخي، بدكاكينه الممتدة، طولاً وعرضاً، والشاهدة على التحولات والتبدلات التي عاشتها هذه البلاد، في مختلف المجالات.
وأنا أتجول في (سوق حليوة)، وسط شقراء التاريخية، وفي مكتبة الأديب عبدالكريم الجهيمان، تساءلت عن مدى أهمية نقل مكتبات الأدباء والمثقفين من المدن التي قضوا فيها حياتهم، عملاً وأثراً، إلى مساقط الرؤوس ومراتع الصبا، ووجدتُ أن ثمّة فوائد وإيجابيات، ربما تفوق أهمية وضع هذه المكتبات في المكتبات العامة أو في مكتبات الجامعات، التي بدأت تضيق بما يُهدى إليها، فتظل بعض كتب الإهداءات حبيسة (الكراتين)!
من بين تلك الفوائد تفعيل أثر الكُتب بجعلها في متناول القراء في المحافظات والمدن والقرى، خصوصاً حينما يكون صاحب المكتبة علماً معروفاً لأهالي تلك الأماكن، ما يجعل الارتباط الوجداني أقرب للاطلاع والاستفادة وتعريف الأجيال بالمكتبة وصاحبها وأثره الثقافي، ناهيك عن تعزيز فكرة ربط الأجيال وغرس القدوة لديهم بتقديم الرموز والتذكير بهم من جيل إلى آخر. وإضافة نافذة جديدة لمفهوم السياحة الثقافية، حينما تخصص مكتبة لرمز ثقافي في قرية أو مدينة ما، عبر السوق الشعبي، كما في شقراء، أو في القرى التاريخية، التي بدأنا نشاهد عودتها وإحياءها في كثير من المدن والقرى، لتصافح الوفود الزائرة هذه النافذة الثقافية، إضافة إلى تخفيف العبء على المكتبات الكبرى، التي تفوق طاقتها الاستيعابية ما يصلها من إنتاج وإهداءات لمكتبات شخصية.
إنّ ما فعلته مدينة شقراء مع ابنها البار عبدالكريم الجهيمان، هو تكريم له عبر التذكير به وتخليد اسمه من خلال هذه المكتبة، التي تضمُ مؤلفاته وبعض مقتنياته، ومكتبته الخاصة، التي كان يعود إليها في رحلته الطويلة مع القراءة والتأليف، وننتظر أن تفعل الشيء ذاته مع أديبها وابنها البار سعد البواردي، قرين الجهيمان ورفيقه في رحلة الفكر والأدب والصحافة، بكل ما واجهها من أفراح وأتراح.
وكنتُ قد اقترحت قبل سنوات، عبر مقالة مكتوبة، عن ضرورة إنشاء (مركز الجهيمان للدراسات الشعبية)، ولعل هذه المكتبة تكون نواةً لهذا المركز، ومحفزة على تأسيسه وقيامه. وكنتُ خلال ربع قرن مضى، قد عرفت الجهيمان عن قُرب وصافحته في لقاءات عديدة في مدينة الرياض، وفي مدن أخرى في الداخل، وصحبته سفراً إلى عدة دول، وحقُّه أن أُفرد له كتاباً يتناول ملامح من حياته ومحطات من سيرته، بما عرفته عنه ومنه، وهو ما أعملُ عليه حالياً، وفاءً له واعترافاً بفضله وبدوره الثقافي الكبير.

ذو صلة
التعليقات