مجلة شهرية - العدد (507)  | ربيع الثاني 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

الإمبراطورية الرومانية والجوف

أكدت دراسة جديدة على وجود روماني بمنطقة الجوف/دومة الجندل بشمال المملكة العربية السعودية، حيث كانت المنطقة ضمن الكيان الروماني كجزء من إحدى ولايات الإمبراطورية الرومانية، وهي التي سُميَت (ولاية بلاد العرب الرومانية)، حيث عثر على آثار رومانية تتمثل في بقايا حجرة الطعام/الضيافة الرومانية المعروفة باسم (التريكلينيوم) (Triclinium)، خلال حفائر أجريت بالجوف في دومة الجندل. كما يتوقع وجود مسرح روماني في المنطقة المجاورة والتي تتطلب مزيداً من الجهد لتوضيح معالمه الأساسية المدفونة.
وقالت الدراسة التي نشرت في عدد مجلة الجوبة الصادرة عن مركز عبدالرحمن السديري الثقافي في عددها رقم 53 في نوفمبر 2016م: إنه رغم وجود العديد من المصادر والدراسات التاريخية، وكذلك الأدلة الأثرية التي تؤكد وقوع منطقة الجوف تحت مظلة الحكم الروماني من خلال وجودها بين المناطق التي أُطلق عليها اسم (ولاية بلاد العرب الرومانية)، والتي ألقت الضوء على ازدهارها اقتصادياً ومدى أهميتها بسبب وقوعها في طريق تجاري مهم في تلك الفترة؛ إلا أنه لم يتم العثور -حتى الآن- على الأدلة الكافية التي تمكن من صياغة تاريخ اجتماعي وسياسي واقتصادي كامل ومنظم لمنطقة الجوف/دومة الجندل في تلك الفترة.
فقد ورد ذِكر اسم منطقة الجوف في كتابات عالم الفلك والجغرافي اليوناني الشهير كلاوديوس بطليموس (Claudius Ptolemy) تحت اسم دوميثة (Dumaitha)، حيث أشار لها على أنها منطقة غنية اقتصادياً وذات أهمية في شمال شبه الجزيرة العربية.
وقالت الدراسة التي أعدتها الباحثة آيات عفيفي: إنه في أحد المصادر المهمة في الكتابات الرومانية القديمة والذي كُتِب باللاتينية، وهو كتاب التاريخ الطبيعي (Natural History) للمؤرخ والفيلسوف الروماني والمتخصص في علوم الطبيعة جايوس بليِّنوس سيكوندُّس (Gaius Plinius Secundus) الشهير ببليِّني الأكبر (Pliny the Elder)؛ ورد اسم منطقة الجوف دومة الجندل كإحدى المناطق التي ثبت فيها الوجود النبطي ومن بعده النفوذ الروماني لوقوعها في طريق تجاري مهم، بعد أن تحول المركز التجاري والاقتصادي لمملكة الأنباط، في آخر عهدها، إلى الشمال (في مدينة بُصرى).
وأكدت الدراسة، أنه عُثِر على بعض اللُّقَى الأثرية المنقولة والتي منها العديد من النقوش (النبطية والرومانية) العسكرية في منطقة الجوف، تعود إلى الفترة ما بين (القرن الأول ق.م والقرن الأول الميلادي). حيث أكدت الكثير من تلك النقوش ازدهار منطقة الجوف/دومة الجندل خلال فترة مملكة الأنباط، وأيضاً بعد دخولها تحت حكم الإمبراطورية الرومانية، خصوصاً بين (القرن الأول الميلادي وأوائل القرن الثاني الميلادي).
بينما احتوى كتاب (في شمال غرب الجزيرة: نصوص، مشاهدات، انطباعات) للمؤلف حمد الجاسر الصادر في عام (1390هـ/1970م)، وتحت عنوان (الآثار في منطقة الجوف)؛ على أحد أهم اللقى الأثرية -من وجهة نظري- التي تعرض لها الكتاب بالوصف والترجمة والتي أثارت فضولي كباحثة في الآثار والتاريخ لما تحتويه تلك القطعة من معلومات ذات دلالات تاريخية في غاية الأهمية، تلك القطعة هي عبارة عن (نقش كتِب باللغة اللاتينية على لوح حجري)، عثِر عليه ضمن مجموعة من اللقى الأثرية المختلفة التي نُقِلت من دومة الجندل.
وحين كان محمود الغول منتدباً من جامعة الرياض في عام (1387هـ/1968م) لإجراء جولة ومسح أثري في منطقة الجوف ووادي السرحان؛ فقد رأى النقش لدى أمير الجوف في ذلك الوقت - الأمير عبد الرحمن السديري- الذي قام بدوره بإهدائه إلى جامعة الرياض، وهو الآن محفوظ في متحف الجامعة تحت رقم (39) ضمن بقية القطع المحفوظة في المتحف. وقد قام الغول بترجمة نص النقش اللاتيني والذي كان مجمله ما يلي:
(كتب هذا النقش رجل اسمه فلاقس ديو نيسيوس، ينعت نفسه بأنه قائد مئة في الكتيبة الثالثة القرنائية: ويقول في النقش: إنه وفَّى نذره لجوبيتر العظيم آمون، وللقدوس صلم، طلباً لعافية سيديه الأوغسطيين، وهما الإمبراطوران سيبتموس ساويرس وكاركلا، وكانا مشتركين في قلم الدولة الرومانية بين عامي 197 و212 بعد الميلاد. أما الكتيبة التي ينتمي إليها قائد المئة هذا فكان مركزها بُصرى، قاعدة ولاية بلاد العرب الرومانية).
وعند تناول نص الترجمة لهذا النقش بشيء من التحليل المبدئي لما جاء به من معلومات، نجد أنه يفتح الباب للكثير من الفرضيات البحثية المثيرة للفضول والتي يمكن اعتبارها أفكاراً تفتح آفاقاً جديدة للبحث والدراسة حول علاقة منطقة الجوف بالإمبراطورية الرومانية ومدى أهميتها لها، والتي ربما تأتي بالجديد من المعلومات في هذا الشأن، وهذا يمكن شرحه على النحو التالي:
- جاء في النص أن الشخص الذي قام بإهداء هذا النذر كان يعمل (قائد مئة في الكتيبة الثالثة)، ويفترض - وفق النص- أن مقر هذه الكتيبة هو مدينة بُصرى بالشام. وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال عما كان يفعل هذا القائد في منطقة الجوف عند إهدائه هذا النذر لمعبوداته بينما مقر الكتيبة في بُصرى! وهل يمكن أن يعني ذلك وجود جزء من تلك الكتيبة في الجوف حينها أم أنه كان يقيم بها فقط كمركز حضاري قريب من مكان وجود الحامية العسكرية التي يعمل بها في بُصرى!
 - وردت أيضاً في النص أسماء عدد من المعبودات الوثنية التي تنتمي لمناطق مختلفة، حيث إنه في ذلك الوقت لم تظهر من الديانات السماوية إلا الديانة اليهودية ثم الديانة المسيحية فقط، ولم يكن قد ظهر الإسلام بعد. تلك المعبودات هي: (جوبتر) الذي كان يقدس في روما، و(آمون) الذي كان يُقدس في مصر، وأيضاً (صلم) الذي كان يُقدس في منطقة الجوف. فماذا يعني ذلك؟ هل هذا من قبيل التأثير والتأثر بين ثقافات أبناء الولايات الرومانية المختلفة؟ وما مدى قبول معبودات غريبة عن منطقة الجوف مثل جوبتر وآمون -في ذلك الوقت- هل كان لها رواج في حينه أم ماذا؟!
- تم تكريس النص كما أُرخ أيضاً بفترة حكم اثنين من أشهر الأباطرة الرومان، وهما الأب الإمبراطور سيبتميوس سيفيروس (Septimius Severus) والابن الإمبراطور كاركلا (Caracalla) اللذان حكما الإمبراطورية الرومانية حكماً مشتركاً في الفترة من (197م وحتى 211م) تقريباً. ومن المعروف تاريخياً أنه في تلك الفترة ولفترة لاحقة كان شمال شبه الجزيرة العربية (بما فيها منطقة الجوف) إضافة لبعض المناطق الأخرى مثل (جزء كبير من الأردن الحالية وجانب من سيناء والنقب بما في ذلك قطاع غزة)؛ يقع داخل الجزء الذي صُنِف رسمياً في ذلك الوقت (بولاية بلاد العرب الرومانية)، رغم وقوع مناطق عربية أخرى تحت حكم الإمبراطورية الرومانية في حينها. فما مدى أهمية تلك الولاية (بما فيها الجوف) للإمبراطورية الرومانية؟
- النقش في حد ذاته وتقديمه كقربان ونُذر يدعو للتساؤل عن إمكانية وجود معبد -صغير أو كبير- في المنطقة التي عُثِر عليه بها في الجوف. فمِثل هذا النوع من التقدمات النذرية غالباً ما كان يُقدَّم في المكان الخاص بتقديس معبود ما. فهل يعني ذلك إمكانية وجود أحد المعابد الذي ربما يقبع بين ثرى الجوف ولم يُكتَشف بعد؟!
إن هذا النقش بما يحتويه من معلومات تثير الفضول والتساؤل يُعد من اللقى الأثرية المهمة، والذي يستوجب -من وجهة نظري كباحثة- المزيد من الاهتمام والبحث. كما أنه بناء على ما سبق ذكره، فإن منطقة الجوف بما هو أصبح معلوماً من تاريخها القديم وبين ما لم يزل غامضاً مجهولاً؛ تستدعي إجراء المزيد من الحفائر الأثرية والدراسات التاريخية لاكتشاف كنوز هذه المنطقة في العصر الروماني وغيره من العصور التاريخية، تلك الكنوز التي ما زالت مدفونة بين ثراها ولم تُكتَشف بعد، والتي يوماً ما ربما تكشف لنا المزيد عن تفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بها.

ذو صلة
التعليقات