مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

Never Look Away لا تنظر بعيداً.. والجمال في حقيقته

في الأربع دقائق الأولى من مجريات أحداث فيلم (Never Look Away) وكأن المخرج السينمائي الألماني فلوريان هينكل فون دونرزمارك يستعيد ذكرياته عندما رافق والدته إلى معرض Zeitgeist في متحف Martin-Gropius-Bau في برلين، والذي كان يضم مجموعة من الفنانين من بينهم Andy Warhol وGilbert & George وJulian Schnabel وSusan Rothenberg. لم تشعل هذه الزيارة اهتمام المخرج مدى الحياة بالفن فحسب، بل كانت مصدر إلهام لفيلمه هذا ومشهده الافتتاحي، حيث نرى صبياً صغيراً يرافق عمته إلى معرض الفن الحديث عام 1937م في درسدن. في حين أن كتالوج المعرض يثمن العودة إلى الفن الألماني عند مشهد التجوال داخل متحف الفن، والتركيز على مرشد الجولة بطوله الفارع ونظرته البوليسية وحديثه السلطوي، والذي يبدو منتقداً لكل ما هو معروض في المكان من لوحات، سارداً أهمية وصول الاشتراكيين الوطنيين للسلطة، ما يعني أنهم لن يقبلوا بوجود مثل هذا النوع من الفن الذي يتغير اسمه بين فترة وأخرى، لكنهم سوف يطالبون بعودة الفن الألماني الأصيل كمنظومة واحدة مع جميع القيم الإبداعية للأمة الخالدة.
شارحاً للزائرين أن الفن الذي نراه أمامنا هنا لا يحقق قيمة أعلى لشعبنا، بل يسخر من المرأة الألمانية، ومن الجنود الألمان الذي يمثلهم بصورة قتلة متوحشين من ناحية الصراع الطبقي البلشفي، وهل يفترض بنا أن نتصور أن هناك رجالاً لديهم حكم صائب من خلال رؤيتهم لصورة شعبنا في اللوحات التي تظهرهم كمسوخ فاسدين؟ في وجود من يفتقرون للعلم والمعرفة والتجارب سوف يقلبون الحقائق لصنع صورة لمروج زرقاء وسماء خضراء وسحب صفراء بلون الكبريت هذا ضعف في الرؤية وضعف في التعبير، وبواقع هذه الانطباعات هم يسعون جاهدين لأسباب أخرى غير الفن لمضايقة الأمة بهذا الهراء وتلك جرائم تقع تحت طائلة القانون الجنائي.
ويستكمل محاولاً الاستدلال على كلامه السابق عند لوحة لـ(ويلسي كاندنسكي) موجهاً الكلام لطفل بمصاحبة عمته بأنه قادر على رسم أفضل من هذه اللوحة التي بيعت بمبلغ ألفي مارك، وهذا المبلغ أكثر من مجموع رواتب عمالة ألمانيا، كان الطفل (كورت بارنيت) يتفحص أحد المجسمات ويدور حديث مرشد المتحف في عقله الصغير، كيف ينظر للأشياء بنظرة بعيدة، لوالده العاطل عن العمل بسبب رفضه للنازية، واشتياقه لعائلة شرودر الطيبين جيران منزلهم القديم، وعمته ذات الـ 23 ربيعاً القريبة لقلبه والتي تملأ روحها الموسيقى، والتي تطلب منه رسم لوحة تمنحه هذا الشعور بالمرح والحياة.
عمته التي توصيه في لحظة الرفض للواقع السلبي الذي يعيشه الوطن، توصيه ألا يشيح بنظره بعيداً فالأشياء تبدو جميلة على طبيعتها، وهم ينزعون الحلم وينكرون الموسيقى والمجرة والحياة بأكملها، بل وينزعونها من أرضها وبيتها وأحلامها لتصبح نزيلة أحد المصحات العقلية بعد أن قرر حالتها المرضية بانفصام وراثي بما يعرضها وعائلتها للإبادة، بعد أن تشكلت لجنة من القيادات العليا العسكرية والذي يعلن رأس القيادة بها بكل فخر خطة التخلص من 400 ألف من البشر قائلاً: سنعيش في عالم تخلو فيه الشوارع من المنغوليين والمشوهين وذوي الأمراض العقلية والأشكال المتوحشة الأخرى، ولن تكونوا فقط أطباء أو جنوداً، ستكونون أعضاء لدى جمعية تحسين النسل، يجب أن تجعلوا المريض عقيماً بوضع علامة سالب زرقاء، وإذا وجدنا خطاً أحمر سنعلم أن المريض لا يستحق الحياة، (قلمك هو السيف).
يقرر الطبيب القيادي البروفيسور سيباند أن يتم تحول إليزابيث إلى امرأة عاقر غير قابلة للإنجاب، ويسجل علامة التخلص منها بعد أن قامت بتعريته أمام نفسه وهي تناديه بصفة (أبي) فيما أتت عائلتها للزيارة وقد ارتدى الجميع الزي الهتلري النازي، في الوقت الذي كانت هي وزميلاتها داخل غرف الغاز والأفران، وانتهت حياتها على يد هذا الطبيب الذي لا يحمل قلباً في صدره، ولا يملك عقله إلا فكرة زرعها قائده بأنه لا توجد سوى مساحة بسيطة وموارد محدودة على هذا الكوكب.
وينتصر الروس على الألمان وتنقلب الموازين ويصبح الطبيب سيباند سجيناً ويقدم المساعدة لزوجة الرائد المسؤول عن سجنه وملاحقته بالتحقيق ويقوم بتوليدها، ويرد له الرائد الجميل بحمايته، وبعد انتهاء الحرب كان من الصعب لروسيا أن تصدق أنه لم يكن نازياً بالفعل، ويسانده من جديد للهروب ذلك الرائد الذي أصبح جرنالاً ومسؤولاً هروباً من تلك المسؤولية في التستر عليه.
ويعود الفن من جديد ليتصدر مشاهد الفيلم بعد بلوغ كورت مبلغ الرجال وخروجه للبحث عن مصدر دخل يعيش منه، وقد اضطر والده الخائف والمحبط للقيام بتنظيف بعض السلالم، ثم ينهي حياته بالانتحار، كورت صاحب الموهبة تتاح له فرصة الالتحاق بمدرسة الفنون والتميز بين زملائه، كما تصادف أن تم التعارف بينه وبين إيلي طالبة تصميم الأزياء وابنة البروفيسور سيباند، وتكونت علاقة نتج عنها جنين لم يتركه سيباند يكتمل لأب ليس له مستقبل كما يعتقد. ومسح بيده سلالته وهرب من ألمانيا، وفي حالة حزنها على فقد طفلها تذكرت إيلي أن والدها كانت لديه زي الكتيبة (افن اس اس) التي تولت برنامج القتل الرحيم، ولكي تستمر مسيرة الفن كان كل من كورت وإيلي قد اتخذا قرار المغادرة إلى ألمانيا الغربية والالتحاق بأكاديميتها الفنية التي توسعت في الاهتمام بالفن المعاصر وأظهرت لنا بعض التجارب ما بين ثمرة بطاطس معلقة في حبل وتتحرك في دائرة كالبندول، وفتيات يرتدين كتلاً من الأسفنج لعمل أختام من أجسادهن فوق قماش أبيض ممتد بطول الممر وووو إلخ من فنون الحداثة وما بعد الحداثة والرسم في الفراغ، كان ذلك في الدقائق الأخيرة من الساعة الثانية من مشاهد الفيلم المثير في فكرته وقصته وأحداثه.
وفي حوار قصير بين كورت وزميل الدراسة الذي أراد تذكيره أن الرسم قد انتهى تماماً مثل الرقص الشعبي أو صنع الدانتيل أو الأفلام الصامتة، ولأن لدى كورت قناعته بأن الرسم وسيلته للتعبير عن رؤياه جاءت فكرته في رسم الصور الفوتوغرافية، وعندما داعبت الريح النوافذ واندمج ضوء مكبر الصور مع اللوحة الموضوعة فوق المسند أوحت له بالأسلوب الذي سارع في تنفيذه ليكتمل مشروعه ضمن ألبوم الصور العائلية وصور الهواة وأتم ذلك بإقامة معرض أشاد به الحضور من النقاد والمهتمين، ورغم أن المخرج لم يتحرر تماماً من سيرة وأعمال الفنان الألماني الكبير جيرهارد ريختر، وأخيراً فقد عبر مذيع التلفزيون عن سعادته بحضور معرض هذا الرسام الذي يعده أفضل الرسامين في جيله، والذي لا يقول أكثر مما تقول الصور، وكأنه يودع الحديث عن السيرة الذاتية. إنه عمل دون مؤلف.

ذو صلة
التعليقات