مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

دارة الملك عبدالعزيز وثقت مكونات العاصمة الأولى للسعودية

التفتت دارة الملك عبدالعزيز مبكراً للجغرافيا السياسية للدولة السعودية في عهودها الثلاث، ضمن نظامها الأساس ونطاقها العلمي، واستطاعت أن تنجز عدداً من التوثيقات المهمة في هذا المجال كجزء من التاريخ الوطني، وخصصت الدارة عدداً من الأعمال الميدانية والبحثية للعاصمة الأولى للدولة السعودية (الدرعية)، لرمزيتها التاريخية وكونها النواة الجغرافية والثقافية التي انطلقت منها الدولة الفتية، ولأنها احتضنت الحدث الأول لظهور الشخصية السعودية في الجزيرة العربية، ولعمقها التاريخي في محيطها المكاني الذي توثق بإنشاء الدولة السعودية الأولى. وقطعت الدارة بعمل مؤسساتي منظم مسافة طويلة في توثيق جوانب عدة للعاصمة الأولى، وذلك من خلال مسارين متكاملين:
أولهما: تولي التشغيل العملي والعلمي لمركز توثيق تاريخ الدرعية، بالتعاون مع الهيئة العليا لتطوير الدرعية، ومقره في المدينة نفسها الذي يعيش خطواته التجهيزية الأخيرة من قبل الهيئة، وبالرغم من ذلك قام فريق العمل المخصص للمركز بأنشطة ميدانية مهمة في سياقها ودائمة، من أبرزها السعي لإنجاز المعجم التاريخي للدرعية، حيث قام فريق عمل ميداني شاركت فيه تخصصات مختلفة من المعاصرين بتوثيق المزارع والأسهم المشهورة التي كانت موجودة بها، وبلغ العمل حتى الآن توثيق (179) مزرعة، وكذلك رصد وتوثيق المساجد، والمقابر، والسدود، والشعاب، والغيران، والأحياء القديمة، ومداخل ومخارج المدينة قديماً، والوديان، والأسوار، والأسواق، والأبراج، والجبال والآبار القديمة، والأمدية، والمصبات، والمدارس القديمة، وبلغت مادة المعجم أكثر من (400) مادة جغراتاريخية من خلال استمارات صممت لهذا الغرض شملت التوصيف والتصوير لما هو موجود أو ما تبقى من أطلال وقرائن حتى الآن. كما نفذ المركز الذي اعتمد بناؤه عام 1422هـ تسجيل (26) مقابلة شفهية حتى الآن مع كبار السن والرواة وشهود العيان والمعاصرين المهتمين عن مشاهداتهم التاريخية وأحداثهم الخاصة والعامة في الدرعية، بالتكامل مع البحث عن الوثائق والمخطوطات والصور الفوتوغرافية ذات العلاقة بتاريخ تطور العاصمة التاريخية بالتعاون مع محافظتها في أراشيف الدوائر الحكومية، ضمن مشروع الدارة في مسح المصادر التاريخية، وبالتعاون مع الأهالي والسكان. وقد تم جمع (9000) وثيقة حتى الآن منها (4000) وثيقة أصلية، وأكثر من (1000) صورة تاريخية، منها (100) صورة قدمتها الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض. كما تقوم الدارة ممثلة في المركز، وضمن اتفاقية التعاون مع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني؛ بتوثيق المواقع التاريخية في المملكة العربية السعودية، بتحديد وتسجيل وتصوير المساجد القديمة في الدرعية ومعالمها التاريخية وأحيائها التراثية، كما أسهمت مع السياحة والهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض في مراجعة تاريخية ودراسة علمية للجوانب التاريخية والنصوص المتحفية والمقتنيات والوثائق والمعروضات لمحتوى المتاحف الجاري إنشاؤها في حي الطريف. وتصب الأنشطة السابقة في إستراتيجية المركز الرئيسة التي تهدف إلى بناء قاعدة معلومات عن تاريخ العاصمة السعودية الأولى وجغرافيتها وآدابها وتراثها ومآثرها الفكرية، وتوفير إصدارات علمية موثقة عن تاريخ الدرعية، وكل ما يتعلق بجوانب الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، والعمل على إنشاء موسوعات علمية ورقية وإلكترونية. كما أن المركز سيقوم بعقد ندوات ومحاضرات متخصصة، مما ينقل الدرعية إلى واجهة الحركة البحثية التاريخية، وبالتالي يحفز الباحثين والباحثات لإثراء تاريخ الدرعية بالدراسة والتحليل المستفيض، وفق منهج مؤسساتي بعيداً عن الجهود الفردية المتفرقة وذات القصور في غالبها.
المسار الثاني: هو مسار البحث والنشر العلميين عن تاريخ الدرعية، سواء مباشرة أم من خلال مؤلفات ومترجمات تحدثت عنها بصورة غير مباشرة، فأصدرت في ذلك مؤلفات عديدة تطرقت لجوانب سياسية وثقافية واجتماعية فيها، من أبرزها: كتاب (أهل العوجا) الذي تطرق لنخوة العوجا التي عرف بها آل سعود، واشتهرت بين أهل العارض ونجد، والمدلول اللغوي لكلمة العوجا وسبب المسمى، وانتهى الكتاب بمناقشة كل رأي في ذلك الموضوع، حول تفسير مدلول الكلمة، والراجح يعود إلى الدرعية وطبيعتها الجغرافية على ضفاف وادي حنيفة. وكتاب (الدرعية.. نشأة وتطوراً في عهد الدولة السعودية الأولى) الذي تحدث عن الحياة العسكرية في الدرعية، معدداً بعض الأسلحة المتداولة وأسوارها وأبراج المراقبة فيها وطرق بنائها، كما تناول الحياة الاجتماعية والإنسانية في العاصمة الأولى من زراعة وتجارة ونشاط علمي، كما تتبع مسيرة الدولة السعودية الأولى والتعريف بأئمتها الأربعة، بالإضافة إلى حياة الشيخ محمد بن عبدالوهاب - يرحمه الله.
وفي الجانب السياسي قدّمت الدارة للمكتبة التاريخية الوطنية كتباً عدة، منها: (حملة إبراهيم باشا على الدرعية وسقوطها)، وترجمة كتاب (تاريخ الدولة السعودية الأولى وحملات محمد علي على الجزيرة العربية) للفرنسي فيلكس مانجان الذي عرف بالدقة والأمانة العلمية، ومادة الكتاب مستلة من كتابه الشهير (تاريخ مصر في عهد محمد علي). وغيرها من الكتب المباشرة وغير المباشرة، فضلاً عن البحوث والمقالات العلمية المحكمة التي نشرتها مجلة الدارة عن الدرعية، ودائماً ما ترحب بالجديد والمبتكر حول هذه المدينة السعودية العريقة. وعن نموذج البناء المعماري في المنطقة الوسطى من المملكة العربية السعودية، ممثلاً في الدرعية؛ قدمت الدارة كتاب (تغير الأنماط السكنية في الدرعية) الذي يقدم أساليب البناء ومكونات المبنى، ويدرس تغير النمط المعماري عبر مراحل تاريخ الدرعية، موظفاً الرؤية الجغرافية، ما يعد توثيقاً لجانب اجتماعي وثقافي وعمراني في المكون المادي للمدينة التاريخية.
ونشرت دارة الملك عبدالعزيز عبر بعض إصداراتها خرائط تاريخية للدرعية وأخرى حديثة، نتيجة ظهور معلومات جديدة، ومن ذلك ما نشرته من مجموعة خرائط للدرعية في عهد الدولة السعودية الأولى في كتاب الأطلس التاريخي للمملكة العربية السعودية، بينت بالرسم توزيع قوات الدولة السعودية الأولى في عهد الإمام عبدالله بن سعود، وتحصيناتها قبيل معارك الدرعية وتوزيع قوات محمد علي المهاجمة للدرعية عام 1233هـ/1818م، وتظهر الخرائط عدداً من المعلومات الجغرافية وأسماء الأحياء والشعبان والأسوار المحيطة بالعاصمة الأولى في تلك الفترة التاريخية.

ذو صلة
التعليقات