مجلة شهرية - العدد (517)  | أكتوبر 2019 م- صفر 1441 هـ

الكتابة والقلق وأطياف من الماضي البعيد (10)

 

 

كنتُ قد توقَّفتُ في الحلقة السابقة عند المظاهر التي تجدُّ على حارة الأغوات مع حلول شهر الصوم المبارك، والمتمثلة في أولئك الفتية الذين يتجمَّعون قبل عصر كل يوم ليحملوا دوارق الماء من تلك السُّبل المنتشرة في أنحاء الحرم، حتى إذا ما بلغوا المسجد النبوي بدؤوا في وضعها داخل الصناديق الخشبية المخصصة لها، حتى يتمكن الصائمون من شرب الماء البارد عند حلول موعد الإفطار، وهي ظاهرةٌ اختفت تماماً مع تطور وسائل تبريدِ الماء، وما يتَّصل بها كالأوعية المخصصة للشرب. ومن الذاكرة أستعيدُ أسماءَ أشهرِ السُّبل التي كانت تقومُ في الحارة، وهي: المنادي، المقيم، مالاه، الأفندي البرِّي، الشريف حسن، وهناك سُبلٌ تقوم في المنطقة تحمل اسم (سقيفة رصاص) والمُطلَّة على باب السلام مثل سبيل البكري واليماني، والهدفُ من إيراد هذه الأسماء هو التدليلُ على تعدُّدِ الأعراق في البلدة الطاهرة، واندماجها جميعاً في هذه البيئة التي عُرفت بهذا المنحى الحضاري والاجتماعي منذ هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها ومؤاخاته بين المهاجرين والأنصار.
تتعدَّدُ حلقاتُ العلمِ في الحرم النبوي الشريف في شهر رمضان خاصة، كما تتعدَّدُ المذاهبُ التي يستقي منها هؤلاءِ العلماءُ، ولا يتعدَّى الخلاف بينهم في فروع الشريعة، وذلك قبل أن تنتشرَ للأسف بعض أدبيات تيار الإسلام السياسي، وهي أدبياتٌ غريبة علينا، حيث احتكرتْ فهمَ الدين عليها، وبخاصة إن كان ذلك من حيث التسمية أو المضمون. ولعلِّي أشيرُ إلى بعض أسماء العلماء الذين كان يتلقى العلم منهم عامَّةُ الناس وخاصَّتُهم، فهناك الشيخ محمد علي التركي، وهو ينتمي لأسرة استقرت في المدينة منذ أواخر العصر العثماني، كما ينتمي في علمه لمدرسة الإمام أحمد بن حنبل، وكان الشيخ التركي على قدرٍ كبير من الورع والزهد، وكان من آرائه المختلف عليها هو أن المدينة كلَّها وقفٌ، فلا يجوز التملُّك فيها، وهناك رأي مماثل عند بعض الفقهاء فيما يتَّصل بمكة المكرمة، مع رأي مخالف يجيز تملُّك المنازل فيها، وهو رأي عند بعض فقهاء الشافعية، اعتماداً على قول النبي صلى الله عليه وسلم في عام الفتح عندما سأله بعض أصحابه رضوان الله عليهم، لماذا لا يحلُّ مدة إقامته في مكة في شعب بني هاشم، حيث وُلد وعاش؛ فكان جوابه صلى الله عليه وسلم: (وهل تركَ لنا جعفرُ فيها من دار) يعني ابن عمه جعفر بن أبي طالب.
ومن أقدمِ الحلقات في الحرم النبوي كذلك حلقة الشيخ عمر محمد جاد فلاته، وكان عامَّةُ الناس ينحازون لحلقته وحلقة المحدِّث الشيخ محمد المختار الشنقيطي لاستخدامهما أسلوباً سهلاً وواضحاً في الشرح وإبانة الأحكام الشرعية. وحلقة الشيخ إبراهيم الختني، وهو حنفيُّ المذهب. وحلقة الشيخ عمار الأزعر، وهو مجاورٌ من بلاد المغرب العربي. وحلقة الشيخ محمد المنتصر الكتاني، وهو مالكي المذهب، وحدَّث في الحرمين الشريفين، ويلتقي معه في هذه المزية الشيخ عمر بن حمدان المحرسي، وهو من أصحاب السند العالي في علم الحديث، وهو الوحيد الذي لُقِّبَ في عصره بمحدِّث الحرمين الشريفين، ومع أنه كان مالكيَّ المذهب إلا أنه كان يختلف مع المالكية في عدد من القضايا، ومنها قضية الإسبال في الصلاة.
أما الحلقة الأكثر حضوراً وتميزاً في شهر رمضان فهي حلقة الشيخ الفقيه محمد المختار الجكني، وكان يُلقي درسه في الرواق الواقع بين الحصوتين، وكان عالماً بدلالات آيات القرآن الكريم، وقادراً بفقهِهِ الواسع ودرايته العلمية على الجمع بين مصدري التشريع، أي القرآن والسنة، ودفع شُبهة الاختلاف بينهما، كما أنه كان يتناول الآيات من ناحية الإعجاز القرآني بلاغةً وفصاحة، وربما انقضى الشهر الكريم وهو لا يزال في شرح بعض الآيات، وما يُستنبط منها من أحكامٍ فقهيةٍ، وقد ترك تفسيراً فريداً في هذا الباب، اسمه (أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن)، وأكمله من بعده تلميذه الشيخ الفقيه المالكي عطية محمد سالم. ومن رؤية خاصة فإن الجكني هو أحد ثلاثة علماء رُزقوا الفهم الدقيق في تفسير معاني القرآن الكريم، والاثنان الآخران هما الشيخ محمد عبدالله دراز في كتابه (النبأ العظيم)، والشيخ محمد متولي الشعراوي - رحمهم الله جميعاً.
ومن أشهر الحلقات المتخصصة في القرآن الكريم حلقة الشيخ حسن الشاعر، شيخ القراء في عصره، في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد حفظ على يديه القرآن عدد من أئمة المسجد النبوي الشريف، وكان من آخرهم الشيخ إبراهيم الأخضر، والذي يُعدُّ مرجعاً في مخارج الحروف وضبطها في ترتيل القرآن، وقد أدركتُ الشيخ الشاعر في حلقته التي لا تبعد كثيراً عن خَوْفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان ذلك في النصف الثاني من حقبة الثمانينات الهجرية، وكان مما يتميز به هو قدرته على الاستماع لأكثر من طالب أو مُريدٍ في وقت واحد، ويردُّ عليهم أنه بَدَرَ منهم خطأٌ أو سهوٌ، وقد تجاوزتْ سمعة الشيخ بيئة المدينة إلى سواها، وقد أخبرني فضيلة الشيخ محمد بن سبيل إمام وخطيب الحرم المكي الشريف -رحمه الله- بأن الشيخ الشاعر قدم إلى مكة وكان برفقته معالي الشيخ صالح قرار الأمين العام السابق لرابطة العالم الإسلامي، وكان الشيخ يؤم الناس في الحرم المكي الشريف لصلاة المغرب، فاقترب منه الشيخ الشاعر وخاطبه قائلاً: لقد أجدتَ في قراءتك، واعتبر الشيخ ابن سبيل ذلك الثناء بأنه شهادة من عالِمٍ ومرجعٍ متخصص. ويُعتبر الشيخ السبيل من أكثر علماء عصره انفتاحاً ووسطية واعتدالاً كشيخه وسلفه سماحة الشيخ عبدالله بن حميد الذي سبق عصره في كثير من المسائل في قضية أصولية مهمة، وهي استنباط الأحكام الشرعية والفقهية لما يستجد من قضايا للناس، حيث إن الدين الإسلامي هو خاتمة الأديان وأحكامه تتسقُ مع كل مكان وزمان.
وعرفتُ عالماً آخر ليس لديه حلقة علمية ولكنه عُرفَ بتعمُّقِهِ في علم المواريث الشرعية، وهو علمٌ دقيقٌ ونفيسٌ، ألا وهو الشيخ أحمد عبدالجواد الذي كان جليساً لعدد من حفظة القرآن الكريم، مثله في الصفَّة بالحرم النبوي، وهم المشايخ حسن بخاري، جميل شيناوي، السيد مصطفى العلوي، السيد عباس صفر، الشيخ حسين أبو العُلا، كما كان صديقاً لشيخ الأزهر الأسبق فضيلة الدكتور عبدالحليم محمود والذي قام بتقديم كتابه القيِّم عن أصول الإسلام، وقد تُرجم هذا الكتاب للغات عدة منها الإنجليزية.
وكانت حلقة الشيخ عبدالرحمن مضَّاي الجهني من الحلقات التي يسعى إليها المريدون وطلبة العلم الذين يطمعون في معرفة مدرسة الإمام الشافعي الفقهية، والذي يعتبر أحد المؤسسين لعلم الأصول في الشريعة الإسلامية.
وللتاريخ فإن انتشار هذه الحلقات أو سواها في أروقة الحرم النبوي الشريف، وعلى اختلاف مشاربها، إضافة إلى تشجيع صغار السن على حفظ القرآن وترتيله خصوصاً في شهر رمضان المبارك، حيث كانت تقوم هذه الحلقات التي يؤم فيها صغارُ السن المصلين ممن يكبرونهم سناً في أماكن مختلفة من المسجد النبوي الشريف؛ كل ذلك كان وراءه شخصية إمام الحرمِ النبوي الشريف المسؤول عن الحلقات العلمية فيه لمدة نصف قرن من الزمن، أعني فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن صالح -رحمه الله-، وكان إلى جانب الإمامة رئيساً للمحاكم الشرعية بالمدينة المنورة، وعضواً في هيئة كبار العلماء، فلقد كان من الرموز المضيئة والأمثلة الحية للوسطية والاعتدال والتسامح، وكان منفتحاً على طلاب العلم من خلال مجلسه الذي يُعقدُ عصرَ كل يوم في داره المُطلَّة على الحرم النبوي الشريف.
رحم الله الجميع من علماء السلف والخَلَف، وأسكنهم فسيحَ جناته، جزاء ما قدَّموا لأمة الإسلام والمسلمين في جميع بقاع الأرض.

 

 

ذو صلة
التعليقات