مجلة شهرية - العدد (527)  | أغسطس 2020 م- ذو الحجة 1441 هـ

السينما وكورونا.. أسئلة الحياة والموت

ارتبط مصطلح السينما بعملية الإيهام، أي صناعة الوهم. والوهم مرض ذهاني لازم الناس الذين يكونون أقرب لتصديق الأحداث وتداعياتها الممكنة أو المحتملة. ومن الأفلام السينمائية الأولى الصامتة التي ناقشت فيروس أو مرض الإنفلونزا مطلع القرن العشرين كان فيلم شارلي شابلن (1914) بعنوان: (حياة ميبل الزوجية) وهو من الأفلام التي تنبأت بفيروس أو وباء (الإنفلونزا الإسبانية) عام 1918.
الإنفلونزا الإسبانية 1918: يمكن تعريفها بأنها مرض (فيروس) الإنفلونزا الذي انتشر مطلع القرن العشرين وزادت حدته عام 1918. واجتاحت عدوى الإنفلونزا العالم فراح ضحيتها الملايين من البشر (50 مليوناً)، ولم يُسيطر على هذه العدوى حتى الآن حيث إنها تتجدد وتتطوّر جينياً وتطوّرت إلى أنواع وأجيال كثيرة على مدى المئة سنة الماضية.
الفنون وسيلة استشفائية
ظلت الفنون وســـــيلة استشفائية من الأعراض النفسية التي تتركها الكوارث في النفس الإنسانية. وربما تكون واحدة من الدوافع التي لعبت دوراً في ظهور الفنون؛ هو مقدرتها على العلاج الذي يبعث الطمأنية في جوانيات الكائن.
لقد بدأ الفن في مرحلة تاريخية من أحضان السحر الذي يقوم بالتأثير على الآخرين سلباً أو إيجاباً بالمشابهة، فكان الفنان البدائي يسعى للتأثير في الخطر الذي يتهدده من خلال مشابهته بالرسم، ثم يقوم بالعلاج الخارجي بالتأثير على الصورة بالترانيم والأدعية والتضرع، أو من خلال التشويه.
ومع تطور الفكر الإنساني، بالانتقال من السحر إلى الكهانة ثم الفلسفة؛ ظهرت نظرية المحاكاة الأرسطية لتحقيق السعادة والطمأنية من خلال تمثلات النموذج والمثال. كان ذلك قبل أن تنحو الفلسفات الفنية إلى الصورة الذهنية مع تحولات النزعات الفكرية وتغير وظيفة الصورة باختلاف وسيلة إنتاجها وخبرات التلقي.
الحداثة والطبيعة
كان من أبرز نتائج تحولات الحداثة تاريخياً فقدان حالة التوازن بين الطبيعة والإنسان، المكان والكائن، وتخلخل نظمها الكيميائية والفيزيائية والحيوية، وأنسجتها الاجتماعية ومنظوماتها القيمية، وأدت تلك التحولات إلى نوع من الانفلات أطلق عليه زجمومنت باومان وصف (الحداثة السائلة)، التي تعني (الانتقال من عقلانية عصر النهضة الأوروبي وحالته الصلبة إلى حالة الإذابة)، حيث (قامت الحداثة بحرب غير مقدسة لإخضاع الطبيعة بالعلوم للعلوم)، وهذا خلق (مجتمع المخاطرة) المحكوم بالقلق والذعر.
وفي واحدة من دراسات مجلة الفكر الكويتية التي قرأتها في ثمانينات القرن الماضي، تناولت الباحثة تأثير الأحياء المجهرية في الحياة، مستخلصة أن تلك الأحياء التي لا ترى بالعين المجردة، هي التي تلعب دوراً مهماً وخطيراً في حياة الكائن وفي الأحداث التاريخية الكبرى، فهي التي تصنع الحياة والموت في آن معاً، وفي جانب الأوبئة التي تسببها الكائنات الدقيقة وتغيير المناخ، ومنها البكتيريا والفايروسات.
ويقول أستاذ تاريخ الطب في جامعة بيل الأميركية فرانك سنودن: (إن تاريخ البشرية مع الأوبئة مروع، حيث تسببت في انهيار مجتمعات ودول. والأوبئة لها آثار هائلة على الاستقرار الاجتماعي والسياسي، تفوق نتائج الحروب. ومن المحتمل أيضاً أن تكون جزءاً من بداية الحروب في بعض الأحيان). فالطاعون الذي اجتاح الإمبراطورية الرومانية في القرن السادس قبل الميلاد تسبب في موت من 30 إلى 50 مليون شخص، وهو ما يعادل نصف سكان الأرض في ذلك الوقت.
وأدى الموت الأسود (الطاعون الأسود) في القرن الرابع عشر إلى وفاة ما يصل إلى 200 مليون شخص في شمال أفريقيا وآسيا وأوروبا، نحو 30 إلى 60 في المئة. وآخر هذه الأوبئة المروعة وأكثرها خطورة في العصر الحديث، ومازلنا نعيش آثاره: وباء الإنفلونزا، أو ما عرف بالإنفلونزا الإسبانية الذي ضرب العالم عام 1918، وأودى بحياة حوالي 50 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم.
وفي العصر الحديث انتشرت الكثير من الأوبئة، ومنها: إيبولا، إنفلونزا الخنازير، جنون البقر، والأيدز، وإنفلونزا الطيور، وكورونا الذي انتشر من مدينة ووهان الصينية إلى أرجاء العالم.
وخطورة تلك الكائنات ليس في عدم رؤيتها بالعين المجردة، وإنما في تكاثرها وانتقالها، وعيشها مع الإنسان، وكارثيتها.
الفن والموت
لقد كان الموت أكثر الأسئلة الوجودية التي يعاينها الفن، فحاول من خلال النحت والرسم تلمس الخلود في الصورة، وعبر الفن التشكيلي مبكراً عن الذعر الذي يمكن أن يسيطر على الإنسان عندما تتراءى له فاجعة الموت وجلالها، سواء أكان ذلك نتيجة الحروب أم الكوارث الطبيعية أو الأوبئة بالمعنى الحرفي أو الرمزي.
فالفن غالباً ما ينحاز للحياة، ويدافع عنها في مواجهة الموت وبشاعته وفواجعه. وكان الفن أكثر وسائل التعبير حساسية للتعبير عن الخوف الذي يداهم الكائن، وقد صور الفنانون البدائيون صور الخوف على جدران الكهوف برمزيات تعبر عن صورة الموت البشعة، وفي أعمال الفنان فرانشيس غوايا تصدى لوباء الحروب ووباء الخزعبلات والخرافة والسحر الذي اعتبره أشد فتكاً بالإنسان، وقدم مئات الأعمال التحبيرية بأسلوب تعبيري يكشف المشعوذين الذين يبثون سمومهم في عقول الناس.
وحينما قرر غويا الرسم انزوى في منزله سنوات معتبراً أن الظاهرة تمثل وباء معدياً، فظهرت في أعماله الخطوط الحادة والألوان القاتمة، وركز على التفاصيل من خلال ملامح الوجه والعيون الجاحظة، والحركات غير المتزنة التي تكشف الوباء وتفضح المتأثرين به، وأحاط الشخوص بعدد من الرمزيات التي تتصل بالبيئة وقتذاك، وظللها بمداد السواد الذي يظهر للمشاهد ثقل المرئي الكابوسي. وشكل غويا في رسوماته أسلوباً جمع بين ذاكرته البصرية وخبراته ومتخيله والوقع الذي يراه بما ينتابه من الخوف والفزع والاضطراب.
الأوبئة والحياة
وفي الإطار الحرفي والمباشر للتعبير عن كوارث الوباء في الفن التشكيلي، فقد انعكست الحالة التي عاشتها أوروبا في القرن الرابع عشر على كل مناحي الحياة، ومنها الصناعة والتجارة والأدب والفن التشكيلي والعمارة.
وظهر تأثير الوباء في نمط العمارة التحصينية ونوافذها والرموز التي تنقش على جدرانها وتوزيعها الداخلي وأبوابها التي بشرت للفن القوطي في أوروبا الذي اتسم بقلة الضوء والفراغات. وانعكس الخوف على أفكار الناس باعتقاد قرب نهاية الإنسان، وتجلت مثل هذه الأفكار في موضوع اللوحة التي لم تعد تكترث للبطولة وشخوص الفرسان، وإنما التفتت لموضوع الجمهور والضحايا، لتبدو الأعمال الفنية على جدران الكنائس تصويراً للحالة الجنائزية التي يظللها الموت والسكون واللون القاتم، ويظهر على وجوه الناس الفزع والاستسلام.
وحضر الموت في لوحة القديس روش من خلال ضحايا الطاعون في لازاريتو، لجاكوبو تينتوريتو، التي غلب عليها لون الترابيات التي ظللت الأجساد لتبدو في خلفية اللوحة سوداء تماماً، بمعنى نهاية النفق أو نهاية العالم.
وفي لوحة انتصار الموت للفنان بيتر بروغل الأكبر، صور مأساة الموت، حيث تتحلل الجثث وتعبث في مشهد الطبيعة. وشكلت اللوحة عند الفنانين نوعاً من الإيمان بالخلاص الفردي، فرؤوا في الفن خلاصاً شخصياً، ومنهم الفنان كيث هارينغ الذي أصيب بمرض الأيدز، وجعل الوباء موضوعاً فنياً، حيث رسم لوحاته بأسلوب بسيط، واستعمل شخصيته الشهيرة للتحذير من هذا الوباء القاتل.
وكما وقف الفنان ضد كوارث الحروب ومشعليها، فقد وجد أن سلوك السلطة السياسية خلخل توازن الطبيعة، ودفع من باطنها لهب غضبها. وربط كثير من الدارسين بين انتشار الأوبئة وبروز طغيان القوة والاستعمار، ويقال إن أول من نشر الأوبئة هم المستوطنون الأوربيون ضد السكان الأصليين من الهنود الحمر في أمريكا عن طريق (البطانيات الناقلة للأمراض).
الأوبئة والتاريخ
يقدم المؤرخ شلدون واتس في كتابه (الأوبئة والتاريخ.. المرض والقوة الإمبريالية)؛ مقاربة ثقافية تربط بين الأوبئة وتاريخ الإمبريالية في العالم، ويقول إن: (المؤسسات التي أنشأها الغرب بغرض مقاومة الأمراض الوبائية، ما هي إلا صورة عن علاقات القوة والسيطرة بين الحاكمين والمحكومين، التي تعكس في نهاية الأمر العناصر المكوِّنة للاستعمار، فالعلاقة بين الإمبريالية وطرق مقاومة الأمراض التي كانت أداة للتحكم في الشعوب، وبين أن الإمبريالية في صراعها الدولي للسيطرة على ثروات أفريقيا وآسيا والأمريكتين نقلت أمراضاً جديدة انتشرت في صورة أوبئة عن طريق الغزو العسكري أو تجارة العبيد)، وهو ما يذكّر بالطاعون الذي انتشر في فلسطين عند غزو نابليون لها في حصار عكا.
في عدد من التجارب التشكيلية التي تأثرت بانشطار الذرة والنانو والسطوح الميكرسكوبة؛ ذهبت الكثير من التجارب التجريدية للبحث في اللامرئي، ومنها تجربة كارلو كارّا الذي اقترح المدرسة الميتافيزيقية، التي ارتبطت باللامرئي والمستقبلي للإفصاح عن خوف الإنسان وقلقه.
إن فكرة التصوير التوثيقي لمآسي الإنسان وذعره بقيت محل اهتمام الفنان بطريقة مباشرة أو بصورة رمزية. ولكن الأهم من ذلك أن الفنان من خلال النقاط والخطوط الدقيقة التي يخطها على السطح الأبيض، إنما كان في كل مرة يبحث عن السلام، ويؤسس لوعي تجريبي لقراءة فكرة الهدم والبناء، متجاوزاً تصوير الحالة الجنائزية، والملصقات التوعوية التحذيرية من الأمراض إلى ما يمكن وصفه بوعي ارتباط القوة الكونية وجبروتها وتعسف الحداثة بالأوبئة وتغير شكل الحروب الذي عبر عنه الفنان الأميركي دونالد موفيت في ملصق رسمه في ذكرى صديقه الذي مات بسبب الأيدز، وحمل الملصق صورة (للرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان) وعبارة (هو يقتلني).

ذو صلة
التعليقات