مجلة شهرية - العدد (501)  | شوال 1439 هـ- يوليو 2018 م

مخطوطات الدرعية فـي المكتبات العالمية

أسفر التحالف على نشر الدعوة السلفية بين الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب، وتوافر القوة العسكرية لهذه الدولة الناشئة والرخاء المادي، مزيداً من الحرص على العلم وطلبه، وتوافداً لطلبته على الدرعية للدراسة على علمائها والإفادة منهم، فانبرى هؤلاء الطلبة لنسخ الكتب، وتدوين شروح شيوخهم وتعليقاتهم على كتبهم وحواشيها، ثم تولوا عند مغادرتهم الدرعية نقل كتبهم وما نسخوه إلى بلدانهم.
ولأجل ذلك أُثر عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - حرصه الشديد على جمع الكتب، واهتمامه بنسخها؛ فقد عُرف عنه في رحلاته لطلب العلم أنه كان حريصاً على نسخ الكتب، وقد أشار الشيخ عبدالرحمن بن حسن إلى ذلك بقوله: «فقدم المدينة بعد أن خرج الحاجّ منها، فأقام بها... فكتب كتاب الهدي لابن القيم بيده، وكتب متن البخاري».
كما حرص الشيخ محمد على استعارة ما يحتاج إليه من كتب علماء وقته، لنسخها ثم إعادتها؛ فورد أنه كتب رسالةً إلى الشيخ أحمد بن إبراهيم قاضي مَرَات يطلب منه إعارته بعض الكتب، ومما جاء في رسالته التي كتبها باللهجة النجدية الدارجة: «ولكن تعرف حرصي على الكتب، فإن عزمت على الراضة وعجلتها علي قبلك، فتراها علي بِنَوُ الخير، وإن ما جاز عندك كلها فبعضها، ولو مجموع ابن رجب ترى ما جانا فهو عارية موداة».
وسعى الشيخ محمد بن عبدالوهاب أيضاً إلى جلب الكتب من خارج نجد وشرائها، بل بلغ به الحرص على نسخ الكتب أنه كان يسهر في بعض الليالي لتأليف بعض الرسائل أو نسخها. وأشار إلى ذلك في رسالة منه إلى الشيخ عبدالله بن سحيم، أوضح فيها أنه قد كتبها في الليل مستعيناً بضوء السراج. كما أكد - رحمه الله - في رسائله لطلبة العلم وعامة الناس أهميةَ نسخ الكتب والرسائل والفتاوى، وإرسال نسخ منها إلى البلدان المجاورة؛ لنشر العلم وللمحافظة عليها، وقد نسخ - رحمه الله - كتباً كثيرةً في علمي الحديث واللغة.
وفي نطاق الحركة العلمية وتنشيط نشر الكتب، سعت الدولة السعودية الأولى إلى إرسال السفارات إلى المناطق المجاورة لتوضيح دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب الإصلاحية، وبيان أنّ هدفها هو العودة إلى أصول الإسلام السليمة، ونبذ البدع والخرافات التي تخالف الدين، ولردِّ ما قد يثيره المعارضون من شبهات على الدعوة. وفي هذا السياق أرسل الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود (1179-1218هـ/ 1765-1803م) سفارة برئاسة الشيخ حمد بن ناصر بن معمر إلى أمير مكة المكرمة الشريف غالب بن مساعد (1202-1228هـ/ 1788-1813م) في عام 1211هـ/ 1796م، لمناقشة علماء مكة حول مبادئ الدعوة وما أثير ضدها من شبهات واتهامات. كما تولى حينها مراجعة الكتب التي في مكة المكرمة ونسخ بعضها، وألف بعض الرسائل في الدعوة، وردّ على اتهامات خصومها.
وأرسل الإمام سعود بن عبدالعزيز (1218-1229هـ/ 1803-1814م) قِبَل اليمن سفارةً إلى إمامها في عام 1222هـ/ 1807م الإمام المنصور بالله ربِّ العالمين علي بن العباس (1189-1224هـ/ 1775-1809م)، كان من ضمن أعضائها عالمان من علماء الدعوة هما: الشيخ عبدالعزيز بن حمد بن مشرّف، والشيخ عبدالله بن مبارك بن عبدالله الأحسائي، تولى الأول منهما في صنعاء نسخ كتاب تفسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير. ويشير بوركهارت إلى أنّ عبدالوهاب أبو نقطة أرسل كميات من الكتب إلى الإمام سعود بن عبدالعزيز نقلها من اليمن.
وعندما عقد الصلح بين الإمام عبدالله بن سعود (1229-1233هـ/ 1814-1818م) وأحمد طوسون باشا ابن والي مصر محمد علي باشا في عام 1230هـ/ 1815م، كان من شروط الصلح إرسال الإمام عبدالله بعثةً إلى القاهرة تمثله لإقرار الصلح مع محمد علي باشا. وبناءً على ذلك، غادر كل من الشيخ عبدالعزيز بن حمد بن مشرّف والشيخ عبدالله بن محمد بن بنيان نجداً إلى القاهرة، حيث قابلا ثمة محمد علي باشا، وعمدا إبان إقامتهما إلى شراء عدد من كتب التفسير والحديث ونسخها، مثل: تفسير الخازن، وتفسير الكشاف للزمخشري، وتفسير البغوي، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن أبي داود.
كما أرسل الإمام سعود سفارةً إلى بغداد ودمشق، حملت معها عند عودتها إلى نجد كتباً في التاريخ اقتنتها من أسواق الكتب في بغداد والشام. وقد أشار بوركهارت إلى حرص السعوديين على اقتناء الكتب وخصوصاً كتب التاريخ؛ وأنّ ذلك مشتهرٌ عنهم، كما ذكر أنّ السعوديين اقتنوا كتباً من المدينة المنورة.
وقد استمرّت حركة النهضة العلمية في نجد ونشاط نسخ الكتب واقتنائها، حتى سقوط الدرعية في سنة 1233هـ/ 1818م على يد إبراهيم باشا. وكان من نتيجة ذلك الحدث خُبوّ النشاط العلمي ولو مدةً قصيرة، والقضاء على كثير من الإنجازات العلمية التي حفلت بها الأوقات السابقة. كما نتج عن سقوط الدرعية تدمير ما كان فيها من خزائن الكتب، وانتقال نسخ كثيرة من المخطوطات إلى خارج حدود نجد، أو فقدانها، أو تلفها. حيث عمد إبراهيم باشا إلى جمع ما استطاع جمعه من المخطوطات ونقلها إلى المدينة المنورة، كما جمعت الحملات العثمانية المتوالية بعد ذلك ما استطاعت جمعه من مخطوطات ونقلته إلى المدينة المنورة، وما لم تستطع نقله تولت جمعه وإحراقه، وقد ضمَّت مكتبة المدرسة المحمودية جزءاً كبيراً من التراث المخطوط في مكتبات الدرعية، وانتقل بعض هذا التراث إلى خارج الجزيرة العربية، ويمكن رصد أهم مكانين خرج منهما التراث المخطوط الذي كان في الدرعية هما المدينة المنورة والقاهرة، ومنهما انتقل إلى أماكن عدّة في العالم عموماً، وتحاول هذه المقالة التعريف بهذه الأماكن وذكر نماذج (غير حصرية) من التراث المخطوط الذي كان في مكتبات الدرعية، ومن هذه الأماكن ما يأتي:
أولاً: قصر طوب قبو سراي بإستانبول
يحتوي هذا القصر على تسع مكتبات تضمّ مجموعةً كبيرة من المخطوطات، من أهمها مكتبة روان كوشكو، ومكتبة الخزينة، ومكتبة السلطان أحمد الثالث، ومن المكتبات المهمة فيها مكتبة المدينة المنورة التي تولى الفريق فخر الدين باشا في أثناء الحرب العالمية الأولى نقل المخطوطات التي في مكتبة المدينة المنورة إلى دمشق، وحُفظت هناك لأجل نقلها إلى إستانبول، ونقل منها (566) مخطوطاً من مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت ومكتبة المدرسة المحمودية ومكتبة بشير آغا وغيرها إلى إستانبول، ووُضعت في مكتبة قصر طبو قبو سراي، وأعطيت لها أرقام تسلسلية مع إضافة حرف (M) عليها، إشارةً إلى أنها جاءت من المدينة المنورة، أما البقية فبقيت في الشام إلى انتهاء الحرب العالمية الأولى فأعادها الشريف عبدالله بن الحسين إلى المدينة، ومن هذه المجموعة المنقولة إلى إستانبول بعض المخطوطات المنقولة من الدرعية بعد سقوطها وحُفظت في مكتبة المدرسة المحمودية ثم نقلت إلى هناك، ومن هذه المخطوطات:
1 - بداية الهداية لأبي حامد الغزالي، منسوخ في عام 1103هـ، بخط عبدالمحسن بن علي، برقم (6191 M. 518).
2 - زاد المعاد في هدي خير العباد للإمام ابن القيم، منسوخ في عام 1153هـ، بخط حسين بن زيد بن محمد، برقم (6022 M. 446) و(6023 M. 444).
3 - كتاب تبصير المنتبه بتحرير المشتبه لابن حجر، برقم (6468 M. 498).
4 - المجلد السادس من كتاب الأنساب للسمعاني، برقم (6263 M. 489).
5 - المجلد الأول من كتاب المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقلها لابن حبان، برقم (2603 M. 289).
ثانياً: مكتبة الدولة ببرلين
تعدّ هذه المكتبة من أهمّ المكتبات في ألمانيا، إذ هي المكتبة الوطنية فيها، أسَّسها الأمير فريدرخ فيلهلم أمير براندنبورغ عام 1661م، وتقتني المكتبة حالياً 11730 مخطوطةً إسلامية، منها 7200 مخطوطة مكتوبة باللغة العربية، ومن هذه المخطوطات مجموعة مهمّة اشترتها المكتبة من دار بريل للطباعة والنشر في هولندا، وهذه المجموعة جزءٌ من مجموعة الشيخ أمين الحلواني التي باعها على دار بريل، ومن هذه المجموعة ما يأتي:
1 - فصول من أعلام الموقِّعين عن ربِّ العالمين لابن القيم، بخط الشيخ محمد بن عبدالوهاب، برقم (MS.LBG 217).
2 - جزء من الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم، بخط الشيخ محمد بن عبدالوهاب، برقم (MS.LBG 218).
3 - القواعد الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية، منسوخ في 1218هـ، بخط إبراهيم بن موسى بن عتيق بن راشد، عليه تملّك الشيخ علي بن محمد بن عبدالوهاب، برقم: (MS.LBG 415).
4 - جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام لابن القيم، منسوخ في عام 1100هـ تقريباً، بخط الشيخ سليمان بن علي آل مشرف جدّ الشيخ محمد بن عبدالوهاب، برقم (MS.LBG 422).
5 - مجموع رسائل وفصول لشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب، برقم (Ms. or. oct. 3968).
ثالثاً: مكتبة جامعة لايدن
تأسست عام 1575م في لايدن بهولندا، وهي مكتبة متميزة بالمخطوطات العربية، ومن مجموعاتها مجموعة من المخطوطات اقتنتها بالشراء من دار بريل للطباعة والنشر، أوصى الكونت لاندبيرج الدار بشرائها من جملة كتب الشيخ أمين بن حسن الحلواني المدني، التي أحضرها معه إلى أمستردام عام 1883م، وكانت تضمّ (664) مخطوطاً، ومن هذه المجموعة عدد من المخطوطات التي نقلت من الدرعية إلى المدينة المنورة، ومنها ما يأتي:
1 - أربع رسائل للشيخ محمد بن عبدالوهاب، بخط الشيخ محمد بن عبدالوهاب، برقم (OR 2497).
2 - تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد لابن مالك، منسوخ في عام 982هـ، بخط أحمد بن موسى بن سلطان، برقم (OR 2867).
3 - رسالة في الاجتهاد والتقليد والخلاف فيهما للشيخ محمد بن عبدالوهاب، بخط الشيخ محمد بن عبدالوهاب، برقم (OR 2498).
4 - رسالة في النجاسات المعفوّة لشيخ الإسلام ابن تيمية، بخط الشيخ محمد بن عبدالوهاب، برقم (OR 2500).
5 - زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم، بخط الشيخ محمد بن عبدالوهاب، برقم (OR 2998).
6 - كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبدالوهاب، بخط الشيخ محمد بن عبدالوهاب، برقم (OR 2499).
7 - رسالة تتضمن الحديث في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه عن ذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية، منسوخ في عام 1197هـ، عليه تملك الشيخ علي بن محمد بن عبدالوهاب، برقم (OR 2987).
رابعاً: مكتبة جامعة برنستون
تضم مكتبة جامعة برنستون بولاية نيوجيرسي ما يُقارب العشرة آلاف مخطوط عربي، ومن أهم المجموعات فيها مجموعة روبرت جاريت التي تحتوي على ما يزيد على 2900 مخطوط عربي، من ضمنها مجموعة تم شراؤها من دار بريل للطباعة والنشر عام 1900م، وتضمّ جزءاً من مجموعة المخطوطات التي اشترتها دار بريل من أمين بن حسن الحلواني المدني، وتضمّ هذه المجموعة عدداً من مخطوطات الدرعية، منها:
• معونة أولي النهى شرح المنتهى للفتوحي، منسوخ في القرن العاشر الهجري تقريباً، عليه وقف الشيخ أحمد بن عبدالله النجدي، وشهد على ذلك الشيخ عثمان بن أحمد بن قايد النجدي، مكتبة برنستون برقم (2606).
خامساً: مكتبة المسجد الأقصى
تقع مكتبة المسجد الأقصى المبارك غرب الجامع القبلي، بين المسجد القبلي والمتحف الإسلامي، افتتحت المكتبة عام 1922م، حيث بدأ تجميع الكتب المخطوطة المنتشرة في مرافق المسجد كخزانة مصلّى قبة الصخرة وغيرها، ويبلغ عدد المخطوطات 4000 مخطوط، ومن المخطوطات التي انتقلت من المدينة المنورة إلى القدس المخطوطة:
• كتاب الأدب المفرد للبخاري، عليه تملك وتعليق تملّك للشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، وفي آخر النسخة أوراق بخط الشيخ سليمان بن عبدالله، وفيها نقولات من خط أبيه، وخط جدِّه الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وفتاوى لجده وللنووي وابن تيمية، وهذه النسخة من مقتنيات «أبي الهدى خالد ابن حافظ محمد ابن حافظ إسحق تابع حسين بيك محافظ المدينة المنورة، ذو القعدة سنة 1236»، برقم 241.
سادساً: مكتبة الجامع الأزهر
تعدّ المكتبة من أقدم المكتبات في القاهرة، إذ نشأت بعد بناء الجامع، وتضم عدداً كبيراً من المكتبات الملحقة به، ومن الكتب التي أمكن الوقوف عليها والتعرف على أنها كانت من ضمن محفوظات مكتبة المدرسة المحمودية وانتقلت من المدينة المنورة إلى القاهرة:
كتاب «المغني في الضعفاء والمتروكين» للإمام الذهبي، برقم (191/ 15086)، عليه تملك سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، وتملك عبدالعزيز بن حمد بن ناصر بن معمر، وعليها تعليقات عدة لسليمان بن عبدالله.
ومن خلال ما سبق ذكره من أمثلة نجد أنّ تراث مكتبات الدرعية انتشر في داخل المملكة العربية السعودية في عدد من مكتباتها، كما انتقل جزءٌ منه إلى خارجها، وكانت المدينة المنورة ومصر هما موضع هذا الانتقال والتداول.

ذو صلة
التعليقات