مجلة شهرية - العدد (550)  | يوليو 2022 م- ذو الحجة 1443 هـ

دموع على ظهر خروف

قفل راجعاً بسيارته بعد أدائه صلاة العيد وسماع الخطبتين، وبرفقته زوجته وابناه؛ سالم ذي الخمسة عشر عاماً، وفيصل ذي الخمسة أعوام. استحوذ على تفكيره حديت الخطيب عن قوله تعالى عن الأضحية: (لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا، وَلكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ).
وجد الجزار ينتظره بسيارته أمام منزله.
شرع بفك قيد الخروف الذي اشتراه مستديناً ثمنه من أحدهم، ليكون طقس أضحية يذودون به عن واجب ديني. لكن ابنه فيصل راح يصرخ وهو يرى الجزار ممسكاً برأس الخروف لينحره. كان بكاؤه مفاجئاً للجميع مثلما كانت حركته وهو يتشبث بالخروف محاولاً إبعاده عن سكين القصاب راجياً بلثغته الطفولية:
- لا تدبحوا صديقي.
لم يدرك الأهل أن علاقة صداقة نشأت بين الاثنين طوال الأسبوع، حيث كان يطعمه العلف ويسقيه الماء حتى إنه قال له أكثر من مرة في الأيام السابقة:
- أحبك يا صديقي.
حاول الأب والجزار إبعاد الطفل عن الخروف، لكنه ظلَّ متشبثاً به، ودموعه تنهمر على ظهره. لحق بهم أخوه الكبير سالم. حاول إقناعه بضرورة ذبح الخروف، ووعده بشراء خروف آخر أجمل منه له، غير أنَّ كلَّ المحاولات لم تفلح في كفكفة دموعه أو إيقافها.
مكثت الأم غير بعيد ترقب المشهد بتأثر بالغ، وتشاهده وتسمع نحيب ابنها.
نادت على زوجها أن يأتي إليها.
سألته:
- ماذا ستعمل؟
- لا أدري.
- أخشى أن يتسبب ذبح الخروف في عقدة نفسية للصبي تظل معه طيلة عمره.
- أخشى ذلك حقاً؟ ولكن ما الحيلة؟
- لماذا لا تترك له هذا الخروف، وتشتري خروفاً آخر للأضحية؟
- ومن أين لي بالمال؟ تعرفين أني اقترضت ثمن الخروف هذا من جارنا أبو هيثم، وتعرفين غلاء الأسعار. أناس كثيرون لم يستطيعوا هذا العام القيام بنسك الأضحية مع أنهم طيلة أعمارهم يضحون عنهم وعن والديهم.
- أعرف. مادام أنك لا تستطيع شراء آخر، فالله أعلم بنيتك. الأضحية سنة وليست فرضاً، والأجر حاصل إن شاء الله.
- ماذا تقولين؟ إنني ما تركت الأضحية منذ أن توظفت، وأصبح لي دخل مستقل حتى قبل زواجي منك. يعز عليِّ ألا أضحي.
- أعرف ذلك أبا سالم، ولكن للضرورة أحكام. غلطتنا أن جعلنا فيصل يتعلق بالخروف. لم نحسب حساباً لهذا الأمر.
وفي هذه الأثناء، تنامى إلى مسامعهما صوت الجزار:
- أبا سالم.. أنا تأخرت.. عندي زبائن كثيرون ينتظرونني عند المسلخ. أعتذر منك. شوف لك حل، واتصل بي غداً.
لم ينتظر الجزار رداً من أبي سالم، بل ركب سيارته وأخذ ينهب الطريق بها مغادراً الحي.
أحكم سالم ربط الخروف بسارية في جانب الحوش، وأغلق بابه، وسحب فيصل بيده بعد أن هدأت نفسه، وتوقف عن البكاء.
لحق سالم وفيصل بأبيهما وأمهما صاعدين السلم. وهنا قال سالم مازحاً:
- اللي أعرفه أن الله سبحانه وتعالى افتدى سيدنا إسماعيل بخروف، ولكني لم أكن أعرف أن أخي فيصل سيفتدي الخروف!
- مو وقتك!
قالها أبو سالم.
دخلوا جميعاً شقتهم الصغيرة. جهزت لهم أم سالم القهوة والتمر. وهم يتناولونها، كان فيصل يطل بين حين وآخر من نافذة إحدى الغرف على الحوش وكأنه يريد أن يتأكد من وجود الخروف. لفتت أم سالم نظر زوجها إلى فيصل. وقالت:
- شايف؟ كم هو متعلق بالخروف، وخائف عليه؟
- نعم.
- اتركه له أرجوك. أليس في كل ذات كبد رطبة أجر؟ ما يدريك؟ لعل الله يكتب لك أجراً إن تركت له الخروف يفوق أجر الأضحية؟ ملايين الناس سيضحون، ولكنك وحدك من يترك الأضحية إكراماً لطفل. ماذا قلت؟
- دعيني أفكر في الأمر.

ذو صلة
التعليقات