مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

الجراحة الروبوتية عبر القرية الكونية

غيرت الجراحة الروبوتية من مفهوم (علم وفن) الجراحة التقليدية، فلم يعد يقتصر على علاج الأمراض كلياً أو جزئياً بالأيدي البشرية أو الطرق العملياتية، بل تجاوزها للأيادي الآلية.
منذ عقود قليلة؛ غزا الروبوت (الإنسان الآلي) أغلب مناحي الحياة الحديثة، وأصبح له دور كبير ومهم، كروبوتات صناعية في ورش الآليات الثقيلة (تصنيعاً وتجميعاً)، وروبوتات زراعية (زرعاً وحصاداً، وتعبئة وتغليفاً)، وروبوتات الموانئ ومراكز الشحن (التقاطاً للبضائع، وملئاً للشاحنات)، وروبوتات (منزلية أليفة) (طبخاً وتنظيفاً وترتيباً) إلخ.
كما تم تطوير وإنتاج أنظمة روبوتية تُؤدي أنظمة تخديرية، وعمليات جراحية، ورعاية سريرية. وبات هناك ما يعرف بالجراحة الروبوتية (Robotic surgery)، وهي القيام بعمل جراحي متكامل بمساعدة تقنية آلية وحاسوبية، وتدخلات بمناظير جراحية، وتصوير واضح ثلاثي الأبعاد، وشبكة إنترنت. حيث يقوم الجراحون المهرة بإجراء العمليات عن بعد، وبالتخاطب الصوتي. ويعتبر التخدير بالروبوت، مثل الروبوت (ماك سليبي)؛ مشابهاً تقريباً للتخدير في العمليات التقليدية، إلا أن المضاعفات الناتجة عن ذلك هي الأقل نسبياً.
محطات روبوتية مهمة
مع انتشار الجراحة بالمنظار في تسعينات القرن الماضي، تغيرت صيغة عمليات الجراحة، وتطور الاتجاه إلى التدخل بأصغر جرح وأقل عدد من الجروح المحتملة، وتم تطوير الروبوت الجراحي (Heartthrob) واستخدامه للمرة الأولى في مدينة فانكوفر، بمقاطعة كولومبيا، في كندا عام 1983. حيث صممه مهندس الطب الحيوي، الدكتور جيمس ماكوين، والمهندس الفيزيائي (جيف أخينليك)، والدكتور (براين يوم)، فضلاً عن مساعدة فريق من طلاب الهندسة. تم استخدام أول روبوت جراحي في إجراء العمليات للجراحة العظمية في 12 مارس 1984، في مستشفى جامعة كولومبيا البريطانية في (فانكوفر). وأجريت أكثر من 60 جراحة بالمنظار في الأشهر الاثني عشر الأولى. وبإجراء أول عملية مرارة روبوتية عام 1997 اكتسب هذا الاتجاه سرعة جديدة للغاية.
وفي أوائل عام 2000 تمت تدخلات جراحية عامة بالروبوت (دافنشي) Da Vinci Surgical System من قبل جراحي جامعة (أوهايو). ونشرت تقارير عن جراحة المريء والبنكرياس لأول مرة، وتم نشر المزيد من النتائج من قبل فريق (هورغان) في جامعة (إلينوي). وفي الحادي عشر من يوليو عام 2000 وافقت الإدارة الأمريكية للدواء والغذاء FDA على نظام دافنشي الجراحي كنظام معتمد الاستخدام. فكان بذلك أول نظام روبوتي كامل يسمح باستعماله في غرف الجراحة في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أقرت استخدامه في إجراءات مختلفة بدءاً من الجراحة القلبية التجسيرية حتى جراحة قرحة المعدة.
ومنذ 2003 تتوافر هذه التقنيات الروبوتية الحديثة في مستشفى الملك خالد الجامعي بالرياض. ونشرت عام 2004م أول دراسة عن ذلك، شملت 42 مريضاً (25 عملية قلب، 9 عمليات مرارة، 8 عمليات أخرى)، تم علاجهم بمستشفى الملك خالد الجامعي. وفي مجال الأورام النسائية (الحميدة والخبيثة)؛ أجري بنجاح ما يقارب من 100 جراحة معظمها لسرطان الرحم والمبيض باستخدام الروبوت (دافنشي). كما تجرى عدة جراحات للمسالك البولية وأورام القولون والمستقيم.
وفي عام 2007 نشر بجامعة إلينوي في شيكاغو نتائج استئصال البنكرياس وأول جراحة روبوتية كاملة بقيادة البروفيسور (بيير كريستوفورو جيوليانوتي). وفي أبريل 2008 قام فريق الجراحين نفسه باستئصال الكبد بالكامل، وإزالة 60% من كبد أحد المرضى، وسمح له بمغادرة المشفى بعد بضعة أيام من إجرائه العملية. وفي يناير 2009 أجرى الدكتور (جيفنر) أول جراحة روبوتية لزرع كلى بمدينة نيوجرسي. وفي العام نفسه نشر د.تيلمان وزملاؤه أكبر دراسة عن استخدام (دافنشي) في جراحة الأورام السرطانية النسائية في مراكز طبية عديدة. كما أن هذا الروبوت مفيد جداً في جراحة المناظير الباطنية مثل استئصال المرارة أو البروستاتا.
وعموماً، يقسم نظام الروبوت لقسمين: يتضمن الأول سرير المريض المتضمن أيضاً 4 أذرع تدخل كل منها البطن عبر ثقب صغير (يراوح قطره 5-12 ملم). وهنا يمكن تصوير ما بداخل البطن، والمتابعة عبر كاميرات الروبوت التي تنقل صورة تفصيلية دقيقة، وواضحة، وثلاثية الأبعاد. وتنتقل الأوامر من حركة الجراح إلى الروبوت وتحديداً إلى الأذرع بواسطة الكابلات. أما القسم الثاني للروبوت فهو منضدة الجراح، حيث يجلس ويحرّك أذرعة الروبوت ضمن مجال الرؤية ثلاثي الأبعاد.
 وتمكن الباحثون في جامعة (جونز هوبكنز) من تطوير روبوت على شكل ثعبان Snake-like Robot، لإجراء جراحات منطقة الحلق الضيقة. إذ يمكنه دخول الحلق عبر قضيبين مثبت على رأسيهما مستشعرات (لامسات) يمكنها التحرك بمرونة وسهولة أكثر من الجراحة الكلاسيكية. حيث يمكن للطبيب في غرفة التشغيل الحصول عبر عدسات خاصة على صورة ثلاثية الأبعاد لموضع الجراحة، وتشغيل أدوات التحكم لتوجيه الروبوت. وصنع هذا النموذج من معادن غير مغناطيسية، ليستعمل بشكل آمن قرب أدوات التصوير المغناطيسية.
ميزات الجراحة الروبوتية
يمكن استخدام الروبوت في جراحة المسالك البولية كغدة البروستات، وسرطان الكلى والمثانة وغيرها. كما شكل استئصال سرطان البروستات أكثر الخيارات العلاجية انتشاراً في الولايات المتحدة. فلقد اختار (جيم ماكموس) (66 عاماً) من (أوفرلاند بارك) بولاية (كنساس) الخضوع لجراحة روبوتية بعد أن تم تشخيص إصابته بسرطان البروستات قبل نحو 6 أشهر. فأجريت له الجراحة يوم الثلاثاء وغادر المستشفى لمنزله يوم الجمعة، وعاد لعمله يوم الإثنين، وقال: (في أقل من شهر أصبحت أمشي 10 كيلومترات يومياً). بينما قال (جي.برانتلي تراشر) الناطق باسم الجمعية الأمريكية لأمراض الجهاز البولي: (إنه راجع الأدلة المتوافرة حتى الآن حول جراحة البروستات التي أجريت بطريقة الشق الصغير التقليدية والمعلومات الخاصة بالجراحة الروبوتية، ولم يجد فارقاً كبيراً بين نتيجتي العمليتين.. فالعملية يمكن أن تجرى بشكل جيد بأي الطريقتين، وهذا يعتمد على خبرة الجراح، فالروبوت هو في النهاية أداة ميكانيكية لن تجعل الجراح السيئ ماهراً).
كما يستثمر الروبوت في القيام بعدد من الجراحات النسائية لاستئصال الرحم والأورام الليفية الرحمية وأمراض المبيض وهبوط الرحم. وكذلك سرطان المعدة والبنكرياس والكبد والفتق والسمنة، وجراحة الغدة الدرقية. حيث يقوم الروبوت بتدخلات فيها وضوح الرؤيا، ودقة الحركة، والتدخل الأقل، وحجم شقوق جراحية أصغر، ومعدات أدق حجماً وقطراً. مع خفض معدلات النزيف، وقلة شعور بالألم، وقلة المضاعفات، وسرعة التعافي. فضلاً عن تفادي تداعيات اهتزاز أيدي الجراحين أثناء الجراحات الدقيقة الطويلة الأمد. لكن الروبوت يقوم بحركات دقيقة في مساحة صغيرة دون ارتعاش أصابعه، وتتحرك أذرعه الحساسة بحذر داخل الجسم. ويصل إلى مواضع قد يصعب الوصول إليها في الجراحة التقليدية.
(عولمة الجراحة) جراحات عبر القارات
في سبتمبر 2001م؛ قام فريق من الأطباء في نيويورك بإجراء جراحة روبوتية ناجحة عبر الأطلسي (على بعد 14 ألف كيلومتر) لاستئصال مرارة مريضة موجودة في مدينة (ستراسبورغ) الفرنسية. وذلك بواسطة ذراع روبوتي يعمل عن بعد يسمى (زيوس) ZEUS، وأطلق على العملية (ليندبيرغ) Operation Lindbergh. واستمرت العملية نحو 45 دقيقة، وأخرجت المريضة من المستشفى بعد يومين من إجراء الجراحة. وكان الاتصال بين الروبوت والجراح يتم عبر خدمة فائقة السرعة بألياف بصرية، قدمتها وحدات تابعة لشركة (فرانس تيليكوم). حيث بلغ التأخير الزمني بين حركة الجراح وعودة صور الفيديو المعروضة على الشاشة أقل من خمس الثانية، بينما الفرق الزمني المقبول في مثل هذه الحالات يقدر بثلث الثانية.
وهذا يُرسي الأساس (لعولمة الجراحة) مما يجعل بإمكان أي جراح إجراء عملية على مريض في أي مكان في العالم، وبالتالي جعل الجراحين والاختصاصيين في متناول الأيدي لمساعدة الجراحين الموجودين في مناطق خطرة كالكوارث الطبيعية، والعمليات العسكرية لمن قد يفتقدون الخبرة الطبية الفائقة. فضلاً عن إمكانية تطوير هذه التقنية الجديدة لأغراض التعليم والتدريب التي تشمل المناطق النائية في دول العالم الثالث.
كما سيكون بالإمكان إجراء جراحة روبوتية في الفضاء، تحسباً لحالات طوارئ قد تحدث لرواد الفضاء، إذ يقوم الباحث (تيم برودريك) في جامعة (سنسيناتي) في (أوهايو) الأمريكية، بإجراء دراسات مع وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، حول إمكانية إجراء عمليات جراحية من الأرض إلى الفضاء. علماً بأن عودة رائد فضاء مريض من المريخ إلى الأرض تستغرق ستة أشهر، لذا يُفضل علاجه سريعاً بتكنولوجيا الروبوت. وتشمل تجربة (ناسا) التي تسمى (نيمو 7) Nemo-7، إجراء عملية على دمية في مختبر (إكواريوس) في أعماق البحر، قبالة ساحل فلوريدا، وعلى عمق 19 متراً، في جو يشبه تماماً الأجواء الفضائية الخارجية، وسيقوم جراح على بعد 2000 كيلومتر بإجراء الجراحة عبر روبوت يتلقى تعليماته باللاسلكي.
الروبوتات الجراحية.. أمل وجدل
استخدم جراحون في بريطانيا روبوتاً لإجراء جراحة أعادت حاسة البصر للقس (ريف بيفر) (70 عاماً). حيث استعمل فريق طبي في مستشفى (جون رادكليف) في (أكسفورد) جهازاً لإزالة غشاء سمكه واحد بالمئة من الملليمتر: (إجراء عملية خلف العين تحتاج لدقة كبيرة، وكان التحدي هو إدخال روبوت لإجراء العملية خلال فتحة صغيرة في جدار العين دون التسبب في أضرار أثناء تحركها في جميع الجهات). وكانت شركة هولندية منبثقة عن جامعة أيندهوفن للتكنولوجيا، قد طورت روبوت جراحات العيون (بريسايز). ويستخدم الجراح عصا تحكم وشاشة تعمل باللمس لتوجيه الإبرة الرفيعة داخل العين، بينما يراقب تقدمها عبر تليسكوب. وهذا سينعكس بالإيجاب على مرضى تكسر المشيمة (فقدان بصر وراثي)، الذي يتوقع أن يصبح هدفاً للعلاج باستخدام الروبوت.
وتتجه كبرى شركات التقنيات الطبية إلى تطوير وإنتاج أجهزة (الإنسان الآلي) للمساعدة في جراحات الركبة المعقدة، وتتعهد بإجراءات أسرع ونتائج أفضل. حيث يزداد الطلب على المفاصل الصناعية البديلة بوتيرة سريعة في ظل تنامي عدد كبار السن الذين يعانون من تآكل المفاصل. وترى شركتا (ستريكر) الأمريكية، و(سميث أند نيفيو) البريطانية أن بوسعهما تغيير هذا المسار بعدما منحتهما أجهزة الروبوت ميزة أكبر. كما يتوقع استخدام الروبوتات في إجراء الجراحات فائقة الدقة كجراحات الأعصاب. ويأمل تصميم أنظمة روبوتية (يتداخل فيها الجانب البشري بالجانب الآلي) لتوفر القدرة على التلمّس والتمييز الذاتي للأنسجة الداخلية والأورام. وذلك ليشعر الجراح أنه يجري الجراحة بنفسه، وليس باستخدام الروبوت كوسيط. ولتطوير هذه الميزة المهمة تقوم فرق البحث بإجراء تجاربها على نظام (دافنشي). حيث تجرى بحوث باستخدام (مستشعر القوة الجسدية) ضمن الأدوات الروبوتية لتحديد مقدار القوة المطلوبة، وكذلك استعمال نموذج حاسوبي رياضي لتقييم القدرات بين المريض والروبوت. وتتم ترجمة هذه المعلومات من المشغل إلى مقدار جهد الجراح في تحريك عصى القيادة في الروبوت الرئيس.
ومن جهة أخرى يرى البعض أن هناك (هدفاً تسويقياً) أكثر مما هو طبي يكمن وراء هذه الروبوتات الجرّاحة Robotic surgeons، لاسيما أن (الجراحين والمستشفيات يبحثون عن مبررات لاستثمارهم في مثل هذه النوع المكلف من التقنيات، ولم تجر سوى بضع دراسات واسعة النطاق لتقييم هذه التكنولوجيا). ويشير المشككون إلى أنه: (من الواضح أن نتائج العمليات الروبوتية ليست أفضل بكثير من نتائج الجراحة التقليدية).
والخلاصة: لم يعد ضرباً من ضروب الخيال العلمي؛ بل بات وشيكاً أن يأتي يوم تكون فيه المستشفيات بدون بشر تقريباً، ويختفي الجراحون، وأطباء التخدير، وفريق التمريض، والمديرون والعمال، لتحل محلهم روبوتات المستقبل التي ستكون قادرة وحدها على القيام بكل المهام. وستختفي حرية الاختيار بين أجراء الجراحات بواسطة الجراحة التقليدية، والجراحة الروبوتية.

ذو صلة
التعليقات