مجلة شهرية - العدد (499)  | شعبان 1439 هـ- مايو 2018 م

تجربة إبراهيم الشعبي الشعرية

- 1 -
الشعر في جازان قصة عشق لا تنتهي، وتوالي أجيال لا تتوقف، ورحلة إبداع ممتدة عبر القرون، ولعل كُتب الأستاذ حجاب الحازمي: (الشعر في جازان خلال ثمانية قرون من القرن الخامس الهجري إلى القرن الثاني عشر)، وكتابه (لمحات عن الشعر والشعراء في منطقة جازان خلال العهد السعودي)، وكتاب الدكتور حسن النعمي: (الشعر في جازان من1351- 1418هـ.. دراسة موضوعية وفنية)؛ تؤكد هذه الحقيقة؛ إذ سنجد أمامنا كماً هائلاً من الأسماء الشعرية، وتراثاً شعرياً ضخماً، يشي برحلة إبداعية ممتدة عبر القرون، وأجيال شعرية متعاقبة، تحمل قصة عشق جازان وأهلها الأبدية للشعر، هذه القصة التي لا تنتهي ولا نريد لها أن تنتهي.
لذلك لم يكن مستغرباً أن يرتبط اسم جازان بالشعر، وأن يرتبط الشعر بجازان، فهذا التاريخ الطويل، وهذا التراث الشعري الضخم، وهذه الأسماء التي سجلت حضورها المبدع في الذاكرة الشعرية، تؤكد أصالة التجربة، وتشي بعمق جذورها الممتدة عبر التاريخ، وتجيب عن السؤال الدائم: لماذا هذا الحضور البهي المستمر للشعر في جازان؟ وهو سؤال يواجهنا في كل مناسبة، ومع كل اسم شعري جديد يلمع من جازان.
فإذا ما تجاوزنا هذا التاريخ الطويل للشعر في جازان، إلى التاريخ القريب، وتحديداً خلال العهد السعودي الحديث الممتد من عام 1351هـ إلى وقتنا الحالي، أي خلال هذه الثمانين عاماً القريبة؛ فسنجد -مرة أخرى- ما يؤكد خصوبة التربة الشعرية في منطقة جازان، ويؤكد أنها بيئة ولادة للشعر والشعراء، إذ سنجد أنفسنا أمام أكثر من ستة أجيال شعرية متلاحقة:
الجيل الأول: ويمثله الشعراء: محمد بن علي السنوسي، ومحمد بن أحمد العقيلي، وأحمد بن علي عبد الفتاح الحازمي، وعلي بن حسين الفيفي، وعلي بن قاسم الفيفي، وأحمد عبدالله باهادون العطاس، ومعهم عدد من العلماء الشعراء أمثال الشيخ حافظ الحكمي، والقاضي علي السنوسي، والقاضي محمد أحمد إدريس الحازمي، والقاضي أحمد بن حسن عاكش.. وغيرهم.
- الجيل الثاني: ويمثلهم الشعراء: علي بن أحمد النعمي، وإبراهيم بن حسن الشعبي، وإبراهيم مفتاح، وحجاب بن يحيى الحازمي، وحسن علي أبو طالب القاضي، وأحمد ابن علي حمود حبيبي، ومحمد حسن مشاري، وحسن فرح الفيفي، وجبران قحل، وعلي مديش بجوي، وحسن أبو علة.. وغيرهم.
الجيل الثالث: ويمثلهم الشعراء: علي صيقل، وحسين جبران كريري، وأحمد يحيى بهكلي، وإبراهيم عمر صعابي، وأحمد إبراهيم الحربي، ومحمد عبده شبيلي، وحسن يحيى ضائحي، وعلي حملي.. وغيرهم.
الجيل الرابع: ويمثلهم الشعراء: عبدالله أحمد الفيفي، وحسين أحمد النجمي، وإبراهيم حسين زولي، ومحمد مسير مباركي، وحسن بن حجاب الحازمي، ومحمد بن حمود حبيبي، وعلي محمد الحازمي، وحسين سهيل، وعلي محمد الأمير، وعبدالرحمن موكلي، وعلي رديش دغريري، ومهدي أحمد حكمي، وعيسى بن علي جرابا، وعلي بن يحيى بهكلي، وأحمد السيد عطيف، وجلوي حكمي، وعبدالمحسن يوسف، ومحمد حسن بوكر، ومحمد أبو عقيل، والحسن مكرمي.. وغيرهم
الجيل الخامس: ويمثلهم: محمد إبراهيم يعقوب، وحسن أحمد الصلهبي، وأيمن عبدالحق، وموسى عقيل، وموسى الأمير، وملهي عقدي، وجبران قحل، ونوّاف حكمي، ويحيى إبراهيم الشعبي.. وغيرهم.
الجيل السادس: ويمثلهم: حسين صميلي، ومحمد مسملي، وموسى شافعي، ومحمد علاالله حكمي، وشقراء مدخلي، وحسن صميلي، وعبدالله مفتاح، ورياض حسين سهيل، وإبراهيم النعمي وناصر عليان، والحسين الحازمي، ومجدي شافعي، وعبده حسن سيد، وأحمد القيسي، وأحمد عداوي، وإياد أبو شملة حكمي، وطارق صميلي، ووافي سواحلي وعلي حمود أبو طالب، ومحمد الضبع، وطالع عقدي، ومهدلي عارجي، وعبدالله عبيد، سهام عريشي، وداليا معافا.. وغيرهم
وهي أجيال متداخلة زمنياً، ومتقاربة فنياً، ولكن ما يجعلنا نفصلها إلى أجيال، هو التقارب الزمني والكتابي في النشر لكل جيل، إضافة إلى أن لكل جيل من هذه الأجيال خصائصه الفنية والموضوعية التي تميزه عن الجيل الذي قبله، على أن ذلك لا يعني قطيعة تامة مع الجيل السابق له، وإنما يعني إفادة من التجربة السابقة، ومحاولة جادة للتجديد والتطوير في تجربته الحالية.
- 2 -
هذا مدخل أردت من خلاله أن أقدم صورة موجزة لأجيال الشعر في منطقة جازان خلال العهد السعودي الحديث الزاهر، وهي المرحلة الزمنية التي ينتمي إليها الشاعر الكبير إبراهيم بن حسن الشعبي، المولود في صامطة عام 1357هـ المتوفى عام 1431هـ عليه رحمة الله، لنعرف إلى أي جيل شعري ينتمي، وكيف يمكن أن نقف على تجربته الشعرية من خلال ربطه أولاً بجيله الذي يحمل خصائصه المميزة التي تركت بصمتها على تجربة الشاعر، ومن خلال تجربته الشعرية ذاتها التي ربما تعكس -بصورة أو بأخرى- تجربة جيل بأكمله.
ينتمي إبراهيم الشعبي زمنياً وفنياً إلى الجيل الثاني من أجيال الشعر في منطقة جازان خلال العهد السعودي الحديث، وهو الجيل التالي لجيل السنوسي والعقيلي ومن معهما. والجيل الثاني لم يكن بعيداً -زمنياً أو فنياً- عن الجيل السابق له، بل إن شعراء الجيل الثاني عاصروا شعراء الجيل السابق، واستفادوا من تجربتهم ومن معاصرتهم، ولكن لعل ما يدفع إلى تصنيفهم جيلاً ثانياً، هو أن الجيل الأول سبقهم زمنياً في الولادة، وفي بداية الظهور الشعري، وفي النشر والانتشار، فهم رواد الشعر في جازان في بداية النهضة الحديثة للشعر السعودي، ثم إنهم -ثانياً- بدأوا في الظهور والانتشار بعدهم بعقدين تقريباً، وشكلوا مجتمعين جيلاً جديداً ثانياً موازياً ومعاصراً للجيل الأول، ومفيداً من تجربته، وساعياً إلى التجديد والتطوير في موضوعاته وأدواته الفنية.
 فإذ أردنا أن نستجلي ملامح هذا الجيل، فيمكن الوقوف عند مجموعة من النقاط المهمة المشتركة التي يمكن أن تضيء لنا جزءاً من تجربة شاعرنا الشيخ إبراهيم الشعبي (يرحمه الله).
فمن الناحية الفنية سنجد اتفاقاً تاماً بينهم على البناء الفني التقليدي للقصيدة العربية التي تعتمد البناء الشطري، وتحافظ على الوزن الواحد والقافية الواحدة -غالباً- وتقدم مضمونها الاجتماعي الواقعي الهادف والموجه -غالباً- ضمن هذا الإطار من البناء، حريصة على وضوح المعنى وقوته، بغض النظر عن الصور الخلاقة المبدعة التي تشير إلى خصوصية ما، وتميز في التجربة، مع وجود استثناءات في بعض قصائدهم التي يمكن تلمس بعض الملامح الجمالية فيها، وفي إنتاج الشاعر علي النعمي -على وجه الخصوص-، الذي كان أكثرهم غزارة في الإنتاج، وأكثرهم نشراً - إذ نشر ثمانية دواوين - وأكثرهم تنوعاً في تجربته الشعرية، وفي تغييه للجماليات.
ومن الناحية المضمونية: سنجد المجتمع وقضاياه، والمناسبات الوطنية والاجتماعية حاضرة بصورة كبيرة في مضموناتهم، كما سنجد حرصاً على قوة الطرح من خلال الانتقاد الواضح للأوضاع، ومحاولة الإصلاح التي كانت حاضرة بصورة قوية في شعرهم، وهذا أثر كثيراً على البناء الجمالي في شعرهم، ولكنهم حصلوا في المقابل على اعتراف المجتمع بهم كشعراء أقوياء يدافعون عن قضياهم -من خلال الشعر- الصوت العربي الأقوى تأثيراً، وهم بذلك يمثلون الشاعر العربي القديم، الذي كان صوت قبيلته، وحربة مجتمعه، والمدافع الأول عنه، وهذه النقطة بالذات ستنقلنا إلى الملمح الثالث في تجربتهم (أي تجربة هذا الجيل)، وهذا الملمح هو: عدم جمع شعرهم ونشره مطبوعاً لتقرأه الأجيال- باستثناء علي النعمي -يرحمه الله- وحتى النعمي لم يبدأ في نشر شعره إلا متأخراً وبعد إلحاح كبير من محبي شعره، وربما يفصل بين بداياته الشعرية في الثمانينات الهجرية ونشر شعره في عام 1405هـ ربع قرن تقريباً، أما البقية فسنقف عندهم واحداً واحداً: فإبراهيم الشعبي لم يجمع شعره إلا متأخراً، وله ديوان واحد مطبوع نشر عام 1424هـ، وحسن علي أبو طالب القاضي كذلك لم يصدر له إلا ديوان واحد هو الجوهريات. وصدر متأخراً جداً عام 1430هـ، وحجاب الحازمي لم يصدر له إلا ديوان واحد، وصدر متأخراً جداً (عام 1435هـ)، وحسن فرح الفيفي كذلك، وحسن أبو علة كذلك، وجبران قحل، -يرحمه الله- كذلك، وأحمد علي حمود حبيبي كذلك -إذ لم يطبع إلا مجموعة من الأناشيد- وعلي مديش (يرحمه الله) لم يطبع إلا ديواناً واحداً، وفي وقت متأخر من تجربته.
وهذا الأمر يثير مجموعة من الأسئلة ومجموعة من الاحتمالات: فهل يرجع ذلك إلى عدم رضا عن التجربة؟ أم يرجع إلى اكتفاء الشاعر بما تحقق له من سمعة ومعرفة وشهرة، وبالتالي فلا داعي للطباعة والنشر، مادام الهدف قد تحقق، والشاعر أصبح محفوظاً ومتداولاً، وشاعريته معترف بها على مستوى المجتمع الذي ينتمي إليه، وأنا أميل إلى هذا الاحتمال لأسباب كثيرة:
أولها: أن شعراء هذا الجيل حققوا بالفعل شهرة واعترفاً بشاعريتهم على مستوى مجتمعهم لم تتحقق لكثير من شعراء الأجيال التالية لهم. فهم الصوت المنشد في كل مناسبة، وهم الشعراء المحافظون على القصيدة العربية الأصيلة، وهم الصوت القوي المؤثر.
وثانيها: نتيجة للسبب الأول إذ أصبح شعرهم محفوظاً ومتداولاً والدليل على ذلك أن كثيراً من شعرهم مازال محفوظاً إلى الآن في صدور جيلهم وعل ألسنتهم يستشهدون به في كل مناسبة، للدلالة على قوة شاعريتهم وقوة شعرهم -وميزان القوة لديهم كما أسلفت- يكمن في المضمون وجرأته، وقدرته على الانتقاد.
وثالثها: وهو نتيجة لما سبق، أن هذا الاعتراف بشاعريتهم أحدث لديهم نوعاً من الرضا عن تجربتهم وعن مكانتهم، فما الذي يريده الشاعر أكثر من أن يكون معروفاً وأن يكون شعره محفوظاً ومتداولاً، وأن يكون صوته قوياً ومؤثراً في مجتمعه، وما الذي ستقدمه له طباعة ديوان -أو حتى عشرة دواوين- أكثر من ذلك.
وهنا أعود لأؤكد أن شعراء الجيل الثاني كانوا -في الغالب- يمثلون صوت الشاعر العربي القديم، ذلك الصوت القوى، الذي يطير شعره في الآفاق منقولاً عبر المشافهة وحاملاً النقد والحكمة، وممثلاً للقبيلة والمجتمع.
- 3 -
فإذا ما انتقلنا إلى الحديث عن تجربة شاعرنا الشيخ إبراهيم الشعبي، فإننا يمكن أن نتلمس ملامحها من خلال ملامح جيله الذي ينتمي إليه، كما يمكن لنا أن نخرج من خلالها بملامح جيله أيضاً.
فتجربة الشعبي ذات شقين: تجربة غائبة -لم تدون- ولكنها محفوظة أو جزء منها في صدور جيله ورواة شعره، وتجربة مدونة وتتمثل في ديوانه الوحيد الذي طبعه متأخراً جداً -بعد الستين من عمره، وبعد أكثر من أربعين عاماً من بداية تجربته الشعرية- وهو ديوان (وحي الواجب) الذي يحمل بين دفتيه خمساً وعشرين قصيدة فقط، فهل يمكن أن تكون هذه القصائد هي حصاد كل تجربته؟ لا أعتقد ذلك، إذاً فلماذا اختار الشاعر خمساً وعشرين قصيدة فقط؟ ولماذا فضل أن يُبقي جزءاً من تجربته غائباً؟ هل هو عدم رضا عن القصائد الغائبة، أم أنه اطمئنان إلى حفظها في الصدور، ورغبته في أن يبقى لتجربته وتجربة جيله جزء  رئيس من ملامحها؟
إذاً فالتجربة الغائبة لا أستطيع الوقوف عليها، ولكني أستطيع من خلالها أن أؤكد على ملح مهم من ملامح الجيل الثاني لأجيال الشعر في منطقة جازان الذي يعد الشعبي أحد أبرز شعرائه، وهو إحساسهم بأنهم امتداد للشاعر العربي القديم الذي كان ينشد شعره ويمضي ويترك للرواة حفظه ونقله، ورضاهم التام عما تحقق لهم من اعتراف المجتمع بقوة شعرهم، وأصالة شاعريتهم.
التجربة الحاضرة
سأتوقف إذاً عند التجربة الحاضرة في ديوانه (وحي الواجب)، فما الذي يمكن أن يبوح به العنوان من دلالا ت؟ وما العلاقة بين العنوان ومحتوى الديوان؟ وما أبرز الملامح المضمونية والفنية فيه؟
عنوان الديوان: وحي الواجب، وهو عنوان فرعي لإحدى قصائد الديوان، بل هي أول قصيدة في الديوان، وربما كانت هذه القصيدة أثيرة لدى الشاعر، فرأى أن تكون عنواناً للديوان وأولى قصائده، ومع ذلك فيمكن أن نخرج من هذا الإطار المحتمل الذي ربما قصده الشاعر، إلى إطار أكبر يمكن أن يشير إلى مفهوم الشعر عند الشاعر، وإلى نظرته لشعره على وجه التحديد.
فكلمة وحي -كما جاء في لسان العرب- تعنى من ضمن ما تعني: الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام، والوحي: المكتوب والكتاب.
والشعر عند كثيرين مرتبط بلحظات الإلهام، وهو أيضاً إشارات، وهو أيضاً مكتوب وكتابة وكتاب، فهل أراد الشاعر معنى واحداً من هذه المعاني أم أرادها كلها، ولماذا أضاف كلمة واجب؟ هل أراد أن يؤكد أن الشاعر يجب ألا يستسلم لدفقات الإلهام وحدها؟ بل إن عليه مسؤولية تجاه مجتمعه تحتم عليه أن يستشعر أن هذه الموهبة يجب أن تقوم بمسؤوليتها وواجبها تجاه مجتمعها.
ويمكن القول إن الشاعر أراد كل ذلك، فهو من جهة استحسن قصيدة وحي الواجب ورآها صالحة لأن تكون عنواناً للديوان، ومن جهة أخرى ربما رآها تحمل مفهومه للشعر فهو وحي وإلهام، وهو رسالة تكون واجبة في كثير من الأحيان، فالشاعر لسان قومه وصوت مجتمعه، وهو الصوت الأكثر أثراً، ولعل إطلالة على قصائد الديوان وموضوعاته تؤكد هذا الاحتمال، فالقصائد في مجملها تشير إلى مناسبات معينة، وهذا يؤكد استشعار الشاعر لمسؤوليته، وإحساسه بواجبه، فموت الأعلام والعلماء يشعر الشاعر بواجب الرثاء، يدفعه حبه لهم أولاً، ويدفعه واجب الوفاء والاعتراف بفضلهم -ثانياً- وهذا ربما يبرر وجود تسع قصائد من قصائد الديوان كلها رثاء لأعلام ماتوا، وتأملوا معي هذا العناوين: مرثية الشيخ عبداللطيف آل الشيخ، الدمعة الحمراء في رثاء الشيخ محمد علي الشعبي، عبرات الوفاء بمناسبة وفاة الشيخ محمد ناصر الحربي، الشيخ حافظ الحكمي، مرثية الأستاذ عامر الألمعي، مرثية وتأبين...
فإذا تأملنا بقية قصائد الديوان، فسنجد استشعار الشاعر لواجبه ومسؤوليته حاضراً فيها جميعها، فقصيدته الأولى وحي الواجب هي إدراك لواجب الشاعر تجاه مجتمعه وقضاياه، ولذلك حملت كثيراً من الحكمة، وكثيراً من النصائح الموجهة، إلى المعلمين والمربين وإلى الجيل الشاب في رحاب العلم، فتارة يوجه الخطاب للمعلمين داعياً إلى أن يكونوا قدوة وأن يبتعدوا عن الكبر والجفاء والغلو، وتارة يوجه نداءه للشباب مشجعاً وفاتحاً لهم أبواب الأمل:
أمعلمي الأجيال في حفل الهدى اليوم أنتم قدوة ولواء
وقصيدته الثانية: برلمان الكون، يكتبها من المشاعر المقدسة في موسم الحج منادياً العرب والمسلمين إلى الوحدة والوقوف في وجه الأعداء مستشعراً واجبه تجاه أمته.
 وقصيدته تقريظ كتاب أبطال الصحراء، أملاه شعور بالواجب تجاه الأمير محمد السديري يرحمه الله، واعتزازه بإهدائه كتابه، وبما جاء فيه من بطولات ومعان.
وقصيدته نشيد الصحراء وطلعة الهدى أملاهما شعوره الوطني، واستشعاره لواجب الاعتراف بأفضال الدولة السعودية ومؤسسها وملوكها على البلاد والعباد والأمه كلها.
 وقد خبت نار بني أمتي لكن أبى الفيصل أن تخمدا
إن وسيط الخير في عصرنا أنصف هذا الذهب الأسودا
وأغلب قصائد الديوان نابعة من إحساس الشاعر بواجبه تجاه مجتمعه ووطنه وأمته، لذلك فهي ممثلة بواقعية لعنوان الديوان، والديوان من خلال عنوانه يمكن أن يشير إلى محتواه.
ويمكن أن نخرج من خلال ذلك بأهم الموضوعات التي طرحها الشاعر في ديوانه، ومنها:
1) قضية الوطنية وما يبوح به شعره من صدق في الانتماء ومحبة لهذا الوطن وقادته، واعتراف بفضل الدولة السعودية، وما أحدثته من نقلة نوعية في خدمة شعبها ووطنها والأمة الإسلامية كلها، ويمكن تملس ذلك في قصائده التالية: (نشيد الصحراء، طلعة الهدى، صقر الجزيرة، أرض خبت الخارش، مع شباب العلم، كهولة، مشتل الخرج).
2) قضايا الأمة العربية والإسلامية، واستشعاره للتفكك، ودعوته للوحدة لكي تستعيد الأمة أمجادها، وتعيد حقوقها المسلوبة، وعلى رأسها فلسطين، وهذا ما نجده في قصائده: (برلمان الكون، نشيد الصحراء.. وغيرهما).
3) الدعوة إلى الوسطية، ونبذ الفرقة والخلاف بين أبناء المجتمع المسلم، والتحذير من الغلو والتكفير، وهذا ما نجده في قصائده: وحي الواجب، مع شباب العلم، كهولة، تحيه الأشياخ، رد التحية، في موكب التنزيل.
4) الوفاء لأساتذته وعلماء بلده، ويلمس ذلك بوضوح من خلال قصائده الرثائية التسع التي ختم بها الديوان.
5) حضور جازان في شعره في أكثر من قصيدة.
ملامح فنية
فإذا ما انتقلنا إلى الملامح الفنية في ديوان الشاعر، فيمكن أن نتوقف عند النقاط التالية:
1) كتبت جميع قصائد الديوان بالطريقة، الشطرية، وفقاً للأوزان الشعرية الخليلية، وهو النهج الذي ارتضاه الشاعر لتجربته الشعرية، ولم يحد عنه، ولم يحاول أن يخوض غمار تجربة التفعيلة أو ما عرف بالشعر الحر، مع أن المرحلة التي بدأ فيها الكتابة كانت هذه التجربة في أوج حضورها وازدهارها في العالم العربي، ولذلك عدّه كثير من النقاد والدارسين من ضمن الشعراء المحافظين، ومنهم: (الأستاذ حجاب الحازمي، والدكتور حسن النعمي)، أي الذين حافظوا في شعرهم على بنية القصيدة العربية التقليدية، وهو أمر يشترك فيه مع كل شعراء جيله، والشاعر يُدِلُّ بذلك مرتين: مرة في الإهداء إذ يقول إلى أولئك المولعين بالشعر العربي المقفى، ومرة أخرى في مقدمته الصغيرة التالية للإهداء إذ يقول: فإنني أقدم باكورة إنتاجي الشعري في (25) قصيدة راجياً أن يفيد منها من يتذوق الشعر المقفى من ذوي الحس المرهف من شعراء وأدباء وقراء.
2) ولعل محاولة الشاعر الجاهدة في الحفاظ على البناء التقليدي للقصيدة العربية، وعدم رغبته في خوض غمار التجارب الجديدة، وإحساسه بمسؤولية الشاعر ومسؤولية إيصال الرسالة بوضوح وقوة؛ حرم تجربته شيئاً من جماليات القصيدة الجديدة، خصوصاً فيما يتعلق بالصور الشعرية المبتكرة. ومع ذلك فإنه قد حقق لشعره نوعاً من القوة أكسبته حضوراً شعرياً في مجتمعة الذي اعترف له بقوة شعره وشاعريته، وتتعدّد مصادر هذه القوة وتتآزر في شعره بدءاً بقوة البناء الشعري في حفاظه على بنية القصيدة العربية، وتماسكها وقوة سبكها، وصدق عاطفتها ثم قوة الموضوعات التي يطرحها، ثم مهارته في اختياره لكثير من مفرداته التي تشكل قاموسه الشعري، والتي تشير إلى تمكن في اللغة، فكثير من المفردات الواردة تحتاج إلى رجوع إلى المعاجم، وهذا الفعل ارتبط بتجربة الكثيرين من جيل الشاعر، فهو فعل يحمل في داخله تفوق الشاعر وقوته، ويحمل الآخرين على الاعتراف بهذه القوة، وانتهاء بالحكمة المبثوثة في شعره، والانتقادات الجريئة التي تحمل مطالبة بتغيير وضع أو تحسين خدمة -خصوصاً فيما يتعلق بأمر جازان- فأما الحكمة فلا تكاد تخلو منها أي قصيدة، وأما النقطة الأخيرة المتعلقة بالنقد والجرأة فأمثلتها كثيرة أيضاً، ومنها قصيدة تحية الأشياخ ورد التحية، وفي موكب التنزيل، ومنها على سبيل المثال أيضاً الجزء الأخير من قصيدته مشتل الخرج، إذا انتقل من الحديث عن مشتل الخرج إلى الحديث عن جازان فيقول:
وسد جازان مرصود بلا تعب
مشاتلاً كل شبر من أراضيه
لابد من نظرة نحو الجنوب إلى
شيخ فقير ومسكين نواسيه
يا فيصل الخير ضاعف بذل مؤنته
فسلة الخبز قالوا عن روابيه
- 4 -
إذاً فالملامح المضمونية والفنية في شعر الشعبي، تؤكد أنها تحمل ملامح جيله، وتعكس أيضاً تأثرهم ببعضهم، فالشفاهية حاضرة في تجربتهم جميعاً، ولذلك اكتفوا بإنشاد شعرهم، ومضوا ولم يجمعوه -إلا متأخرين- وبعضهم لم يجمعه إلى الآن، ولعل في إشارة الشاعر الشعبي في بداية ديوانه ما يؤكد ذلك فهو لم يقل: كتبه أو لم يكتف بذكر اسمه على صفحة الغلاف، وأنما كتب في الداخل: لمنشده إبراهيم بن حسن الشعبي، والإنشاد صفة لازمة من لوازم المشافهة، والمحافظة على البناء التقليدي حاضرة في تجربتهم جميعاً، حتى في عناوينهم الرئيسة والفرعية، التي تأتي واضحة ومباشرة، وفي أحيان كثيرة مستمدة من شطر من أشطر أحد أبيات القصيدة.
واستمداد القوة الشعرية، من خلال قوة الطرح، وقوة النقد، ووضوح الفكرة وإيصال الرسالة حاضرة في مجمل تجربتهم جميعاً، وهي التي أسهمت في اعتراف المجتمع بشاعريتهم وقوتها وأغنتهم، عن الحرص على طبع نتاجهم.
ولذلك حفظ المجتمع شعرهم، ورفع مكانتهم، وحققوا من الشهرة والذيوع ما لم يتحقق لكثيرين غيرهم من الأجيال اللاحقة.

ذو صلة
التعليقات