مجلة شهرية - العدد (499)  | شعبان 1439 هـ- مايو 2018 م

الضوء والمسرح.. بناء مفهومي وعمل احترافي

من الصعب للغاية الاستغناء عن الضوء، لاستكشاف كافة أساسيات الحياة وأيضاً البيئة المحيطة بنا، فهناك مجالات عدة مثل علوم (الفيزياء والطبيعية) تعتمد على تقنية الضوئيات لاستكشاف العالم الذي نحيا فيه وفهم أفضل لأساسياته وما به من خبايا وأسرار، كما أن تعميق وزيادة أبحاث تقنية الضوء حققت أعظم المكاسب، ومنذ عشرات القرون توصل علماء الإغريق إلى بعض النظريات في مجال الضوء التي كان لها السبق في فتح آفاق دراسة الضوء لكنها كانت في الغالب نظرية لا أكثر، ولم تتح الفرصة لهذا الجانب الثري والحيوي من جوانب الطبيعة إلا على يد عدد من علماء المسلمين في القرون الوسطى، ففي كتاب (ابن الهيثم) الشهير والموسوم بـ(المناظر) تم الاهتداء إلى طبيعة الضوء ووظائفه وحالة القمر وقوس قزح والمرايا ذات القطع المتكافئ والمرايا الكروية والكسوف والخسوف والظلال، كما أكد ابن الهيثم أيضاً على أن الضوء مستقل عن اللون.

الضوء يشرح كافة الأفكار
بما أن العمل المسرحي هو جزء من كل تلك الأمور السابقة فلا يمكن عزل العمل الفني من السياق الثقافي الذي نشأ فيه ذلك العمل وتطور من ضمنه، وهناك عناصر مترابطة تحقق (البصر) مثل الخط الخارجي والسطح والمستوي والحجم أو الكتلة والضوء والظل والتظليل واللون والملمس، وكلها تعد أموراً تُستقبل بالعين، وفي العمل المسرحي وجد اتفاق على أن تصميم الضوء يهدف إلى شرح كافة الأفكار وذلك بعد وضع الشيء الذي في العقل (شكل) ثم التدليل عليه بصورة خاصة، وبانضمام صورتين أو أكثر مع رابطة يمكن شرح رأي أو إعطاء حكم.
وهناك علاقة وثيقة بين (التمثيل والتأويل) من خلال التصور على اعتباره صيغة تكثيف للوصول إلى إمكانية تركيب الماضي في المستقبل عبر الآني في العرض المسرحي بوجود حقلي التخيل (الماضي والحاضر) وذلك عن طريق محفزات دورية تتمثل في الأشكال فوق خشبة المسرح ليكشف عن قيام الضوء والظلام بتضييق دائرة التأويل بتكثيفها لدى المشاهد من خلال قدرة الضوء على اختزال الأوصاف المُحددة للصور وإمكان حصر المعنى وعدم وصوله لمرحلة التشتت مع لزوم المحافة على قدرة التأويل (بحدود) في إفراز المعاني.

بناء مفهومي لتقريب الواقع
نتيجة لاستخدامها اللون وتمازجه والشكل الهندسي للبقعة الضوئية وتفاعلها مع شكل آخر وبالعديد من التقنيات الحديثة التي تغلبت على إمكانات المسرح المحدودة؛ ظهرت جماليات الإضاءة والتي يمكنها التأكيد على جماليات أخرى مثل الحركة والتكوينات البصرية كونها أول ما يشاهده المتفرج على الخشبة، وهي أول عنصر يعطي إيحاءً ما للمتفرج فيمكن بها التعبير عن القلق أو الخوف أو الاضطراب أو الفرح والسعادة أو الحزن.. إلخ، وذلك من خلال البناء المفهومي بين درجة الإنارة واللون وتوزيع البقع على خشبة المسرح مما ساعدها على إكمال دور باقي العناصر. وكرست جو الدراما مع الممثل وما حوله من كافة المؤثرات.
والإضاءة لها دور كبير في حالة الإيهام بالطبيعة، فهي تقرب الواقع قدر الإمكان للمشاهد ويمكنها إظهار الشمس أو القمر أو المطر وما شابه في حالة لزوم الأمر ذلك وهي لها دلالة على الزمان والمكان ويمكنها التعبير بإيجاز ووضوح عن زمن الأحداث مثل الليل والنهار والشتاء والصيف ويمكنها التعبير عن المكان مثل موقع ما أو مدينة ما أو بناية ما. والإضاءة عنصر مكمل لفنيات العرض المسرحي ولها تأثير على نجاح المشهد ولها جاذبية خاصة على ما يراه المشاهد من صور مسرحية.

مراحل تطور وعمل احترافي
في بداية عهده اعتمد المسرح على ضوء الطبيعة (الشمس) بوضع تصاميم مسارح مكشوفة في الجبال لتصل أشعة الشمس لمنطقة التمثيل والتي كانت دوماً عروضاً صباحية، وكان لتلك المرحلة عيوب حيث كانت العروض تخضع لحالات الجو ورهن سطوع الشمس أو عدم سطوعها، ثم تطور الأمر وتم استخدام المشاعل لإنارة العروض داخل الكهوف كما استُخدمت المشاعل في عروض الصباح للتعبير الرمزي عن المشاهد التي تحدث في الليل وهو ما كان متبعاً في كلا المسرحين الإغريقي والفرعوني، وأما في المسرح الروماني فكانت معظم العروض المقامة عروضاً صباحية معتمدة على ضوء الطبيعية وفي العروض التي كانت تقام ليلاً كانت تستعمل فيها نوعيات من مصابيح الزيت والمشاعل التقليدية.
ومع التطور اللاحق في فترة العصور الوسطى، اعتمدت الإضاءة على الشموع عوضاً عن المشاعل بالعروض المقامة داخل الكنيسة، وبالنسبة إلى تلك العروض التي كانت تقام في الساحات فقد اعتمدت على الضوء الطبيعي ثم مرت القرون وظهرت تطورات أخرى صاحبت العروض المسرحية وإن بدت تطورات محدودة، وأما في القرن السابع عشر الميلادي فقد أضيئت المسارح لاحقاً بواسطة الشموع.
وفي المسارح المقفلة كانت الإضاءة مركزة في صحون دائرية كبيرة ذات شموع كثيرة، وكانت تضيء كلاً من صالة العرض وخشبة المسرح، كما تم ثبيت صحون أخرى صغيرة أمام وخلف الأجنحة لإضاءة المناظر بجانب استخدام الإضاءة الأرضية لتأكيد معالم الممثل، وعن مشاهد الليل فكان الممثل يحمل في يديه شموعاً ساعدت على إيهام المشاهد بظلال الليل إلى أن شهد العالم ظهور الكهرباء في القرن التاسع عشر حيث تطورت الإضاءة المسرحية بشكل مختلف تماماً عما سبق، وكان اختراع الكهرباء بداية الطريق نحو آفاق جديدة في فنية إضاءة المسرح حيث ظهر مصباح الكهرباء (المتوهج) ليجد أيسر الطرق وأوسعها لكافة العروض المسرحية وذلك في نهايات القرن آنف الذكر، ولكن ما لبث أن بدأت أعمال وممارسة احترافية للإضاءة لتظهر في طرائق متعددة ومدارس مختلفة مثل (الطبيعية والواقعية والرمزية). ثم جاء القرن العشرون حاملاً معه عدداً من الابتكارات وكان من ضمنها ابتكارات الإضاءة التي صاحبها تطور في أجهزة الإضاءة وكل ما هو جديد في ميكانيكية المسرح، وظهرت العديد من الأجهزة الإلكترونية، التي ساعدت على تطوير الإضاءة من ناحية وفنية المسرح من ناحية أخرى.

لغة وفعل وتأثير دراماتيكي
هناك نظريات حديثة في العلوم الإنسانية تستخدم الصورة لغة لها، مما يعني أن الضوء بمثابة (لغة)، والضوء عنصر من عناصر العرض المسرحي الأساسية، فهو لغة العرض وهو يعطي العرض الحركة التي تبقيه في حالة دائمة ومستمرة  لعرض أشكال تقترب من معناها من خلال (الوحدة والتنوع والتوازن والتأكيد والإيقاع)، إذ إن الإضاءة مهمتها الخديعة في المطابقة بين الحدث وأبعد تحولاته، والإضاءة بتبريرها الفعل تضمن حقيقة تأثيراته، وليس مستحباً وضع كم كبير من الضوء في العرض المسرحي، وقد وجب العمل عند تأسيس التكوين المسرحي السير وفق أربعة أسس أولها الإضاءة (الرئيسية)، وهي إضاءة عالية الكثافة ومن زوايا موضحة، ثم الإضاءة (الثانوية)، وهي إضاءة يكون عملها مساعداً للإضاءة الرئيسية، ويمكن تسميتها في العديد من الأحيان بالإضاءة (المكملة)، ومن تأثيراتها أنها تُحدد كمية الظلال الواقع بين الإضاءة الرئيسية في الأشكال، ولها تأثيرات في قيمتها الدراماتيكية، ولها ضرورة كبيرة في خلق التوازن لهدف من أهداف التكوين، وهناك الإضاءة الحادة وهي أساساً إضاءة عالية لحافة الشكل الساقطة على الخلف وتعتمد درجة براقيتها في خلق تناسب بينها وبين إضاءة الشكل الرئيسية والثانوية وزوايا الإسقاط، وهناك الإضاءة (الفيضية) أو العامة، وهي تقوم بتقليل التباينات في الإضاءة والظلال المضاءة إلى تلك الحدود المطلوبة لتعرف الشكل، وهي لا تحتاج إلى أن تكون ذات خاصية مباشرة بل ذات إضاءة طبيعية وعند استخدامها بكميات محدودة نوعا ماً لا تقلل من التأثير الدرامي للظلال حيث تظهر التباينات حادة وخشنة، لتساعد الشكل على امتلاك معناه وحركته ووظيفته التأثيرية، وفي العديد من التجارب أفسحت المجال للأشكال والتكوينات والصور المسرحية لأخذ دورها والعمل على تأديته.

صيغة فنية وتأكيد وتركيز
لا تكتسب الإضاءة أهميتها من خلال تعدد مصادرها أو من خلال تطور تقنياتها، ولكن من خلال التعامل المدروس لتلك الإضاءة، كما وجد فرق بين كل من الإنارة والإضاءة حيث إن الإنارة تجعل من رؤية المتفرج للمشهد أمراً ممكناً، في حين أن الإضاءة المسرحية هي صيغة فنية تصاغ بشكل مدروس ومحدد لإضفاء دلالة أو حالة نفسية محددة ومقصودة بحد ذاتها، وهي تهدف إلى خلق جو معين يعيش فيه الممثل والمتفرج وذلك يُحدد من خلال عدة وظائف أهمها الرؤية وهي أبسط وظيفة للإضاءة لكنها من الناحية التاريخية أتت في المقدمة، وهي إضفاء رؤية واضحة وكافية للمتفرج وتشمل إبراز أجساد الممثلين وتعبيرات وجوههم وفاعلياتهم الحركية وإنارة الخشبة وكل ما بها سواءً من خلفيات أو ديكورات أو أكسسوارات علماً بأن ضعف الرؤية أو عدم وضوحها قد تُعقد عملية التلقي وتجعل المتفرج في نوع شديد من حالات الإرهاق بجانب ما يعرف بالتأكيد والتركيز؛ لأن العمل على خشبة المسرح يتحكم فيه المخرج بكل جزئياته، فهو ينتقي تفصيلاً صغيراً على الخشبة، أو جزءاً محدوداً منها لتدور فيه الأحداث، ومن ثم يلغي باقي الأجزاء فى مشهد ما، أو قد يقسم الخشبة إلى قسمين أو ثلاثة أو أكثر، وكل منها يعبر عن منظر أو مكان محدد للأحداث، ويتم إلغاء المنظر الذي لا تدور الأحداث حوله الآن وذلك عبر تعتيم الإضاءة، ومن خلال الإضاءة يؤكد مخرج العمل على وجه أحد الممثلين أو أحد مواضع جسده أو قطعة ديكور معينة وذلك بتسليط ضوء أكبر فوقه مع ترك باقي المواضع في الظل.
وكل تلك الأمور تُعد من مهمات الإضاءة الرئيسية التي تنقل المتفرج إلى عوالم وأفكار، وهم أمام نفس المنظر، وهو ما أوضحه خبراء وفنيون عملوا في المسرح لعقود متواصلة بتأكيدهم من أن درجة الظل إنما تُعادل درجة الضوء في إضاءة الشخصيات المسرحية، كما أن الإيهام بالطبيعة يظهر من خلال إعطاء تأثير ضوء الشمس أو ضوء القمر، بحسب متطلبات المشهد نفسه، إضافة لخلق الجو المناسب من كافة النواحي (زمانية ومكانية وانفعالية) والتي يتحكم فيها كثافة الضوء ولونه مما يؤدي في النهاية إلى الوصول للتكوين الفني المراد إيجاده، وعلى سبيل المثال قد تساعد ألوان الضوء الزرقاء أو الخضراء الأجواء (التراجيدية)، بينما ألوان الضوء الحمراء أو الصفراء قد تساعد الأجواء (الكوميدية).

حالات نفسية.. وتأثيرات وجدانية
وجدت هناك علاقة وثيقة الصلة بين المخرج المسرحي ومصممي الإضاءة والديكور، وهي علاقة تفسر ما يبتغيه المخرج والكاتب من حالات نفسية وإعطاء الديكور جمالية بإسقاط الضوء عليه، وقد ظهرت بجلاء جهود مصممي الإضاءة في الانتقال بالمشاهد الدرامية لما هو مطلوب من تأثيرات وجدانية، فقد تتخذ إضاءة المسرح أوضاعاً متعددة في التعبير عن جماليات متنوعة في العرض المسرحي، فعلي سبيل المثال قد يُحلل مصمم الإضاءة من منظور قيمتها العرض المسرحي واحتياجاتها الضوئية، وبالإمكان توضيح كل مكان في النص يتعلق بالضوء، بما في ذلك تغييرات قوة الضوء، مثل الانتقال من شروق الشمس إلى إضاءة مصباح كهربائي، ويمكن أن يكون هناك حاجة إلى تنوع الإضاءة في مختلف المشاهد.
كما أن النص يمكن أن يُحدد الزاوية التي يدخل منها الضوء مع اهتمامه الخاص بجو العرض المسرحي وضرورة فهمه أسلوب النص لتحديد ما إذا كان مصدر الضوء ناتجاً عن مصباح ما أو ضوء شمس من خلال النافذة، ثم يتبعه تشاوره مع مصمم الديكور والمخرج ويقوم مصمم الإضاءة في المسرح المحترف بتقديم رسومات تبين هيئة المسرح عندما يتم إضاءته. وأما في المسارح التقليدية ففيها يتم الاتفاق بين مصمم الإضاءة والمخرج على كيفية إضاءة المسرح وذلك عقب تركيب ما هو مطلوب من وحدات ديكور.
كما يُقسم مصممو الإضاءة عملية إضاءة المسرح إلى ثلاث مراحل: أولها الإضاءة (المحددة)، وفيها تُركز الإضاءة على مساحة معينة من خشبة العرض، وتُستخدم لإضاءة أماكن تتطلب تركيزاً أكبر، وثانيها الإضاءة (العامة)، وفيها تُستخدم لإضاءة وحدات الديكور، والمساحات الموجودة خلف خشبة المسرح، وملاءمتها مع الإنارة في خشبة العرض، وآخرها ما يعرف بـ(المؤثرات الخاصة)، وهي التي تشير إلى العديد من تقنيات استخدام الضوء، مثل تسليط شعاع يبرز الغيوم أو النار أو النجوم، أو بوجود نماذج على المسرح، تُمثل ضوءاً ينفذ من خلال غصن شجرة ما، أو غير ذلك من المؤثرات الأخرى.

ذو صلة
التعليقات