مجلة شهرية - العدد (553)  | أكتوبر 2022 م- ربيع الأول 1444 هـ

الصيدليـة

(الزهراء) فتاة مميزة، شاعرة، تتقن فن الكلام، اشتهرت بين صويحباتها بأنها فتاة صاحبة لسان يقطر عسلاً، ولا همّ لديها إلا المحبة، والعطاء، وهذا ما دعاني للغوص في بحر حبها ومشاركتها منسكها، فتزوجنا. اندهش الرفاق، وأصيبوا بالذهول، ماذا فعلتْ زهراء بعمر؟ وماذا فعلَ عمر بزهراء؟ من يقدم على ذلك يعتبر خارج الملة، مرتكباً خطيئة مميتة! أقدمنا عليها إذاً ونحن من الضالين، وتجاوزنا ذاك الحاجز الكبير.
لم يصدق مشرف الصيدلية ما رأت عيناه، واعتبر أحداً غيري فعل ذلك، فتوجه إليها منبهراً (زهراء مبارك زواجك من عمر). ضحكت الزهراء (شكراً دكتور، لا تندهش لهذا الصيد، فنحن تغلبنا على الطائفية بالمحبة، فعسى أن نتغلب على مشروعنا القادم).
- ولكن كيف تقدمين على فعل شيء كهذا؟
- وماذا تريدني أن أفعل؟ صدقني يا دكتور، منذ غمرني الحب، منذ أن أصبحت واعية، ما عدت أعرف شيئاً إلا الحب، فأنا لا أمتلك شيئاً غير الحب، حين يختفي الحب من حياتي، لا أعود أنا، أنا.
وذات يوم، كنت والزهراء بالقرب من مكاتبنا نلملم متعلقاتنا في صندوق، فوجدت المشرف توقف عن الكتابة رافعاً عينيه نحونا وهو يحدجنا ببصره حدجاً مستنكراً. تقدمتْ الزهراء ووقفت أمامه، ووضعت يديها على حافة الطاولة (إنه لخبر سيئ، لقد كتبنا الاستقالة وسنغادر المستشفى قريباً). فتعجب المشرف (أبهذه السرعة!).
ذات مساء، بينما كانت الشمس تميل إلى الغروب، كنت والزهراء في غرفة المعيشة نجمع الأوراق المطلوبة لإصدار رخصة حبنا الثاني، رخصة مشروعنا، صيدليتنا الخاصة، فالرخصة تتطلب سجلاً تجارياً، ورخصة بلدية، ثم إصدار ترخيص نشاط.
وهكذا شرعنا أنا والزهراء في العمل في أيامنا الأولى في مشروع العمر، وتجمهر عدد من الأهل والأصدقاء حولنا مهنئين (واااو مبارك الافتتاح.. ربما بمقدورنا العمل معكما وتقديم المساعدة). كنا فرحين جداً (مازلنا في بداية الطريق.. عند افتتاح فروع أخرى سندعوكم للعمل معنا).
مضى الشهر الأول ونحن في أشد السعادة، والزبائن في ازدياد مطرد، والزملاء يغبطوننا، لطالما حلمنا بهذا المشروع منذ وطأت أقدامنا بلاط كلية الصيدلة، وأحسست بالانزعاج، لأني أضعت وقتي داخل أروقة صيدلية المستشفى وليس هنا، ولكن وبما أنه لا يد لزملائي الصيادلة في عمل مشروع كهذا، عليهم وضع هدفهم نصب عينيهم للوصول إليه في المستقبل.
في منتصف الشهر الثاني شعرت الزهراء بجفاف في الحلق وشيء من الدوار، شربتْ من قارورة الماء التي بجوارها، ومع مرور بضع دقائق من الوقت، لا يزال الدوار يصارعها، كنت أشاهدها تصرف الأدوية للمرضى وهي تضع يدها على جبهتها، لم تكن كعادتها. فطلبت من العامل أن يتعهد صندوق الحساب، وأخذت بيدها إلى كنبة المكتب لتسترخي (يبدو أن علياً بدأ يتحرك)، ابتسمتْ واغمضتْ عينيها.
جاءني مندوب شركة الأدوية العالمية، يسألني (هل فكرت يوماً في بيع الصيدلية؟) وكان جوابي (مستحيل! ماذا تقول أنت! هذا مشروع حياتي) ابتسم وخرج، ولم يزودني بشيء من الأدوية.
أخبرت الزهراء أن هناك من يلحون بالسؤال (هل ستبيع الصيدلية؟) كانت مثلي تقول، بالفعل سؤال غبي، لا ضرورة لطرحه، ولا ضرورة للتفكير بالإجابة عنه، انتصرنا على ما هو أكبر، أفلا ننتصر على هذا.
ساد الصيدلية هدوء رهيب، قطعه أحد المرضى (نيورو-ب، لو تكرمت) سارعت الزهراء بالإجابة (المندوب تأخر علينا، نرجو أن يتوافر عصر هذا اليوم)، فالتف وخرج. أغمضت عيني ورحت أسحب نفساً عميقاً، شعرت بتخدر رجليّ، حتى ركبتيّ، وما عدت أشعر بقدمي ولا بساقي، من جراء الوقوف دون حركة. أما الزهراء وهي جالسة على الكرسي كانت تشعر بأن يديها أصبحتا باردتين، تشعر أن فيهما خدر.
كانت هناك زوبعة من بعض المندوبين، يرغبون في تزويدنا بالأدوية بسعر السوق، وآخرين يبيعون دون فواتير (لا كيف ذلك يا صديق! لابد أن نعرف مصدر هذا الدواء)، يبدو أن الأمر يتطلب الجرأة اللامتناهية كي نبقى بوعي متواضع، ونبقى نتصرف كأناس مراوغين.
تذمر الناس من عدم توافر الأدوية اللازمة في الصيدلية، خصوصاً الأدوية الدورية التي يجب ألا تنقطع، فأضحت أرفف الأدوية خاوية، والحقيقة أننا التزمنا الصمت، ولم نفعل شيئاً سوى انتظار مندوبي شركات الأدوية الذين لم يعد يستجيبون، وإن أجاب أحدهم فلن يقول أكثر من (أتشتري بدون فاتورة؟ أو أبيعك بسعر السوق! وليس بسعر الجملة).
بعد أسبوع من جفاء المندوبين، وكان وقت الشاي قد حل، اقتربتْ مني الزهراء واقترحتْ (علينا التوجه إلى المصدر ونتزود بالأدوية اللازمة من الشركات مباشرة، فنحن نعرفها جيداً). فعلاً كان اقتراحاً جيداً، كيلا يتمكن هؤلاء الأغبياء من تدمير حياتنا، ولنبحث عن خيار آخر.
في صباح اليوم التالي، استقلت الزهراء سيارتها متوجهة إلى الصيدلية لوحدها، فيما قصدتُ أنا شركة الأدوية العالمية، دخلت من البوابة، وأشاروا لي إلى منطقة المبيعات والشحن، فدلجتُ إلى ساحة كبيرة، وكان هناك مجموعة من المراجعين يتقاطرون أمام الاستقبال، اصطففت معهم حتى حان دوري (أريد هذه الأدوية لو تكرمت)، نظر إليّ الموظف وقال: (أي جهة صحية تتبع؟) قلت: (صيدلية خاصة)، قال: (كم الكمية التي تريد؟) قلت: (نصف كرتون من كل صنف)، فحدجني باستغراب، ثم قال: (ماذا؟!)، وكررت عليه الإجابة، فقال: (لا نستطيع تزويدك بنصف كرتون): قلت: (لا بأس، كرتون من كل صنف)، قال (ولا كرتون، إن لم تكن طلبيتك تتجاوز خمسين كرتوناً من كل صنف فلن نستطيع خدمتك، ابتعد من فضلك خلفك مراجعين).
رغم كل هذا، ما تركنا باباً إلا وطرقناه، وكان الجواب واحداً (لا نستطيع خدمتك في الوقت الراهن)، هكذا بدا الأمر واضحاً، وكما قالت الزهراء، لنعترف أنهم تغلبوا علينا في هذا المشروع، وأضحى الصيد كله لهم.

ذو صلة
التعليقات