مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

الرواية وأنا

هل نحن كبشر نحتاج للرواية؟ ولماذا حتى نحتاج لهذا الفعل غير المؤثر ظاهراً وإعلاناً، ولا يكون أثره إلا في المخبوء والمتواري، وفي نفي الوعي (اللاوعي)؟ أرى أن الإجابة عن هكذا تساؤل، تبعث من ذات المصدر، نحن نحتاج للرواية بدفع من رغبة غير واعية، ولهدف مختفٍ في ثنايا ذاكرتنا ووجودنا كجنس بشري.
إن كل ما يكتب وما يقرأ يظل محفوظاً وخالداً حتى لو غيبه الزمن، فهو مثل الآثار الفرعونية والرومانية، هو مادة والمادة لا تفنى (إلا إذا ثبت عكس ذلك في المستقبل).
ما يزال يحضر في بقاع كثيرة من الأرض عدد عظيم من المفكرين المبدعين، لكن حضورهم كبشر أقل كثيراً من حضور ما كتبوه، من يعرفون (دون كيشوت) أضعاف من يعرفون سيرفانتيس صانع الدون، ومن يعرفون (زوربا اليوناني) أكثر بكثير ممن يعرفون (كازنتزاكس) الذي كتبه. إذاً نحن أمام مزيج ليس من السهل أن نفككه، ولن يكون بمقدورنا أن نفصل بين ماهية الإنسان المادية الحقيقية التي جبلت من تراب، أو تلك التي جبلت من تفكيره.
الكتابة حالة إنسانية عامة، وإن تنوعت واختلفت درجاتها وأنواعها، وهي بالضرورة تكرس فكرة توحيد الجنس البشري. فسحرية التفكير والكتابة ليست سوى واحدة من وظائف الناس البيولوجية، والبشر كلهم يملكون هذه الملكة، وهي واحدة من عوامل توحدهم، ففي داخل كل واحد منا كاتب، لكن الكثيرين يكتبون في صدورهم دون أن يملكوا الجرأة على الإمساك بالقلم والخط به على الورق، ليس لأنهم ليسوا كتاباً، بل لأنهم لا يملكون جرأة المواجهة.
مثل هكذا معادلة من السهل أن يؤكدها القارئ عندما ينهمك في قراءة رواية ما، ويبدأ بالتعرف على أحداث وشخوص هذه الرواية، فهو لن يرى فيها الأحداث والشخصيات ذاتها التي كتبها الراوي، لأنه يقوم بتخيل ورسم هذه الشخصيات والأحداث بما لديه من وعي وقدرة على التخيل. فالقارئ يعيد كتابة العمل/ الرواية دون أن يمسك بالقلم.
يربض في داخل كل واحد منا نحن البشر كاتب متأهب للانطلاق من ذواتنا، كلنا نكبح هذا الانطلاق أو البروز لأننا نخاف من المجهول، لذلك نكتفي بالكلام، فالكلام ليس موثقاً ولا مثبتاً إلا في حال تقدم العلم وصار قادراً على جمع مادته السابحة في ملكوت كرتنا الأرضية.
كلنا نخاف من توثيق مشاعرنا، وعواطفنا، وإيماناتنا الخاصة، وأفكارنا الصغيرة، وأسرارنا، لأننا نخاف من مواجهة الآخر. كلنا نحتفظ بكم هائل من الأفكار التي نعيش بها، ونتحرك ونتعامل مع الآخرين بموجبها، لكنا نخاف من إثبات ذلك في الكتابة، لأن الكتابة هي جرأة المواجهة.
أشك بأن هناك عاشقاً لم يكتب أو يؤلف شيئاً في العشق، وفي ما يتصارع فيه من مشاعر تجاه معشوقه. الكتابة أعلى صوتاً من النواح في الحزن، فمن يكتب عما يحس به تجاه فقد عزيز على ورقة يملؤها بالخرطشات والحروف يشعر براحة أعظم من راحته في البكاء، أما في الفرح فإن الكتابة شيء أرق من فراشة. كلنا نكتب، بعضنا يستعمل الورق وآخرون يكتبون على جدران صدورهم.
الكتابة هي جرأة المواجهة. والكتابة المكشوفة والثائرة والصارخة هي بطولة ومغامرة، وأنا لست بطلاً ولكنني مغامر، لذلك أكتب وأنشر ما أكتبه.
لست باحثاً في كيف يكون الكاتب كاتباً أو لماذا يكتب؟ لكنني بتجربتي المتواضعة الخاصة أعرف أن الكتابة هي حالة بوح بصوت عالٍ، هي حالة صخب يشبه إلى حد بعيد عواء الذئاب.
لا بد إذاً أن تجربتي الروائية هي استنساخ لتجربتي الحياتية، وإن كان مطلوب مني أن أحكي عن هذه التجربة، فلا بد أن أخلع برقع الحياء، وأن ألبس رداءً يكشف عريي، وأن أتهيأ لعشرات الرصاصات التي سوف تنهال علي من القريبين أكثر من البعيدين.
لقد لجأت، بطفولة غير واعية، لاستخدام الرمز في القصة في محاولة للنجاة من علقة قاسية يمكن أن أتلقاها من المعلم، أو من الأخ الأكبر، لو حدث ووقعت قصتي بين يديه، وقرأ فيها ما لا يسره.
 لقد دفعني الخوف إلى اللجوء نحو الرمزية للفلات من العقاب، وهو الخوف ذاته الذي دفعني بعد سنوات للإفلات من مقص الرقيب الحكومي، أو من مقص المحرر الثقافي لجريدة أو مجلة أحلم بأن أنشر فيها قصة لي.
إلى أن تحول هذا الخوف إلى مرض حاولت الشفاء منه بأن صنعت، مثل غيري من الكتاب، رقيباً صرت أضعه فوق رأسي وهو يحمل مقصاً يقص فيه ما لا يجوز نشره قبل أن تخرج أفكاري إلى الورق.
تحولت الكتابة عندي -على ما تحمله من خطر- إلى حالة من العشق، فصرت لها عاشقاً مبدعاً، مخلصاً، أتفنن في تجميلها.
وعندما تفرغت لمشروعي الأدبي تكسرت في كل مظاهر الخوف، وأتيحت لي الفرصة العظيمة بأن أصبح حراً.
يعيب علي البعض أني كثير الإنتاج، وأنا أعيب عليهم قلة الإنتاج، كيف لمن دوره في الحياة الكتابة، أن يطيل من صمته أمام هذا الوجود المكتظ بالتخلف والكبت والفساد، وأمام هذا التشكل البشري المتسارع في التحول؟
أما لماذا أقبلت على نشر ما أكتبه، وأنا كما أدعي بأني أكتب لنفسي؟ لم أجد حتى هذه اللحظة إلا تفسيراً واحداً، وهو أنني كائن مغامر، لم أفكر بتسلق جبال الألب، ولا بقطع بحر المانش، فلا أنا رشيق، ولا رياضي، وأجهل فن العوم باحتراف، لكنني سارد تكمن مغامرته في إسماع صوته للآخرين.
في الكتابة أدافع عن وجودي، وعن وجود الناس، لست شجاعاً، ولكني مقاتل صعب عندما أدفع لأية معركة، الكتابة هي متراسي الأخير، قلعتي وحصني، من ورائها أدافع عن نفسي، وعن الناس الذين هم مثلي، لم أنتهك في الكتابة حرية الآخر، ولم أعتدِ على حق أحد، بل قاومت الذين يعتدون علي لأحمي ما هو حق لي، وحق لمن هم مثلي.
اجتزت حاجز الخوف، واجهت التابوهات التي تحكم وتتحكم في حياتنا دون أن أتبنى موقفاً ليس لي. تكلمت بالمحرم، والممنوع، كتبت كثيراً عن أجمل ما في أعمارنا، المرأة بمثل ما يليق بقدسية وجودها، قلت إنها لا تكون مستلبة إن عشقت، بل من عيشها في مجتمع متخلف، لا يوجد عاشقة مستلبة بالمفهوم الاستبدادي لهذه الكلمة، بل يوجد عاشقة مستلبة بسحر العشق، وهذا استلاب أعظم من كل حريات الدنيا.
كتبت عن الفساد الذي صار لازمة لأصغر تفاصيل حياتنا، والذي صارت عدواه تتفشى بالنظر، حكيت كثيراً بالجنس الذي يحرم الحديث عنه، في الوقت الذي يتيحه انتشار النت والفيديو كليب، بيسر وسهولة وبالمجان. قلت ما يجب أن يقال عن التجارة في الأديان، وتكلمت في روايتي (نزف الطائر الصغير) عن التيه الذي يرتع فيه جيل الشباب، رواية هي الأصعب فكيف لي بهذا العمر والتجربة أن أحاكي تجربة شاب في منتصف العشرين من العمر؟ ومع كل هذا أقول إني حتى اللحظة لما أبدأ بعد، لقد تفوهت ببعض العبارات والأفكار، لكنني لم أشد قدمي على الأرض التي أريد مثلما أشتهي، ولم أصرخ بأعلى الصوت، في الرأس كلام كثير، وحكايا كثيرة ما تزال في جيبي، وإني لأرى الكلمات تحوم فوق رأسي مثل طيور صغيرة جميلة، تدنو مني وكأن جسدي حديقة وأشجار.
هي مسألة مصارعة العمر، إن استطعت أن أمكث أكثر فوق هذه الأرض فسوف أقول الكثير، وحتى أغادرها سأظل أقول، هذا الزمان العربي الغريب ينطق الأخرس، فكيف بمن له لسان طويل مثلي؟
حياة كل واحد منا مجموعة متشابكة من الحكايا والقصص، الروائي هو من يمتلك الذاكرة ويمتلك القدرة على إعادة سرد هذه الحكايات، إن حالة الإلهام التي تأتي من الواقع إلى نفس المؤلف لا تكون من ذات الشخصية أو الحدث، بل من طريقة تشكلها في وعيه، لذلك نجد أن الكثير من الشخصيات التي تكون ملهمة للمبدع، تتحول في آخر الأمر إلى شخصية جديدة وغريبة عن تلك التي ابتدأ منها، ولأني لا أؤمن إطلاقاً بفكرة الموهبة الفطرية، بل إني على قناعة بأن هذه المقدرة التي يتملكها الكاتب في خلق هذه الشخصية الجديدة هي نتاج تجربة وثقافة أهم ما يميزها أنها تجربة وثقافة جمعية، وليست فردية بالمطلق، إني أرى أن في حياة كل واحد منا شاعراً، وفناناً، ولكننا نفتقر للوعي الذي يمكن أن يحفز فينا إعلانها، أو أنها تُوءد قبل أن تولد من قبل البيئة والمجتمع والأسرة.
المهم في آخر الأمر أن الكتابة ليست معاناة أو شقاء، بل على العكس، هي متعة وممارسة ساحرة للخيال.

ذو صلة
التعليقات