مجلة شهرية - العدد (535)  | أبريل 2021 م- شعبان 1442 هـ

رفعت سلام.. قامة شعر الحداثة العربية في السبعينات

وأخيراً، غادر عالمنا الشاعر والمترجم رفعت سلّام، أحد أبرز شعراء السبعينات في مصر وأحد أعلام شعر الحداثة العربية في موجتها الثانية، وصاحب المنجز الشعري والأدبي والثقافي رفيع المستوى، والحائز على جائزة كفافيس الدولية للشعر عام 1993، لا شك في أن رحيل الشاعر الكبير رفعت سلام يعد خسارة كبيرة لشعر الحداثة العربية التي كان سلام أحد فرسانها العمالقة منذ منتصف السبعينات حتى لحظة رحيله. فهو تعاون مع بعض مجايليه في إصدار المجلة الشعرية الطليعية (إضاءة 77) غير أن رفعت سلام بتمرده الجمالي والفكري الأكثر جذرية، لم يجد في (إضاءة) ما يحقق طموحه فانفصل عنها مؤسساً مجلة (كتابات) التي أصدر منها ثمانية أعداد، والجدير بالذكر أن مصطلح (جيل السبعينات) قد ظهر للمرة الأولى على صفحات هذه المجلة، هذا المصطلح الذي استعاره البعض ورفضه آخرون حتى اكتسب سيادته واستمراره.
والحقيقة أن سلام لم يكن شاعراً كبيراً فحسب بل مترجماً مهماً وناقداً أدبياً ومفكراً، وقد تجلى ذلك في اهتمامه بترجمة عيون الشعر العالمي التي لم تكن عشوائية، بل خضعت لمشروع حداثي عمل على تأسيسه شعراً وترجمة ونقداً. ويظهر ذلك من ترجمته للأعمال الكاملة لبودلير رائد الحداثة الشعرية الفرنسية، ورامبو الذي وصلت معه الحداثة إلى ذروة واضحة، ووالت ويتمان رائد الحداثة الشعرية الأميركية، وريتسوس الذي ترك أثراً واضحاً على العديد من شعراء العربية، والأمر نفسه ينطبق على كفافيس، إضافة إلى ترجماته المبدعة لبوشكين وماياكوفسكي وليرمونتوف. ومن اللافت اهتمامه بترجمة ما هو شبه مجهول للقارئ العربي مثل ترجمته لقصائد من كرواتيا. ولم تقتصر ترجماته على الشعر بل امتدت إلى الدراسات النقدية، ومن ذلك ترجمته لكتاب (الإبداع القصصي عند يوسف إدريس) لكوبر شويك، ومراجعته وتقديمه لكتاب (قصيدة النثر من بودلير حتى الآن) لسوزان برنار.
ولد رفعت سلام عام 1951 في مدينة منيا القمح في محافظة الشرقية، وفي عام 1955 عاد مع أسرته إلى مدينته الأصلية منية شبين في محافظة القليوبية والتحق بجامعة القاهرة عام 1969، ودرس الصحافة فيها، ثم تخرج فيها عام 1973، التي تأثر فيها بكتابته حين كشف عن مستويات اللغة التي تتناوب في قصيدته وتجربته الفنية أن يستخدم لغة عربية قديمة منذ زمن القصيدة الجاهلية وحتى لغة الصحافة اليومية الراهنة.
سلام، نشر أولى قصائده في العام 1969 صار صوتاً شعرياً بارزاً في جيل السبعينات بما قدمه من مجموعات شعرية متنوعة، إلى جانب دوره في مجال الترجمة حيث أسعد القراء بتقديم الأسماء اللامعة في الحداثة الشعرية، تميزت قصائده بتعدد الأصوات التي اعتبرها أحد أهم الأسئلة في تجربته الفنية، وقد تسربت إلى عمق قصيدته الشعرية بشكلها الحي الصاعد من أجواء الحياة المعبأة بالأصوات التي لا حصر لها، تتقاطع وتتاشبك وتتجاور في لوحة تشع بالمباهج والعناء في وقت واحد.
ومن السمات الواضحة المبكرة في شعر سلام ما يسمى بشعرية اللقطات السريعة التي تتسم بقصر سطورها، وهو من أثار انفتاح القصيدة على الفن السينمائي، ومن ذلك قوله: (المحطة/ الأوراق طائرة من السلة للأسفلت/ صوت الريح يأتي من بعيد/ دقة الساعة/ رعب/ دهشة/ صفارة البدء/ صوت العجلات)، وهو تصوير كلي تتآزر فيه دوال المكان والزمان والصوت راسماً صورة مشهدية متحركة. على الرغم مما قيل كثيراً عن مغامرات رفعت سلام الشعرية وتجريبه المستمر وجرأته، فقد ظل متهيباً إصدار ديوانه الأول (وردة الفوضى الجميلة) الذي أصدره عام 1987، ثم توالت أعماله من إشراقات رفعت سلاَّم، إنها تُومئ لي، هكذا قُلتُ للهاوية، إلى النهار الماضي، كأنَّها نهاية الأرض، حجرٌ يطفو على الماء وصولاً إلى (أرعى الشياه على المياه) عام 2018، كما صدر له عدد من الدراسات منها: المسرح الشعري العربي، بحثاً عن التراث العربي.. نظرة نقدية منهجية، بحثاً عن الشعر.. مقالات وقراءات نقدية.وفي الترجمة (بوشكين: الغجر.. وقصائد أخرى)، (ماياكوفسكي: غيمة في بنطلون.. وقصائد أخرى)، (كربرشويك: الإبداع القصصي عند يوسف إدريس)، (ليرمونتوف: الشيطان.. وقصائد أخرى)، (يانيس ريتسوس: اللذة الأولى، مختارات شعرية)، (هذه اللحظة الرهيبة، قصائد من كرواتيا)، (يانيس ريتسوس: البعيد، مختارات شعرية شاملة)، (سوزان برنار: قصيدة النثر من بودلير حتى الآن) مراجعة وتقديم، (جريجوري جوزدانيس: شعرية كفافي)، (دراجو شتامبوك: نجوم منطفئة على المنضدة)، (شارل بودلير: الأعمال الشعرية الكاملة).
عاش الشاعر والمترجم رفعت سلام واحداً من المتاريس القوية التي صمدت في مواجهة هجمات المحافظين -رموز القصيدة العمودية والمنتمين لقصيدة التفعيلة- ضد قصيدة النثر التي حاول البعض إقصاءها بعيداً عن المشهد الأدبي العربي أولاً بعدم الاعتراف بجنسها الأدبي، وثانياً عندما حصروا قضاياها في تناول الهامشي واليومي. ومع ذلك تتمحور مركزية الرؤية في شعره، حول الإقرار باليقين، ونفيه ضمنياً في الوقت نفسه، فلا يبقى سوى التوتر والقلق والضجر وحيرة السؤال محركاً للصراع، لكنه مع ذلك صراع مبني على الاحتمال، أن يكون أو لا يكون، وهو ما نلمحه بقوة خاصة في ديوانه (هكذا قلت للهاوية):
(قد يتسع الوقت.
قد..
حتى ينمو الأبدُ وئيداً في جسدي
لكن..
هل من غفران يرجى
إذ تنفلتين، مراوغةً، موغلة، تشتعلين على حد الحلم الناري،
فينفلت الزمن دخاناً وتراباً، تنحدر صخور الوقت إلى الهاوية،
وتنفلتين، فينفلت الأبد المائيُّ إلى جسدي المنهوك
صراخاً وعويلاً مجنوناً.
وتروغين.
فهل أخلع جسدي عني،
أم يمتد الأبد المائيُّ وئيداً دون عناء.
لا شيء إذن..
لا شيء).
لقد ترك رفعت سلام أثراً يبقى، سواء في الشعر بدواوينه التسعة، أو بمقالاته ورواه النقدية في المسرح، وقضايا التراث والشعر، كما عاش مهموماً بكل ما هو إنساني، يعلي من قيم العدل والجمال والحرية، وكان حلمه، أن يرى قصيدته تتكلم من تلقاء نفسها، تحاوره تأخذ بيده، وهو يعبر الشارع، وهو يجلس على المقهى، وهو يتحدث مع الشعراء والأصدقاء.
ترجمت مختارات من شعره وبعض دواوينه إلى عدد من اللغات في العالم، كتبت عنه الكثير من الدراسات النقدية، وشكل شعره موضوعاً لأطروحات ماجستير ودكتوراه في جامعات مصرية وعربية.

ذو صلة
التعليقات