مجلة شهرية - العدد (518)  | نوفمبر 2019 م- ربيع الأول 1441 هـ

ولا أسوأ من فقد الأولاد

كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد قال ذات مرة عن الأولاد: (إنهم مجبنة محزنة مبخلة..)، وشاهدنا هنا (الحزن)، فليس من أحد ينكر حزنه على أولاده في مغيبهم ومحضرهم عند مرضهم، فكيف بحزنه عند فقدهم؟!
كان (أبو ذؤيب الهذلي)، واسمه خويلد بن خالد، وقد أسلم وحسن إسلامه؛ قد هلك بنوه الخمسة في عام واحد إثر طاعون أصابهم، وكانوا رجالاً، ولهم بأس وقوة، وكانوا هاجروا لمصر. ومع شدة الألم ومرارة الفقد بكاهم بقصيدة، هي مزع من قلبه وأنّاته، بدأها بحديث بينه وبين امرأة تسائله عن شحوبه وأرقه. وهي قصيدة طويلة احتفى بها مؤرخو الأدب كثيراً، وقرئت كثيراً، منها قوله:

أمن المنون وريبها تتوجّعُ        والدهر ليس بمعتب من يجزع
قالت أميمة: ما لجسمك شاحباً    منذُ ابتذلت ومثل مالك ينفعُ
أم ما لجنبك لا يلائم مضجعاً    إلا أقضَّ عليك ذاك المضجع
فأجبتها: أمَّا لجسمي أنَّه        أودى بنيَّ من البلاد فودَّعوا
أودى بنيَّ وأعقبوني غُصّةً        بعد الرقاد وعبرةً لا تُقلعُ
سبقوا هَوَيَّ وأعنقوا لهواهم    فَتُخُرِّموا، ولكل جنبٍ مصرعُ
فغيرت بعدهم بعيش ناصبٍ    وإخالُ أنِّي لاحقٌ مستتبعُ
ولقد حرصت بأن أدافع عنهم    فإذا المنيّة أقبلت لا تُدفع
وإذا المنية أنشبت أظفارها    ألفيت كل تميمة لا تنفع
فالعين بعدهم كأن حداقها        سُملت بشوك فهي عورٌ تدمع
حتى كأني للحوادث مروة        بصفا المُشرَّقِ كل يوم تُقرع
وتَجلُّدي للشامتين أريهمُ        أنِّي لريب الدهر لا أتضعضعُ
والنفس راغبة إذا رغَّبتها        وإذا تُردُّ إلى قليل تقنع
ولئن بهم فَجعَ الزمان وريبهُ    إني بأهل مودَّتي لمُفجَّع
كم من جميع الشمل ملتئم القوى    كانوا بعيش قبلنا فتصدَّعوا
والدهر لا يبقى على حدثانه    جون السراةِ له جدائدُ أربعُ

* انظرها كاملة في: المفضليات بتحقيق وشرح/ أحمد محمد شاكر وعبدالسلام هارون، ط 6، دار المعارف.

ذو صلة
التعليقات